إن كثرة المنافسين وعمرها البالغ ما يقارب العامين لم يغير من حقيقة أن Meta Quest 2 لا تزال نظارة الواقع الافتراضي المفضلة لدى الغالبية الساحقة من المستخدمين، وهذا ما جعل جمهور اللاعبين ينتظر بفارغ الصبر الإصدار المتطور من هذه النظارة، ولكن وللمفاجأة أعلنت ميتا أن نظارة Meta Quest 3 لن تكون مشروع الواقع الافتراضي التالي لها، وأنها ستعطي الأولوية في نظارتها القادمة للإنتاجية والتي تستهدف من خلالها المستخدمين العاملين في المكاتب وليس اللاعبين، لتكون بذلك الشركة الثانية بعد «Nimo Planet - نيمو بلانت» التي تفكر في تقديم فائدة حقيقية للمستخدم وتخلق له بيئة عمل متنقلة يحملها معه أينما ذهب.

لا يزال المستخدمون يرون أنّ الواقع الافتراضي شكل من أشكال الترفيه، لكن شركة ميتا تحرص من خلال منتجها الجديد أن توضح لنا كيف يمكن للواقع الافتراضي أن يغير الطريقة التي نتفاعل ونتواصل ونعمل بها ويجعلها أكثر كفاءة وذلك من خلال إظهار مزاياه في مجال بعيد عن اللعب والتسلية وفي نفس الوقت يلامس حياتنا اليومية وهو مجال العمل، المجال القادر على إثبات أن أجهزة الواقع الافتراضي ليست مجرد موضة عابرة بل ثورة تقنية حقيقة تؤثر بشكل إيجابي وفعال على حياتنا.

تم الإعلان عن نظارة الواقع الافتراضي الجديدة لشركة ميتا والتي تحمل الاسم الرمزي “Project Cambria” في مؤتمر "connect" الخاص بالشركة المنعقد في أكتوبر العام الماضي، وهي نظارة واقع افتراضي عالية الجودة قائمة بذاتها تركز من خلالها شركة ميتا بشكل أكبر على الإنتاجية لتتمكن هذه النظارة فيما بعد أن تحل محل الكمبيوتر المحمول للمستخدم وتوفر له بيئة عمل متنقلة؛ ولهذا السبب سيعمل هذا المنتج على تحسين بيئة العمل والدمج بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي بسلاسة، وقد كان من المقرر طرح هذه النظارة العام الماضي ولكن تعرضت عملية الإنتاج لتأخير نتيجبة للوباء ومشاكل أخرى، أدى ذلك إلى تأجيل إطلاقها إلى سبتمبر العام الحالي.

وعلى الرغم من أننا مازلنا لا نعرف الكثير عن مشروع Project Cambria حيث لم يتم الكشف عنه رسميًا حتى الآن، إلا أن الرئيس التنفيذي لشركة ميتا والمساهم الأكبر في الميتافيرس، مارك زوكيربيرج، نشر عبر حساباته الرسمية مقطعًا يقوم فيه بتجربة النظارة المُرتقبة، لم يٌظهر تصميم النظارة وتعمد إخفاءه، ولكن قام باستعراض طريقة عملها تحديدًا، حيث استعرض ما أطلق عليه اسم "ما وراء العالم - The World Beyond" والذي يقوم بالمزج بين العالمين المادي والافتراضي، حسب وصف مارك، فرأيناه يقوم بفتح تطبيق ماسنجر بشكل افتراضي للتحدث مع أصدقائه، ثم قام بإخراج قلمه الافتراضي والكتابة على ورقة افتراضية.

إليك كل ما نعرفه عن نظارة Project Cambria حتى الآن

لم تكشف شركة ميتا بعد عن المعلومات والتفاصيل الكافية والواضحة حول مواصفات نظارتها الجديدة، ولكن ما تمكنا من معرفته إلى الآن هو أن نظارة Cambria تتميز بتصميم محكم وبيئة عمل محسّنة وقوة معالجة، كما تتمتع كل عدسة بدقة عالية تمكّن المستخدم من قراءة النصوص ورسائل البريد الإلكتروني بسهولة ووضوح. ستكون Cambria أولى نظارات ميتا المزودة بمستشعرات لتتبع عيون المستخدمين وتعابير وجوههم والتي يمكن أن تعكسها صورهم الرمزية في تطبيقات مثل Meta's Horizon Worlds و Workrooms.

نظارة Project Cambria - تصميم تخيلي

أما بالنسبة للبطارية فهي موجودة في الجزء الخلفي من الجهاز مما يخلق تصميمًا مشابهًا إلى حد كبير لنظارة HoloLens 2 من مايكروسوفت، وهذا التصميم يجعلها مريحة عند ارتدائها، وحجم البطارية في نظارة Cambria الذي هو أكبر من حجم بطارية Quest 2 سيجعلها أثقل من حيث الوزن، ولكن من غير الواضح أو المؤكد أنها ستسبب أي مشاكل للمستخدم بسبب ذلك.

وفي عالم الأعمال لا يزال هناك تشكيك في قدرتها على تشغيل تطبيقات سطح المكتب الأصلية المستخدمة على نطاق واسع في الأنشطة التجارية، أو إن كان يمكنها التعامل مع المهام الأخرى التي يتم إجراؤها في الغالب على أجهزة الكمبيوتر المحمولة للعمل مثل معالجة الكلمات وإنشاء جداول البيانات، ولكن من الواضح أن مارك واثق من هذا المشروع حيث رأيناه يقوم بتدوين الملاحظات بشكل افتراضي، ليبين أنه يستهدف استخدام هذه النظارة في الإنتاجية بشكل كبير.

