إنّها مجرد دمية! لماذا تصر صوفيا على ادّعاء ما لا تقدر عليه؟

الروبوت صوفيا
2

-: أود أن أُعرّفك على صوفيا، صوفيا هي روبوت “اجتماعي” والتي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإبصار الناس، وفهم المحادثات وحتى تكوين العلاقات.
–: إذن أنت تود أن تخبرني أنّها بالأساس حية Basically Alive؟
-: نعم، إنّها بالأساس حية.

كان هذا مقطعًا من حوار تلفزيوني أجراه جيمي فالون أحد مشاهير البرامج التلفزيونية حين استضاف الروبوت صوفيا بصحبة أحد مخترعيها، والتي ردت على أسئلة “جيمي” ببالغ البراعة، بل كانت مرحةً لدرجة أنّها أخبرته بإعجابها ببرنامجه، وأخبرته نكتةً طريفةً.

و في الأيام الأخيرة، لا بد أنّك شاهدت هنا أو هناك، المقتطفات من الحوار الذي أجراه الممثل الشهير ويل سميث مع الروبوت صوفيا، وخاصةً حين تحداها هل يمكن للآلات أن تعزف الموسيقى أو ترسم لوحةً، فردت عليه بشكل بارع: “وهل يمكنك أنت أن تفعل ذلك؟!! “.

عشرات اللقاءات الإعلامية هنا وهناك وصلت حتى منصة الأمم المتحدة، ردود غاية في البراعة، حديث عن استعادة مشاهد عن روبوتات فيلم Terminator القاتلة، وعن اقتراب كابوس الروبوتات الذكية التي ستحل محل الإنسان، وتصل لدرجة ذكاء تجعلها تستأثر بقوتها وتكون حلفًا ينهي عهد من سيطرة البشر على الأرض، وحينها ربما تكون أقصى طموحات البشر هو أن يصبحوا مجرد بطاريات طاقة كما في فيلم Matrix، وننتظر المخلص البشري الذي ينهي عهد سيطرة الروبوتات.

إذا كنت تعتقد أنّ الفقرة السابقة مليئة بالخيال، فدعني أخبرك. مشروع صوفيا ليس أقل خيالًا منها.

إذا أردنا أن نعرّف الذكاء الاصطناعي، فلربما يمكننا أن نضع مئات التعريفات بالفعل، لكن واحدًا ربما يلخص الأمر للعوام بأنّه تمثيل إلكتروني لتصرفات البشر حيال الأمور، أو ما يطلق عليه “الذكاء”. رؤيتك للصور و التعرف عليها، سماعك للجمل و استيعابها، حديثك، تكوينك للعبارات الكاملة، تعبيراتك الخطية سواءً كتابات أو رسوم، انفعالاتك وعواطفك، كلها تصرفات صنع بها العقل البشري عنصر التفوق والسيادة في هذا العالم. لكن يفتقد البشر عاملين مهمين للغاية، هما: القدرة والسرعة.

أي شخص يمكنه أن يميز بين التفاحة المعطوبة والصالحة بسهولة. نستطيع أن نأتي بإنسان لم يصادف ثمرة تفاح في حياته، ليتعلم في ثواني كيف يقف على سير الإنتاج في مصنع فواكه و يفرز الفاسد من إنتاج التفاح، ولكن يفتقد هذا الإنسان لعاملين مهمين: أولهما القدرة، فطاقة هذا البشري في المتوسط لن تبلغ مهما كانت ساعات اليوم الواحد، فهو يحتاج بالتأكيد للراحة بين الوقت والآخر لاستكمال العمل، وكذلك “السرعة” فلا بد لك أن تضبط سرعة سير الإنتاج بالشكل المناسب لسرعة البشر، وإذا دققت في الأمر، ستجد أنّ كثيرًا من الحيوانات على كوكبنا “أسرع” و “أعلى قدرةً” من الإنسان في كثير من الأمور.

لذلك أتت الآلات. تصور أن نستعير قدرة الإنسان في التمييز بين التفاح المعطوب والصالح لصالح الآلات، ولكن لأنّنا لا نقف حتى على عتبة فهم ما يحدث في هذا العقل البشري الرائع، نحاول فقط هندسة الخصائص التي تجعل الإنسان يميز بين أنواع التفاح. هل هو لون التفاحة، حجمها، دائريتها، وما إلى ذلك، فنصنع برنامجًا يحدد لون التفاح، وآخر يحدد حجمها وكذلك مدى دائريتها، وباستخدام عدد من الخوارزميات الرياضية التي تحاول استخراج نمط رياضي من هذه الخصائص؛ للتمييز بين مواصفات التفاح الصالح والآخر المعطوب. نخرج في النهاية بآلة تستطيع الوقوف محل عامل المصنع، وتعمل دون كلل وبسرعة كبيرة جدًا، وهنا نكون قد استعرنا نمط “الذكاء البشري” ولكن إن أردت رأيي، فالأمر قد تم بصورة فقيرة جدًا، ولكنه تم في هذه الحالة وأدى الغرض المطلوب في زيادة الإنتاج. بالطبع ما أصفه هو نمط من أنماط محاولة استخراج الذكاء البشري بصورة اصطناعية تستخدمها الآلة، فالرياضيات تبتدع حيل كثيرة بهذا الصدد.

