المدن الذكية في الخليج العربي
0

لا يوجد تعريف موحد للمدن الذكية، لكن مفهوم المدينة الذكية -أو الأكثر ذكاءً- هو باختصار وجود البيانات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جوهرها. وفي عام 2009، وصفت شركة «IBM» المدينة الأكثر ذكاءً بأنها “المدينة التي تحقق الاستخدام الأمثل لجميع المعلومات المترابطة المتاحة اليوم لفهم عملياتها والتحكم فيها بشكلٍ أفضل وتحسين استخدام الموارد المحدودة”.

وبعد ثلاث سنوات، سلّطت شركة «سيسكو» الضوء على كيفية معالجة التحديات المستعصية للمدن والمجتمعات؛ مثل تزايد عدد السكان وتغير المناخ والقيود المفروضة على الميزانية من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في سبيل زيادة الكفاءة وخفض التكاليف وتحسين نوعية الحياة.

إن الحكومات في الشرق الأوسط تنفق بنشاطٍ في هذا المجال، كما يستطيع جميعنا أن يلاحظ، حيث أصبحت الميزانيات المخصصة لتكنولوجيا المعلومات توضح التوجّه بشكلٍ متزايد على الصناعات خارج صناعة النفط.

لماذا تستثمر دول الخليج في المدن الذكية؟

مدينة دبي الذكية

تتعدد دوافع الاستثمار في المدن الذكية في منطقة الخليج؛ وتشمل الحاجة إلى دعم النمو السكاني السريع، وتنويع مصادر الدخل، والرغبة في إبراز قدرات المنطقة لبقية العالم.

ستستضيف قطر ودبي قريباً حدثين يعتبرا الأكبر عالمياً، كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر ومعرض «إكسبو الدولي 2020» – والذي تم إفتتاحه بالفعل منذ حوالي شهر -. يتميز كلا الحدثين بتقنيات ذكية لافتة للنظر، تتراوح من الملاعب الرياضية المكيفة إلى السيارات ذاتية القيادة كجزءٍ من رؤية وإرث قائمين على التقنية.

الأمر الأكثر إلحاحاً هو أن حكومات الشرق الأوسط تدرك أيضاً الدور الذي يمكن أن تلعبه المدن الذكية في الاستجابة للنمو السكاني الهائل الذي شهدته على مدار العقود القليلة الماضية.

قفز عدد سكان قطر من 1.2 مليون في عام 2007 إلى 2.6 مليون في عام 2020، حيث يقيم معظمهم في العاصمة الدوحة، وذلك بسبب تضخم العمالة الوافدة في الغالب. وفي بداية الألفية، كان عدد السكان أقل من 600 ألف نسمة. وبالمثل، تضاعف عدد السكان في دولة الكويت المجاورة إلى أكثر من أربعة ملايين منذ عام 2000، كما شهدت البحرين مستويات نمو مماثلة.

وساعدت إدارة تداعيات هذه الزيادات، لاسيما على خلفية “الصدمة النفطية” وضرورة تقليل الاعتماد على الإيرادات القائمة على البتروكيماويات، في دفع استثمارات المدن الذكية.

ونتيجةً لذلك، كان قادة الشرق الأوسط منشغلين بترقية ونشر أدوات وخدمات وبنية تحتية جديدة لتلبية احتياجاتهم سريعة التطور بين متطلبات معاملات الشركات مع بعضها «B2B» ومع الزبائن «B2C»، والنقل وإدارة المياه والتخطيط الحضري.

من المشارك في هذه النظرة؟

المدن الذكية في الخليج العربي

عادةً ما تؤكد المبادرات؛ مثل رؤية المملكة العربية السعودية الجديدة لعام 2030 وخطة دبي 2021، على أن نهج أصحاب المصلحة المتعددين ضروري لتحقيق هذه التطلعات. إذ يتم تشجيع الشركات ورجال الأعمال والجامعات على العمل مع الوكالات الحكومية لتحقيق أهداف وطنية طموحة.

ومن الأمثلة البارزة في هذا المجال إطلاق جامعة أبوظبي عام 2015 لمركز التميز في المدن الذكية والمستدامة وريادة الأعمال، وإنشاء «مجلس البلوك تشين العالمي» عام 2017.

مجلس البلوك تشين العالمي هو جزءٌ من طموحٍ لجعل دبي أول حكومة مدعومة بتقنية البلوك تشين في العالم، ويضم 32 عضواً من شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية مثل «SAP» و «مايكروسوفت»، إلى الشركات الناشئة المحلية الرائدة مثل «كريم» و «سوق دوت كوم»، بالإضافة إلى الجهات الحكومية والبنوك الإماراتية الكبرى.