سيتم تطوير السلسلة بأكثر من إصدار سنويًا

رغم تعرض شركته لضغوط  وقيود من جميع الجهات، وصرف 10 مليارات دولار على قسم Reality Lab يواصل زوكربيرج الإنفاق على بناء المزيد من أجهزة الواقع المعزز والواقع الافتراضي، ويصر على رهانه بأنها ستكون مستقبل العمل واللعب والتسوق، فبعد إطلاق الإصدار الأول من نظارة Cambria هذا العام والتي من المحتمل أن يصل سعرها إلى 799 دولار، سيكون هناك إصدار جديد من نظارة Quest منخفضة التكلفة في عام 2023 والتي من المحتمل أن تباع بسعر 299 دولار.

ولن تكتفي شركة ميتا بهاتين النظارتين، بل إنها تخطط  لإطلاق عدة أجيال من نظارات الواقع المعزز الأكثر تطورًا، ففي عام 2024 ستطلق الشركة نظارتها الراقية والمميزة "Project Nazare" والمراد منها تقديم تجربة AR كاملة مع مجال رؤية واسع ورسومات ثلاثية الأبعاد، إلى جانب تصميمها المقبول اجتماعيًا والمناسب للارتداء في الأماكن العامة، يليه تصميم أخف وزنًا وأكثر تطورًا لعام 2026 وإصدار ثالث لعام 2028 بينما من المقرر أن تصدر نسختين جديدتين من نظارات Quest الشهيرة في عامي 2023 و 2024 على التوالي.

يأمل زوكربيرج أن يؤدي انتشار هذه الأجهزة إلى قبول أوسع للواقع الافتراضي لدى المستخدمين وهذا ما سيساعد في دفع رؤيته للميتافيرس إلى الأمام، وتحقيق أحلامه في الوصول إلى عالم افتراضي غامر يعمل فيه الناس ويتواصلون ويلعبون ويتفاعلون بسلاسة وكفاءة عالية، وهو يدرك أن الاستثمار في هذه الأجهزة لن يكون مربحًا على المدى القصير فقد صرح أن ما يرمي إلى تحقيقه يحتاج إلى 15 عامًا من العمل وأنه الآن يضع الأساس لعام 2030.

كيف ستحرر هذه النظارات شركة ميتا من قيود جوجل وأبل

تلطخت سمعة شركة ميتا بسلسلة من الفضائح، مما أضر بمعنويات موظفيها وثقتهم بإدارتها، ودفع عددًا كبيرًا منهم لمغادرتها ومن بينهم عدد لا بأس به من الموظفين البارزين في الشركة، وبدأت الأمور تسوء داخليًا في الشركة ولكن قبل أن تخرج عن السيطرة سارع زوكربيرج لوضع موظفين قدامى في الشركة في أدوار مهمة بالإضافة إلى التعاقد مع موظفين من شركات أخرى منها مايكروسوفت للعمل في هندسة البرمجيات للنظارات في ميتا.

كما أجرى عمليات استحواذ ذكية أعادت لميتا تواجدها القوي على الساحة إلى حد ما، أهمها الاستحواذ على Oculus رائدة الواقع الافتراضي والتي أصبحت المنصة المهيمنة بدون منازع فقد استحوذت نظارة Quest 2 على 78% من سوق الواقع الافتراضي العام الماضي وحققت مبيعات هائلة.

ولكن بالنسبة لزوكربيرج فليس من المهم فقط أن تبتكر شركته منتجًا ناجحًا تحقق من خلاله أرباحًا، بل الأهم من ذلك أن يكون للشركة الحرية في رسم مصيرها بالشكل الذي تريده وبحرية دون أي قيود، وقد عبر زوكربيرج في السابق عن إحباطه بسبب افتقار شركته إلى السلطة الكاملة على التجارب التي تخلقها، حيث جاءت ثورة الهواتف الذكية قبل أن تكون شركة فيسبوك (ميتا حاليًا) كبيرة بما يكفي وقادرة على بناء منصة خاصة بها، و لم تتح لها الفرصة المناسبة لتشكيل النظام البيئي لنظام تشغيل الأجهزة المحمولة، فانتهى بها الأمر أنها أصبحت مجرد مستأجر موجود في بيئات تديرها شركات أخرى وتملي عليها الشروط التي يجب على تطبيقاتها الالتزام بها.

أما الآن ومع مواصلة هيمنة شركة ميتا على الواقع الافتراضي يبدو أن زوكربيرج قد وجد السبيل للتحرر من قبضة العمالقة جوجل وأبل أخيرًا، فتلك النظارات التي يخطط لإطلاقها لن تحتاج إلى الاقتران بهاتف أيفون ولا أندرويد حتى تعمل، بل إنها مصممة للعمل بشكل مستقل عن الهاتف المحمول وذلك بمساعدة جهاز لاسلكي صغير على شكل هاتف، وهذا سيوفر لشركة ميتا تحكمًا كاملاً في النظام البيئي لمنتجاتها وانعتاقًا من عبودية الشركات الأخرى.

كان هذا كل ما نعرفه عن نظارة Project Cambria على أن نقوم بتحديث المقال في حالة التوصل لأي معلومات جديدة