من الصعب أن نتخيل شبكة شعبية كـ"نتفليكس" تتعرض للفشل أو لهبوط في قيمتها السوقية، كيف ذلك وهي من أكثر المنصات شهرة على الإطلاق، وليس فقط على الورق وإنما في حياتنا أيضًا، فكل يوم نسمع عن عمل جديد قامت به المنصة لتتمكن من جذب الملايين حول العالم لمشاهدته، كلعبة الحبار مثلًا.

ولكن الحياة مليئة بالمفاجآت، ولا يبقى الحال كما هو عليه أبدًا، فقد صدمتنا إدارة نتفليكس، بعد عرضها لتقرير الأرباح للربع الأول من 2022 بأنها خسرت -ولأول مرة منذ عشر سنوات- 200 ألف مشترك على مستوى العالم، بل وتتوقع أن يزيد العدد إلى 2 مليون مشترك خلال الأشهر الثلاثة القادمة. وانعكس هذا التقرير على سعر أسهم الشركة لينخفض بمقدار 35% مباشرةً بعد الإعلان، وتنخفض معه قيمتها السوقية بما يعادل 42 مليار جنيه استرليني (حوالي 55 مليار دولار تقريبًا).

وبهذه الأرقام المخيبة لآمال الشركة، يمكن القول إن نتفليكس قد خسرت رسميًا كل الأرباح التي حققتها منذ ذروة كوفيد-19، فما الأسباب وراء هذا التراجع الكبير لواحدة من أضخم منصات الترفيه على الإطلاق؟ تلك المنصة التي كانت ترفع أسعارها حتى فوجئت بهذا التقرير.

أسباب تراجع عدد المشتركين في منصة نتفليكس، وكيف ستحاول استرجاعهم؟

السبب الرئيسي للخسائر التي منيت بها نتفلكس هو التراجع الكبير في عدد المشتركين للمرة الأولى منذ عقد من الزمان، ففي الوقت الذي كان محللو وول ستريت يتوقعون نموًا يقارب 2.5 مليون عميل جديد، فوجئوا ليس فقط بثبات في عدد المشتركين أو انخفاض رقم الزيادة المتوقع، بل بتراجع في عدد الاشتراكات القائمة بالفعل بعد أن ألغى عدد كبير من المشتركين حساباتهم على الشبكة، بما يقدر بحوالي 200 ألف مستخدم.

وعلى الرغم من تلك الأرقام المخيفة، إلا أن منصة نتفليكس مازالت تملك ما يقارب 222 مليون مستخدم نشط حول العالم، مما يجعلها في مقدمة شركات البث الأكثر ضخامة على الإطلاق، ومع ذلك فهناك العديد من التحديات التي تواجه المنصة الأمريكية، والأسباب التي أدت إلى تراجعها تتلخص فيما يلي:

أعطت جائحة كوفيد صورة ضبابية من خلال تضخيم نمونا في عام 2020، مما دفعنا إلى الاعتقاد بأن معظم نمونا المتباطئ في عام 2021 كان بسبب تراجع ذروة الفيروس فقط

مشاركة كلمات المرور مع ملايين المستخدمين

وهو من أبرز الأسباب التي ألقت نتفليكس عليها اللوم لانخفاض أرباحها، فحسب تقارير الشركة، هناك حوالي 100 مليون مستخدم يقومون بالدخول إلى المنصة عبر مشاركة كلمات المرور مع أصدقائهم، وفي الحقيقة فإن نتفليكس كانت على علم بهذا الأمر منذ سنوات، بل وسمحت به ضمنيًا ليكون وسيلة لإقناع المستخدمين بالاشتراك في المنصة، فبدلًا من دفع 10 دولارات شهريًا، فيمكنك مقاسمة المبلغ مع صديقك والحصول على خصم 50%، ما يشجع على الاشتراك في المنصة بدلًا من تركها بشكل كامل.

مشاركة كلمات المرور مع ملايين المستخدمين في نتفليكس

ولكن في الفترة الأخيرة وبعد أن زاد عدد المستخدمين "المجانيين" بشكل مبالغ فيه، بدأت نتفليكس خطتها لمحاربة مشاركة كلمات المرور، والآن وبعد تقرير الأرباح الصادم للشركة فلن تتردد في تضييق الخناق على العملاء الذين يشاركون كلمات مرورهم، فهناك 100 مليون مستخدم مجاني تحتاج الشركة إلى تحصيل الأموال منهم!

وقد بدأت نتفليكس بالفعل في محاربة هذا الأمر، وذلك عن طريق فرض رسوم إضافية لكل حساب يتم الوصول إليه خارج عنوان المستخدم، تقدر هذه الرسوم بـ 3 دولارات، وبدأ تطبيقها في بعض الدول المحدودة جدًا حتى الآن.

