0

“لم أكن أعتقد أنّنا سنصل إلى هذه المرحلة في حياتي”. هذه هي الكلمات التي استجاب بها أحد قادة الأبحاث في علم الأحياء البنيوي للبحث الذي نُشر الأسبوع المنصرم، والذي تم فيه استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ ببنية أكثر من 20 ألف بروتين بشري، بالإضافة إلى جميع البروتينات المعروفة تقريباً التي ينتجها 20 كائناً نموذجياً، مثل الإشريكية القولونية وذباب الفاكهة والخميرة، وكذلك فول الصويا والأرز الآسيوي. هذا هو مجموع إجمالي يبلغ حوالي 365 ألف تنبؤ.

قفزة البيولوجيا العملاقة على ظهر الذكاء الاصطناعي

تم إصدار البيانات للجمهور لأول مرة، عبر الإنترنت في 22 يوليو/حزيران من قبل فريقٌ مشترك من الباحثين في «DeepMind»، وهي شركة ذكاء اصطناعي مقرها لندن مملوكة لشركة جوجل الأم، وشركة «Alphabet»، والمعهد الأوروبي للمعلومات الحيوية، ومقرّه مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي بالقرب من كامبريدج، المملكة المتحدة.

طوّر فريق DeepMind أداةً للتعلم الآلي تسمى «AlphaFold». قام الفريق بتدريب هذا البرنامج على تسلسل الحمض النووي، بما في ذلك تاريخه التطوري، والأشكال المعروفة بالفعل لعشرات الآلاف من البروتينات الموجودة في قاعدة بيانات الوصول العام للبروتينات التي يستضيفها باحثو مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي.

وقبل أسبوع، أصدرت DeepMind أيضاً الكود المصدري لـ«AlphaFold» ووضعت بالتفصيل كيف تم بناؤه، في نفس الوقت الذي نشر فيه باحثون من جامعة واشنطن، سياتل تفاصيل برنامج آخر للتنبؤ ببنية البروتين -مستوحى من «AlphaFold»- يسمى «RoseTTAFold3».

ولم يكن الكشف عن هذا الكتالوج من الهياكل المُتنبأ بها خبراً ساراً لو لم تكن البيانات والمنهجية مفتوحة ومتاحة مجاناً، حيث بدأ علماء الأحياء الهيكلية والباحثون الآخرون بالفعل في استخدام «AlphaFold» للحصول على نماذج أكثر دقة للبروتينات التي كان من الصعب أو المستحيل توصيفها بالطرق التجريبية الحالية.

اقرأ أيضًا: نظام Windows 11 والألعاب الرقمية.. ماذا يقدّم النظام الجديد عند الحديث حول الألعاب؟

تسريع تنبؤ الهيكل

كان التنبؤ بالشكل ثلاثي الأبعاد الذي تنثني به البروتينات أحد “التحدّيات الكبرى” التي لم يتم حلها في علم الأحياء منذ اكتشاف بنية الحمض النووي نفسها في عام 1953، قبل الذكاء الاصطناعي، كان التنبؤ بالبنية من التسلسل عملية تستغرق وقتاً طويلاً، مع ضمان ضئيل للحصول على نتيجةٍ دقيقة.

وبالرغم من أنّ البيانات الجديدة بحاجة إلى التحقّق من صحتها والتحقق منها تجريبياً، إلا أنّ أدوات الذكاء الاصطناعي يمكنها التنبؤ بدقة بتراكيب البروتين في غضون دقائق إلى ساعات، مقارنةً بالأشهر، أو السنوات، التي كانت تستغرقها الطرق التقليدية لتحديد بنية بروتين واحد أو اثنين فقط، وهذا يفتح إمكانياتٍ هائلة للتطبيقات، على سبيل المثال في هندسة الإنزيمات لتحطيم الملوثات البيئية مثل اللدائن الدقيقة.

لم تعتمد الإنجازات التي تحقّقت مؤخّراً على مشاركة البيانات المفتوحة فحسب، بل على التقدّم في العلوم والتكنولوجيا الأساسية، فمنذ الستينيات، عمل علماء الأحياء البنيوية على مناهج متوازية لفهم علم طي البروتين، ويتضمّن أحدها تجميع هياكل البروتينات من خلال فهم القوى الفيزيائية الأساسية.