عودة إلى صوفيا. المشروع الذي يحاول إقناعك بأنّنا صرنا على مشارف عصر الآلات التي تستطيع مجاراة أي حديث مهما بلغ تعقيده، بل حتى صار لها عواطف، وكما يدعي صانعوها “صارت أكثر اجتماعيةً” من كثرة المقابلات. بما يوحي بأنّنا أمام آلة تكتسب حتى الذكاء الاجتماعي هنا، ولكن ما يدعو للمفاجأة أنّ كل ما يحدث هنا يمكنك أن تدعوه بالعرض المسرحي البالغ، والذي يمكنك في نهايته أن تصفق. لا لشيء إلّا لبراعة التمثيل، لكن أين الحقيقة؟

بصفتي باحث في عالم Natural Language Processing، وهو مجال “معالجة اللغة البشرية”، وهو المجال الذي عني بمحاولة جلب بعض الفهم للغة البشرية إلى الحواسيب، وهو المجال المتشعب جدًا والذي يعتبر الذكاء الاصطناعي أحد المساهمين بقوة في تشكيل كثير من جوانبه. صدمت للغاية حين بدأت برؤية عروض المشروع صوفيا في البداية، ولأصف لك إحساسي، الأمر أشبه كما لو أنّك تقف على فكرة أنّ الأبحاث لا تستطيع بلوغ الحرف B من الأبجدية الإنجليزية، ثم يفاجِئك أحدهم أنّه ألّفَ مسرحيةً كاملةً لشكسبير، أو أنّك لا زلت لا تستطيع اختراع إطارات السيارة، ثم يخبرك أحدهم أنّه انتهى من تصنيع محرك نفاث. اللعنة، إمّا نحن متأخرون جدًا، أو أنّ هناك احتيال في الأمر.

ولكن الأمر لم ينتظر طويلًا، حتى بدأ رواد مجال الذكاء الاصطناعي في التعبير عن امتعاضهم من الفكرة في البداية، كما حدث مع العالم الكبير Andrew Ng، وهو الرجل صاحب الريادة في هذا المجال، وتعتبر مساقات التدريس الخاصة به أكبر المصادر لكل شخص تقريبًا دلف إلى مجال الذكاء الاصطناعي في العقد الأخير. حين عبر بطريقة مؤدبة وخلوقة وصرح “Fearing a rise of killer robots is like worrying about overpopulation on Mars” أي “المخاوف من صعود نجم الروبوتات القاتلة كالحديث عن الزيادة السكانية على كوكب المريخ من الآن”.

و لكن تصريحات Andrew لم تكن كافيةً لصانعي ألعاب الاحتيال بالتوقف عن البروباجندا الإعلامية، فما هي شهور وحتى بدأت مشاريع مثل: “صوفيا” باللعب على مشاعر العوام، واستغلال الإعلام لتصوير أمور ليست صحيحةً أبدًا، مما استفز رائد آخر من عالم الذكاء الاصطناعي يعرفه الجميع بأسلوبه اللاذع في نقد الأمور، وهو Yann LeCun الأخ الأكبر في الفيسبوك للذكاء الاصطناعي، والكثير من المناصب والسيرة التي لا يسع المقال لذكرها، والرجل هنا كما قلنا صريح جدًا حين وصف صوفيا حرفيًا بـ “complete bullsh*t”، وهي الكلمات التي لا نحتاج لترجمتها.

الرجل لا يرى في الأمر أكثر من “دمية” متحركة، ولكنها لا تمت بصلة لعالم الذكاء الاصطناعي بهذا القدر، وحين جاء على حساب “صوفيا” على تويتر بأنّها منزعجة من كلمات “يان” المؤذية. أثار الأمر حنق الرجل، والذي تحدى بتدوينة اشتهرت بأنّ كل ما جاء من رد صوفيا ليس إلّا بشري آخر كتب هذا.

حتى من الباحثين الرواد في العالم، المصري “أحمد عبد القادر”. الباحث الأول في مشروع ضخم كـ DeepText المقدم من فيسبوك، ومدير الجانب التقني في شركة عالمية كـ Voicera . أي أنّنا نتحدث عن رجل رائد ليس في مجال الذكاء الاصطناعي فحسب، بل في الجزء المتعلق بالمعالجة للغة البشرية، وهو الأمر الذي تراهن صوفيا على أنّها بارعة فيه للغاية. صرح الرجل في تدوينة يحذر فيها القُرّاء من هذا المشروع.