زيادة أسعار الاشتراكات

أعلنت المنصة الترفيهية العملاقة مع بداية العام الجديد عن زيادة أسعار اشتراكاتها الشهرية لتصبح 9.99 دولارًا بدلًا من 8.99 للاشتراك الأساسي (جهاز واحد دقة HD)، و 15.49 بدلًا من 13.99 للاشتراك الأعلى (جهازين دقة HD) وأخيرًا 19.99 بدلًا من 17.99 للاشتراك البريميم (4 أجهزة دقة 4K).

وكانت نتيجة هذه الزيادة في الاشتراكات أن خسرت المنصة 600 ألف عميل في جميع أنحاء الولايات المتحدة وكندا فقط، وصرحت نتفليكس أنها تجد أن تلك الأسعار الجديدة تتماشى مع توقعاتها ولكن من الواضح أن للجمهور رأي آخر.

وبناء عليه، تفكر نتفليكس بتقديم أسعار أخرى مخفضة مقابل ظهور بعض الإعلانات، وهو ما تخطط خدمة ديزني بلس للقيام به بالفعل في نهاية هذه السنة، وعلى المستوى الشخصي فأنا لا أمانع مشاهدة إعلان أو اثنين مقابل دفع "مبلغ رمزي" للاشتراك، وأعتقد أني لست الوحيد، ولهذا فإن قيام نتفليكس بهذه الخطوة قد يساعد عملية إنقاذها، ولكن عليها بالتعجيل في طرح هذا الاشتراك وعدم الانتظار لمدة طويلة.

قطع الخدمة عن روسيا

كانت نتفليكس من ضمن المنصات التي حجبت خدماتها عن روسيا للتنديد بالحرب القائمة على أوكرانيا، وقد أعلنت الشركة أن هذا القرار في حد ذاته قد سبب لها أذىً واضحًا، فقد فقدت بسببه فورًا 700 ألف مستخدم مقيم داخل روسيا.

ولكن لا تحسب الشركة هذا السبب خسارة، فقد قطعت الخدمة في المنطقة بكامل إرادتها، ويمكنها إعادتها في أي وقت، إذا اعتبرنا أن المواطنين الروس لن يقوموا بمقاطعتها هم الآخرون.

اشتداد المنافسة مع المنصات الأخرى

على الرغم من أن نتفليكس هي المنصة الترفيهية الأولى، سواء من حيث الظهور أو الشعبية، إلا أنها في منافسة شرسة مع عدد كبير من المنصات التي ظهرت بعدها، نتحدث هنا عن أمازون برايم، HBO، ديزني بلس وحتى أبل TV، فجميعها منصات ظهرت وتنافس بضراوة على المركز الأول.

وفي نفس الوقت الذي أعلنت فيها نتفليكس عن تقرير أرباحها، أعلنت HBO هي الأخرى عن تقريرها للربع الأول نفسه من 2022، والذي استطاعت فيه الحصول على 3 ملايين مشترك جديد، ليصبح إجمالي مستخدمي المنصة 76.8 مليون مشترك.

نتفليكس توضح خطواتها التالية لتدارك تلك الخسائر

بجانب فرض رسوم على مشاركة كلمات المرور وتقديم اشتراكات أقل سعرًا مع بعض الإعلانات، تدرس نتفليكس بعض الخطوات الأخرى الأكثر توسعًا لتتمكن من تعويض خسائرها، والإجابة هنا ببساطة تتمثل في محاولة الحفاظ على العملاء الحاليين، وإقناع مشتركين جدد بالانضمام للخدمة.

ترغب نتفليكس في التوسع خارج أمريكا وكندا، حيث يتربع أكبر عدد من المشتركين في هذه المنطقة، وذلك عن طريق تحسين المحتوى المعروض على المنصة والتأكد من أن المشاهد راضٍ عنه تمامًا، ولهذا ستجد قريبًا أن حسابك في نتفلكيس يضم "أصبعين للإعجاب" وليس واحدًا أو كما يمكن تسميته بالإبهام المزدوج، وغرضه التفريق بين المحتوى الذي يعجبك، والذي "يعجبك بشدة"، ما سيساعد نظام التوصية في المنصة من اقتراح أعمال تناسبك بشكل أفضل.

أصبعين للإعجاب في نتفليكس

تنوي نتفليكس كذلك التوسع في أعمالها الأصلية وتقديم محتوى أفضل دراميًا، ونحن في تِك لا نفقه شيئًا عن ذلك ولذلك ننصحك بسؤال أصدقائنا في أراجـيك فن عن كيف يمكن لنتفليكس تحسين أعمالها. تهدف المنصة الأمريكية كذلك إلى تقديم محتوى يتناسب مع الشعوب المختلفة لجذب مشتركين جدد من جميع أنحاء العالم.

هكذا ستحارب نتفليكس من أجل تعويض خسارتها لـ 40 مليار دولار، ولا يمكن تجاهل أن المنصة الأمريكية في مأزق حقيقي، فهي لن تتمكن من تحقيق أرباح بالطرق التقليدية المتمثلة في رفع الأسعار، حيث كان ذلك من أسباب خسارتها في المقام الأول.