كما كانت هناك محاولات أخرى للتنبؤ بالأشكال عن طريق إجراء مقارنات مع البروتينات وثيقة الصلة باستخدام التاريخ التطوّري للكائن الحي، ومن ثم كان هناك الدور الهام لتقنيات التصوير، بدءاً من تصوير البلورات بالأشعة السينية وحتى الفحص المجهري الإلكتروني بالتبريد.

في العلوم الأساسية للبيولوجيا الهيكلية، لا تزال هناك مشاكل رئيسية يتعيّن حلها، فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي في العلوم والتكنولوجيا جيد في إظهار نتائج دقيقة، إلا أنّه لا يشرح (على الأقل في الوقت الحالي) كيف أو لماذا حدثت هذه النتائج.

لكن يجب تهنئة الفرق في DeepMind ومختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي وجامعة واشنطن والمؤسسات المشاركة الأخرى على الإنجازات الحاسمة، ولكن لا يزال هناك عمل يتعين القيام به لإطلاق العنان للمعلومات حول كيفية وسببية انثناء البروتينات.

اقرأ أيضًا: الجيل الجديد من الروبوتات سوف يكون مرنًا وناعمًا.. قد ترغب باحتضان الروبوتات الجديدة القادمة!

الإتاحة للعامة وإنهاء الاحتكار

من حيث الأهمية، يقارن البعض التطورات الحديثة هذه بالمسودة الأولى لتسلسل الجينوم البشري قبل 20 عاماً، وصحيح أن هناك مقارنات يجب إجراؤها بين الإنجازين، إذ يقوم كل من مشروع الجينوم البشري وكتالوج DeepMind لتنبؤات بنية البروتين البشري بتجهيز حقولهم بأداة تم إعدادها لتسريع الاكتشاف بشكل ملحوظ.

المسودة الأولى للجينوم البشري كانت نتيجة سباق، واستفاد حل طي البروتين أيضاً من نوع من المنافسة، وذلك من خلال حدثٍ سنوي يسمى «التقييم النقدي لتوقع بنية البروتين» (CASP)، والذي كان ضرورياً للحصول على النتيجة الأخيرة.

احتاجت فرق البحث اليوم -تماماً مثل أولئك المشاركين في تسلسل الجينوم المبكر- إلى الوصول المفتوح إلى البيانات، فمن خلال إتاحة البيانات والمنهجية للجميع، تضع DeepMind الآن معياراً سيجعل من الصعب على الشركات الأخرى في هذا المجال، مثل فيسبوك ومايكروسوفت، الاستمرار في الجدل حول احتكار البيانات.

وهكذا، ماذا عن المستقبل؟ خلال الأسبوع الماضي، أجرت مجلة «Nature» العلمية مقابلاتٍ مع ما يقرب من اثني عشر باحثاً في هذا المجال، أجمع معظمهم على أنّه من السابق لأوانه التنبؤ بالضبط بالتأثير الذي سيحدثه تطبيق الذكاء الاصطناعي في علوم الحياة، باستثناء أنه أياً كان التأثير، سيكون تحويلياً مفصلياً.

إن التنبؤ الدقيق بكيفية قيام الذكاء الاصطناعي بتغيير علم الأحياء يحتاج إلى بيانات تدريب جيدة، وهو ما لا نمتلكه حتى الآن، لكن في الذكاء الاصطناعي، يمتلك مجتمع أبحاث البيولوجيا الهيكلية -والمتعاونون معه في مجالاتٍ أخرى- مجموعةً هائلةً من البيانات الجديدة.

وبالإضافة إلى أبحاثه وبياناته، يوفر الذكاء الاصطناعي نافذة على نماذج لتنظيم وإدارة البحث ينبغي على الجامعات دراستها، وبالنسبة لباحثي اليوم والأجيال القادمة، هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن متابعته.

اقرأ أيضًا: عملاق البحث Google يعلن نهاية عهد APK باعتماده AAB تنسيقاً إلزامياً للتطبيقات!

0

شاركنا رأيك حول "الذكاء الاصطناعي يغير قواعد لعبة علم الأحياء البنيوي إلى الأبد!"