كما تعمل الشركات الدولية، بدءاً من «سيمنز» و «أكسنتشر» إلى «جنرال إلكتريك» و «ديل إي إم سي»، بنشاط على دعم الدور الذي يمكن أن تلعبه في هذا المجال.

كما قال الرئيس الإقليمي لشركة مايكروسوفت، سامر أبو لطيف، لموقع «ZDNet» في وقتٍ سابق: “مع وجود الحوسبة السحابية والأمن في جوهرنا، فإننا نركز أيضاً على المساعدة في تطوير المدن الذكية للمساعدة في النهوض بالمجتمعات وتحويل كفاءة المؤسسة والقطاع العام”.

ما المميز في هذه المنطقة؟

المدن الذكية العربية

مع عدم وجود نقص في الطموح، يمكن بالفعل رؤية التقنيات والابتكارات الذكية في معظم أنحاء الخليج العربي.

فالإمارات العربية المتحدة، مع نسبة استخدام منزلية للألياف المنزلية تقارب الـ95%، لا تزال الدولة الرائدة عالمياً في مجال الألياف الضوئية للمنازل، متقدمةً على قطر وسنغافورة وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ واليابان. كما استثمرت شركة «تيلكو اتصالات» بالفعل أكثر من 28 مليار درهم (7.6 مليار دولار) في البنية التحتية للألياف الضوئية.

كما يتم بناء كل من حكومة أبوظبي بمبادرتها «مدينة مصدر» و «مدينة لوسيل» القطرية الجديدة من الصفر في سياق المدن الذكية الحديثة، بينما استضافت عُمان عام 2017 أول قمة للمدن الذكية، حيث التزمت هيئة تقنية المعلومات (ITA) بإنتاج استراتيجية 2030 لدعم المدن الذكية بنهاية العام نفسه.

وفي الوقت نفسه، تقود الشركات الناشئة المحلية، مثل «كريم» و «فيتشر»، وخريجي مسرعات الشركات الناشئة الإقليمية، مثل «Flat6Labs»، الابتكار وخلق فرص عمل جديدة، وهناك بالفعل تجارب مثيرة للاهتمام على الطائرات بدون طيار والطباعة ثلاثية الأبعاد وغيرها.

فعلى جميع المستويات، هناك الكثير من الأنشطة الجارية.

جموح مشاريع المدن الذكية في المنطقة

شهدت السنين الثلاثة الماضية تسارعًا في طموحات واستثمارات المدن الذكية في الشرق الأوسط مع انطلاق مبادرات وبرامج جديدة في معظم دول مجلس التعاون الخليجي. مع توجيه مطوري المدن الذكية في المنطقة إلى إيجاد طرق أفضل للتخطيط، بناء وحماية وتقوية رؤاهم للمستقبل. نستعرض بعض النماذج:

المملكة العربية السعودية: مدينة نيوم وعمليات طاقة متجددة بنسبة 100%

بتكلفة تطوير متوقعة تبلغ 500 مليار دولار، كان مشروع نيوم في المملكة العربية السعودية طموحًا إلى حد كبير من حيث التصميم والحجم منذ إنشائه. وبمجرد اكتماله، يهدف إلى أن يكون من “أوائل المدن في العالم” حيث يفكر مالكو المشروع في تنفيذ نظام تشغيل وصيانة للطاقة المتجددة بنسبة 100% (العمليات والإدارة)، كما أعلن «كلاوس كلينفيلد»، الرئيس التنفيذي للمشروع العملاق.

والتقى ولي العهد السعودي، صاحب السمو الملكي محمد بن سلمان، بأكثر من 40 من قادة الأعمال الدوليين في الولايات المتحدة لتوضيح إمكانات تنفيذ مثل هذا النظام الثوري في مشاريع المدن الذكية في السعودية.

وهذا يمكن اعتباره علامة أخرى على التزام المملكة العربية السعودية بالتفكير بشكل كبير عندما يتعلق الأمر برؤيتها للمدينة الذكية.

دبي: الطباعة ثلاثية الأبعاد تنتقل من تصميم المكاتب إلى منازل كاملة!

