”لم تصبح الأسلحة الأداة الوحيدة المستخدمة في الحروب“ تعرف كيف يتم محاربة روسيا رقميًا!

آلاء عمارة
آلاء عمارة

10 د


"لا أعلم بأي سلاح سيُحاربون في الحرب العالمية الثالثة، لكن سلاح الرابعة سيكون العصى والحجارة" - ألبرت أينشتاين

بدأت التكنولوجيا تتسلل إلى حياة البشر منذ وقت طويل، وازداد تطورها عبر الزمن رويدًا رويدًا، حتى أنها تسللت للحروب. وبسرعة النار في الهشيم، غزت التكنولوجيا حياة البشر بصورة كاملة، والأدهى أنها صارت أداة فعّالة لتأديب الدول وإضعاف شوكتها. وهذا ما حدث بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لكنه حدث قبل ذلك.

حسنًا، لنعد بالتاريخ إلى الوراء قليلًا ثم ننطلق بإيقاع زمني منتظم لنرى كيف يمكن أن يكون للتكنولوجيا اليد العليا في الحروب.


الحرب الإلكترونية

عند تتبع صفحات التاريخ نجد أنّ مصطلح "الحرب الإلكترونية" قد نشأ أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما استخدمت كل من بريطانيا وألمانيا بعض الوسائل الإلكترونية في الحروب. فقد استخدمت بعض الدول في تلك الحقبة أجهزة تعتمد على المجالات الكهرومغناطيسية. وفي المقابل، يستخدم العدو رادارات حديثة -وقتها- تعمل بالطاقة الكهرومغناطيسية تُمكنهم من التشويش على تلك الأجهزة وبالتالي منع الطرف الأول من استخدام المجال الكهرومغناطيسي وهذا يعني، تشويش في الاتصالات بين الجنود والقيادات وعُطل في الأجهزة المستخدمة في الحرب وما إلى ذلك. 

واحد من أجهزة الرادار في الحرب العالمية الثانية
ذو صلة

من ذلك نجد أنّ الحرب الإلكترونية تهدف لقمع الأجهزة الإلكترونية التي يستخدمها العدو، بحيث لا تشوش بأي شكل على الأجهزة المستخدمة في مواجهة ذلك العدو. أو بتعبير آخر، إعاقة للعدو إلكترونيًا. وفي عصرنا الحالي، غزت التكنولوجيا جميع مناحي الحياة. وبالطبع اكتسحت المجال العسكري وصارت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للبشر، حتى إنّ بعض الدول قد تُعاقب الأخرى بها. ويمكننا تسمية هذه بـ "الحرب التكنولوجية".


المقصود بمصطلح الحرب التكنولوجية

في أقصى شرق آسيا، نجد دولة تضم ما يزيد عن 1.4 مليار إنسان، يشبهون بعضهم كثيرًا، شعب نشيط، يشجع على العلم والابتكار ويسعى لاتخاذ مقعد في صفوف الدول المتقدمة، إنهم الصينيون، الذين انتشرت صناعاتهم في كثير من البلدان، لكن دائمًا ما كانت تتعرض للمحاربة من الشركات الكبرى. على سبيل المثال، شركة هواوي الصينية المشهورة، استطاعت لفت أنظار العالم ونجحت إصداراتها المتنوعة في تحقيق مبيعات عالية في الأسواق العالمية، فضلًا عن سرعة تطورها وتقديمها لأقوى التقنيات، ما أثار سخط الولايات المتحدة التي حاولت بشتى الطرق محاربة هواوي والضغط عليها بسبب تفوقها. 

وبذلك، تسببت شركة هواوي في حدوث أزمة سياسية بين الصين والولايات المتحدة، فقد ساعدت هذه الشركة في لفت أنظار العالم تجاه الشركات الصينية، ليرتفع صوت الصين عالميًا، وتم حظر أجهزة هواوي في أمريكا، وبناءً عليه، سحبت جوجل خدماتها وتطبيقاتها من جميع هواتف هواوي، علمًا بأنّ جوجل شركة أمريكية. 

من ذلك نصل إلى أنّ الحرب التكنولوجية لها صدى كبير، وقد تتأثر المصالح التجارية بين البلدين، ويمتد الأمر في نهاية المطاف إلى حرب حقيقية، وهذا ليس غريبًا، فالمشاحنات بين هاتين البلدين قديمة. 