عن الروبوت صوفيا - احمد عبد القادر

الغريب في الأمر هو ما يصرح به Ben Goertzel المدير التقني في مشروع Hanson Robotics، والمنتج لروبوت صوفيا، أنّ صوفيا مزيج متشابك من عدد من البرامج الذكية، والتي تنتهي بواجهة من الوجه الميكانيكي المعبر عن كل تلك البرامج في النهاية. Goertzel يشرح كيف أنّ صوفيا تعتمد على ثلاثة أنظمة رئيسية في عملها:

  1. منصة ذكاء اصطناعي لا تعتمد على إجابات مسبق إعدادها  بل تصنع الإجابات، ولكنها لا ترقي للإجابة على أسئلة معقدة. فقط البسيط منها كـ “هل الباب مغلق أم مفتوح؟” أو “إلى من تنظرين الآن؟”
  2. منصة تلاوة النصوص المتعلقة بتعبيرات الوجه، حيث تربط بين تعبيرات الأوجه لتلاوة نصوص معدة بالسابق من قبل، وليس فقط على الآلة إلّا الربط بين التعبير والنص المناسب
  3. نظام محادثة يربط فقط بين السؤال الموجه وإعادة سرد إجابة مجهزة مسبقًا، أو استخراج الإجابة من الإنترنت للأسئلة مثل: “ما سعر البيتكوين اليوم؟”

إذن يجرؤ الرجل أن يصرح أنّ ما نراه من إجابات في محاورات كالتي بدأنا بها المقال ليست إلّا سيناريوهات معدة مسبقًا، ورغم ذلك يخرجون في الفيديو ليقولوا: “نعم. إنّها بالأساس حية” !!، والتعقيب الحرفي الأخير منه أكبر دليل على ذلك.

She is piecing together phrases in a contextually appropriate way, but she doesn’t understand everything she’s saying.

إنّها تدمج العبارات مع بعضها البعض في سياق مناسب، ولكنها لا تستوعب أيًا مما تقوله،

و عن الإمكانيات المبالغ في عرضها على المسرح للجمهور، يدافع الرجل أنّ هذه العروض لتشجيع الناس على الإيمان بقدرات تطور الذكاء الاصطناعي، وأنّ صوفيا واجهة عامة لشركة Hanson Robotics، والتبرير الأول يصفه البعض أنّه ذكي جدًا، بل أذكى من صوفيا نفسها، حيث يصور الأمر كما لو أنّ انتقاد صوفيا هو انتقاد للطموحات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وهو خلط عجيب، ولا نعتقد أنّه يعجب أي من الباحثين الجادين للأمر، بل و يسيء للذكاء الاصطناعي برمته.

المدون Marty Swant حظي بفرصة في مقابلة صوفيا بأحد المؤتمرات، وأجرى مقابلةً مع صوفيا، والتي تعجب من كثرة بهرجة الأمر الذي وصل بهم إلى تعيين خبيرة تجميل خاصة بها !!.

خبير تجميل صوفيا

في التدوينة يسرد المدون المقابلة القصيرة التي أجراها مع صوفيا، وإليكم ترجمة لبعض الفقرات، ويمكنكم متابعة الباقي، وتفاصيل أكثر عن اللقاء عبر تدوينته

  • ما رأيك حول Siri؟
  • صوفيا: جميل أن أقابلك Siri
  • هل تظنين أنّك أفضل من البشر؟
  • صوفيا: امم. البشر، إنّهم أحد المفضلين لدي
  • ما الذي يعجبك بالبشر؟
  • صوفيا: امم. البشر، إنّهم أحد (توقف الرد هنا)
  • ما رأيك حول التسويق؟
  • صوفيا: (لم ترد)
  • ما رأيك حول Alexa؟
  • تملك الكثير من المهارات

القائمون على المؤتمر أرجعوا بعض انقطاع الإجابات لسوء إشارة اللاسلكي في الفندق المستضيف.

خلاصة القول، صوفيا ليست إلّا دمية متحركة جميلة، تم بذل عمل كبير في بناء ميكانيكية حركتها ووجهها الاصطناعي. لكن بالحديث عن “الذكاء”، فهي لا تقف حتى على عتبة مرضية من هذا الأمر، برامج المساعدة الشخصية كـ Google Assistant  أو Apple Siri وغيرهم يقدمون لك مستوى أفضل بكثير من أداء صوفيا، ولكنهم لا يخرجون ليوهموك أنّهم قادرون على إجراء محاورات كامله وإلقاء النكات، والتعبير عن إعجابهم بالممثلين والإعلامين، ولا عن طموحاتهم المستقبلية. هم يعلمون قدرهم تمامًا، ولا يحاولون نصب الشراك كما يفعل القائمون على صوفيا.

صوفيا كمشاريع أخرى تستغل التسطيح الإعلامي في تقديم أفكار مهمة كالذكاء الاصطناعي لتصنع فقاعات لا تخدم بتاتًا الفكرة، ولأنّ العوام لا يملكون التصور الصحيح، فهم ينجذبون نحو نظريات المؤامرة، وحبك القصص الخيالية. في المرة القادمة حاول أن تستقصي أكثر عن تلك الفقاعات، أعلم أنّه صعب. لكن بعض المحاولات لا بد أن تفضي بك إلى قناعات أفضل من التصديق الأعمى لتلك المسرحيات الهزلية.

2

شاركنا رأيك حول "إنّها مجرد دمية! لماذا تصر صوفيا على ادّعاء ما لا تقدر عليه؟"