لقد قدمت دبي بالفعل أول مكتب مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد في العالم وأول معمل للطباعة ثلاثية الأبعاد، ولكن حان الوقت الآن لوضع التكنولوجيا في اختبارٍ آخر؛ هل يمكنها إنشاء منزل بالكامل ملائم للعيش وجذاب في نفس الوقت؟

تعتقد شركة إعمار المطوّرة ذلك بالتأكيد، حيث تهدف إلى إنشاء أول منزل مطبوع بالكامل بطباعة ثلاثية الأبعاد كمنزل نموذجي. ذلك في سبيل تقديم دليلٍ أولي على المفهوم وكنقطة انطلاق للمشاريع السكنية الكبيرة المطبوعة ثلاثية الأبعاد والتي ستخدم المقيمين الفعليين في الإمارات العربية المتحدة.

في غضون بضع سنوات قصيرة، تعتقد حكومة الإمارات أننا سنرى مشاريع تجريبية تتطور إلى مشاريع بناء رئيسية يمكن أن تمنح العملاء منازل مرغوبة للغاية وقابلة للتخصيص وبأسعار معقولة للعيش فيها.

تشير التوقعات الحالية إلى إمكانية الطباعة ثلاثية الأبعاد لتقليل تكاليف العمالة العقارية بنسبة 50-80% وأوقات البناء بنسبة 50-70%، مما يمثل توفيراً هائلاً لشركات الإنشاءات ومرونة كافية لاحتضان التكنولوجيا على نطاقٍ واسع بما فيه الكفاية.

أبو ظبي: إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني لدولة الإمارات العربية المتحدة لتأمين المدن الذكية

إن الطبيعة المترابطة تماماً للمدينة الذكية هي أساس قوتها، ومع ذلك فهي تواصل أيضاً طرح أسئلة مقلقة حول نقاط الضعف المحتملة في حالة تمكن الجهات الخبيثة من اختراق أمن المدينة وتنفيذ هجمات على بنيتها التحتية.

على الصعيد العالمي، تستمر الجرائم الإلكترونية في الارتفاع من حيث التكرار والخطورة، مع زيادة انتهاكات أمن البيانات المبلغ عنها بنسبة 42% من عام 2018 والتكلفة السنوية للجرائم الإلكترونية التي بلغت 608 مليار دولار أمريكي على مستوى العالم بين عامي 2014 و 2017.

وقد تم النظر بعناية في هذا التهديد الحالي والمتطور من قبل حكومة الإمارات العربية المتحدة لسنوات، وعليه، أطلقت استراتيجيتها الوطنية للأمن السيبراني كوسيلة للحفاظ على البنية التحتية للمدينة الذكية المتنامية آمنة.

تم تطوير هذه الاستراتيجية الشاملة بالتعاون مع فريق من الخبراء الدوليين من 10 دول رائدة في أنظمة الأمن السيبراني. ويهدف إلى تقديم ما لا يقل عن 60 مبادرة منفصلة للأمن السيبراني تعزز بعضها البعض، والتي تشمل أهدافها: تعزيز قوانين ولوائح الأمن السيبراني، وتأمين التقنيات الحالية والناشئة، وتفويض شهادة تنفيذ الأمن السيبراني للموردين الحكوميين وحماية الشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال تطوير معايير أساسية للأمن السيبراني.

دبي: الكشف عن تقنية Li-Fi

استعد لتحول نموذجي حقيقي في توصيل الاتصال بالإنترنت، حيث يمكن الآن أن تكون “الأداة الخامسة” الأساسية التي تعمل بتقنية LED بدلاً من استخدام موجات الراديو. ففي عام 2019 ، أظهر «مارك فليشين» الرئيس التنفيذي لشركة «Zero.1»؛ وهي شركة تكنولوجيا مقرها الإمارات العربية المتحدة، دليلاً على مفهوم تقنية Light Fidelity» (LiFi)» التي تتمتع بإمكانية نقل بيانات هائلة تصل إلى 224 جيجابايت في الثانية!

فمع مصابيح LED البسيطة التي تعمل كموجهات لاسلكية قوية، فإن هذا لديه القدرة على تحسين الطريقة التي نربط بها أجهزتنا بالإنترنت، ومع بعضها البعض.

مع هذه المجموعة من الابتكارات الجديدة والمبادرات المدعومة من الحكومات التي تقف وراءها، يتسارع تطور المدينة الذكية في الشرق الأوسط بفضل استعداد القطاعين الخاص والعام لتجميع مواردهما والعمل معاً. وفي حين أن المدينة الذكية الحقيقية التي يتصورها أكثر المفكرين طموحاً في الصناعة قد تكون بعيدة بعض الشيء حتى الآن، فإن التطورات الجديدة تدفع عربة الوصول إليها إلى الأمام بوتيرةٍ متزايدة.

0

شاركنا رأيك حول "المدن الذكية في الخليج العربي: كيف تتجه دول الخليج لتكون واحدة من أهم النماذج الرائدة عالميًا!"