حسنًا، هناك شيء أريد توضيحه في القصة السابقة، لقد سعت الولايات المتحدة إلى كسر شوكة هواوي بعدة استراتيجيات، منها حظر هواتفها في بلادها والضغط على جوجل لسحب تطبيقاتها من هواوي. بالطبع لم تتدمر الشركة كليًا، لكنها بالطبع تأثرت بسبب هذا الحظر. وهذا ما أريد الوصول إليه، سياسة الحظر التي قد يتبعها العدو للفوز في المعركة. 


سياسة الحظر التقني في الحروب

ربما تكون أقرب الأمثلة على سياسة الحظر هذه تهديد الولايات المتحدة الحالية بحظر تصدير أي منتجات أو خدمات تقنية إلى روسيا بعدما انطلقت الأخيرة نحو غزو أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022، مثلًا: هدد الرئيس الأمريكي "بايدن" بحرمان روسيا من التكنولوجيا التي تصدرها الولايات المتحدة بدءًا من أشباه الموصلات وأجهزة الاتصالات وصولًا إلى قطع غيار الطائرات والسيارات وكل المنتجات التقنية وغير التقنية التي تستوردها روسيا من الولايات المتحدة، إذا أصرت روسيا على غزو الأراضي الأوكرانية.

وسيُطبق بايدن ذلك من خلال مطالبة الشركات التي تصدّر منتجاتها إلى روسيا بأن يحصلوا على رخصة تصدير من الحكومة، وسيتم رفضها. ما سيُضعف قوة روسيا الصناعية بأي حال، حسب ما ورد بشأن التهديد، لكن هل ستستجيب روسيا؟ ربما هذا التهديد لن يؤثر في موقف روسيا أصلًا.


كيف يتم محاربة روسيا إلكترونيًا

على خلاف الصين، لا تملك روسيا تقنياتها الخاصة التي تجعلها في غنى عن خدمات جوجل وجميع الخدمات التقنية الأخرى، وعلى الرغم من أن روسيا تملك بعض الخدمات المحلية، كمحرك البحث Yandex وموقع VK للتواصل الإجتماعي، إلا أنهم مازالوا يستخدمون الخدمات الأجنبية الأخرى، وكذلك العتاد التقني والعديد من الخدمات الأخرى التي تم البدأ في حرمان روسيا منها، والتي سنستعرض منها ما يلي.


طرد روسيا خارج شبكة سويفت (SWIFT)

ردًا على الغزو الروسي لأوكرانيا، تم طرد روسيا من "جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك" أو كما نعرفها باختصار "سويفت"، وهي وسيلة التواصل بين البنوك في جميع أنحاء العالم، ولكل بنك كود محدد، يجب معرفته جيدًا حتى يمكن إرسال الرسائل والأموال بين البنوك. 


محاربة منصات الإعلام الروسية عبر وسائل التواصل الإجتماعي

جزء كبير من نتائج الحروب يتمثل في الأخبار التي يتم نقلها للشعوب، وهنا يأتي دور منصات الإعلام الروسي في نشرها للأخبار المتعلقة بالوضع السياسي، ولكن حاربت شركة Meta هذه الأخبار وحجبتها عن منصتي فيسبوك وإنستجرام بحجة أنها تفتقر للمصداقية، ويجب تأكيد صحتها، كما رفضت الشركة التراجع عن هذا القرار.

وجاء الرد السريع من روسيا بأن بدأت بحجب الوصول بشكل جزئي لخدمات ميتا، بالإضافة إلى منصة تويتر والتي تم حجبها كذلك دون سبب أو تصريح من الجهات الروسية.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل واستمرت شركة ميتا في اتخاذ خطوات عدائية تجاه روسيا، فبدأت في التوقف عن التوصية بأي محتوى من وسائل الإعلام الحكومية الروسية لجميع مستخدمي فيسبوك ، وقريبًا إنستجرام، كما يتم رفض أي عمليات ترويج لصفحات روسية.

كذلك رأينا منصات أخرى تضيق الخناق على منصات الإعلام الروسية، بما في ذلك المنصة الصينية تيك توك، بالإضافة إلى تطبيقات أخرى كـ WeChat.


Intel و AMD يبدآن في تطبيق الحظر على روسيا

حسب آخر التقارير، فكل من شركتي Intel و AMD قرروا التوقف عن حظر روسيا من استخدام رقاقاتهم، وذلك عن طريق وقف البيع للقطاع الروسي فيما يتعلق باستخدام تلك الرقاقات في مجال الصناعة، وعلى الرغم من أن هذا القرار لن يؤثر على المستهلك، ولكنه خطوة مهمة فيما يتعلق بسياسات الحظر التقني التي سيتم تطبيقها على روسيا.

ويأتي هذا القرار تنفيذًا للقواعد الجديدة التي وضعها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) ومكتب التسويات الدولية (BIS) بشأن بيع التكنولوجيا لروسيا ردًا على غزوها لأوكرانيا.


أوكرانيا تطالب آبل بسحب خدماتها من روسيا

في بيان رسمي، طلب الوزير الأوكراني "ميخائيل فيودوروف" من الرئيس التنفيذي لشركة آبل "تيم كوك" سحب منتجات الشركة وخدماتها عن روسيا، وجاء الرد من الأخير حياديًا تمامًا، وأوضح أنّ آبل تسعى لتعزيز فريقها في أوكرانيا، بحيث يستطيع الأوكرانيون الوصول إلى خدمات آبل دون عناء. 


وأبل تستجيب لاحقًا

وبعد ذلك بعدة ايام، قامت أبل بالتصريح رسميًا برفضها الكامل للحرب، كما أكدت أيضًا أنها أوقفت مؤقتًا جميع مبيعات الشركة والصادرات إلى قناة المبيعات الروسية. كما سحبت تطبيقات وسائل الإعلام الحكومية الروسية لـ RT News و Sputnik News متجر تطبيقات أبل خارج روسيا.

كذلك صرحت أبل أنها توقفت عن إظهار حركات المرور داخل دولة أوكرانيا عبر تطبيق خرائط أبل، وهي خطوة تأتي اتباعًا لخرائط جوجل التي قامت بنفس الفكرة.


اختراق المواقع الإعلامية الروسية

من منطلق التعاطف مع أوكرانيا، اخترقت مجموعة من الهاكرز بعض المواقع الإلكترونية الخاصة بوسائل الإعلام الروسي بعد غزو أوكرانيا، ومن أبرز هذه المواقع "Kommersant". وتركوا بعض الرسائل والدلالات، منها رسائل تتهم الرئيس الروسي "بوتين" بأنه شن هذه الحرب فقط من أجل الدخول في كتب التاريخ، لكن لا أحد يعرف من هذه المجموعة ولا إلى من هي تابعة أو أنهم فعلوا ذلك بصورة تطوعية


روسيا تقصف الإنترنت وأوكرانيا تستنجد بإيلون ماسك

 بعد انقطاع الإنترنت لثلاثة أيام متواصلة عن معظم الأجهزة الإلكترونية في أوكرانيا نتيجة هجوم روسيا. طلب وزير المعلوماتية الأوكراني "ميخائيل فيودوروف" من رجل الأعمال الأمريكي "إيلون ماسك" عبر تويتر بتزويد أوكرانيا بالإنترنت من خلال محطات "ستارلينك" (Starlink) التابعة لشركة "سبيس إكس" (Space X). وجاء الرد سريعًا من ماسك بالموافقة، بل ومنح الإنترنت مجانًا لجميع المقيميين داخل أراضي أوكرانيا.


الحرمان من حضور المؤتمر العالمي للهواتف (MWC)

أعلن منظمو المؤتمر العالمي للجوال المُقام خلال الفترة (28 فبراير - 3 مارس) 2022، أنّ بعض الشركات الروسية سيتم حظرها من حضور المؤتمر وعرض منتجاتها، بسبب العقوبات المفروضة على روسيا بسبب غزو أوكرانيا. من ناحية أخرى، أصدر الاتحاد الدولي للاتصالات بيانًا يدين الروس على الغزو.


تطبيق Patreon.. من تدعيم صناع المحتوى إلى تعزيز إمدادات الجيش الأوكراني

اشتُهرت شركة "باتريون - Patreon" الواقعة في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية بأنها تساعد في إمداد صناع المحتوى بالتمويل من خلال التبرع، لكن بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ظهرت حملة على التطبيق لدعم إمدادات الجيش الأوكراني والتي من المقرر استخدامها في شراء الذخيرة والمعدات اللازمة للقتال؛ ولكن لم تبق الحملة كثيرًا على موقع باتريون حتى تم حذفها بواسطة الشركة.

حملة على تطبيق patreon للتبرع بالجيش الأوكراني

الحروب في زي التكنولوجيا.. يا له من رداء فعّال! 

مرحبًا في فبراير/شباط 2022، عندما حطت القوات الروسية رحالها على الأراضي الأوكرانيا بعد فصل دولتين منها، وأطلقت الصواريخ ودفعت الدبابات لتقضي على كل ما يمر أمامها. والطائرات العسكرية في الجو، والأسطول الروسي في البحر. ربما تكون هذه وسائل الحروب في القرن العشرين على الأقل. وبالعودة إلى القرن التاسع عشر وما سبقه من قرون عديدة، نجد أنّ هجوم البشر في الحروب كان يأتي من البر والبحر أيضًا. لكن في قرننا هذا، أتت التكنولوجيا لتأخذ مقعدًا في قطار الحرب، وتهاجم الدول بعضها برًا وبحرًا وجوًا وتكنولوجيًا.


الرئيس الروسي بوتين

منذ قليل، كتبت أنّ روسيا ربما لا تستجيب لتهديدات الولايات المتحدة. ببساطة، إنها ليست دولة ناشئة! وتواكب التطور التكنولوجي، حتى إنها من الدول الرائدة في الذهاب إلى الفضاء. وتعرف أنّ خطوط الدفاع في الحرب لن تكون آمنة إلا إذا وضعت جبهة صامدة في وجه التكنولوجيا. والحقيقة أنّ تلك الجبهة قد بدأت القصف جنبًا إلى جنب مع الهجوم الفعلي لـ"روسيا" برًا وبحرًا وجوًا. 
وفقًا لتقرير منشور في صحيفة الـ"Guardian" يوم 24 فبراير/ شباط 2022، حدد الخبراء سلالة جديدة من البرامج الضارة المُعطلة لأجهزة الكمبيوتر، والتي أطلقتها روسيا نحو أوكرانيا أثناء الغزو الروسي. حتى قبل الهجوم، شنت روسيا حملة من البرامج الضارة التي تحذف البيانات من الأجهزة الإلكترونية مستهدفة أوكرانيا. يتسبب هذا الهجوم الإلكتروني في نشر المعلومات الزائفة وحذف البيانات الأساسية في البنوك والمؤسسات والشركات، ما يلحق ضررًا خطيرًا بأوكرانيا ويفسد أنظمتها، ما يعني أنّ التكنولوجيا رداء فعّال حقًا!


بخصوص الحرب العالمية الثالثة

في نهاية القرن التاسع عشر، كانت ألمانيا تُجبر الشباب على الانضمام إلى الخدمة العسكرية، فقد كانت الأوضاع غير مستقرة، ما دفع الفتى المراهق الذي يُدعى "ألبرت أينشتاين" لمغادرة ألمانيا عندما كان يبلغ من العمر 16 عامًا، هاربًا من هذا الجو غير المناسب له. وفي 1914، عاد مرة أخرى، لكن اندلعت الحرب العالمية الأولى، ما اضطره للخروج عن صمته وصرح بأنه يميل إلى السلام، ووضعت الحرب أوزارها في 1918.

بعد ذلك بعدة سنوات

عندما حلت الحرب العالمية الثانية عام 1939، كان أينشتاين قد صار ذلك العالم المشهور المذكور دائمًا في محافل العلم، واستقر في الولايات المتحدة الأمريكية، وشجع على بناء قنبلة ذرية، لتستخدمها أمريكا، إذا دخلت الحرب أمام ألمانيا، لأنهم كانوا قد سمعوا أنّ ألمانيا تصنع قنبلة ذرية أيضًا. وبذلك، شهد أينشتاين اثنين من أهم الحروب العالمية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، تداول الناس مصطلح "الحرب العالمية الثالثة"، وانتشرت العديد من التكهنات بشأن فترة اندلاعها.

أُعيد إحياء هذا المصطلح منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، ظنًا بأنّ العالم على مشارف حرب عالمية ثالثة. والحقيقة أنّ الناس يتكهنون بتلك لحرب منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. وبينما كان الناس ينتظرون توقيتها، كان أينشتاين يجلس مفكرًا، هل ستتطور التكنولوجيا حتى الحد الذي يجعلها متحكمة في نتائج الحروب؟ أم أنها ستتطور لدرجة كبيرة ثم تنهار بسرعة الصاعقة؟

ربما لم يكن أينشتاين خاطئًا، لا نعلم ما يجري في المستقبل، لكن ما شهده من حروب جعله يُدرك أنّ الأمم أصبحت تلجأ إلى التكنولوجيا وتطورها، لتُوظفها في تلك المجازر البشرية. وها هي الآن، صارت جبهة أساسية ميادين الحروب.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة