مما لا شك فيه أن أن الجيل الثالث للويب - Web3 هو نقلة نوعية لجميع مستخدمي الإنترنت على حد سواء، البعض يرى فيه فرصة للتحرر من القيود التي فرضت عليهم خلال استخدامهم  للجيل السابق، و البعض الآخر يرى فيه تهديدًا مباشرًا لمصالحهم التجارية، وأداة للتقليل من الصلاحيات الواسعة التي تمتعوا بها في Web 2.0، و بما أن الإنسان هو أسير التقدم التكنولوجي؛ فالجيل الثالث هو واقع لا بد منهٌ عاجلًا أم آجلًا. إذًا، من هم المستفيدون من وجود Web3 و من هم المتضررون؟ و كيف سيساهم الجيل القادم للويب في التأثير على حياتك بشكل مباشر عزيزي القارئ؟

كيف يعمل Web3 بشكل مبسط

هل تتذكر في أكتوبر الماضي عندما توقف فيسبوك عن العمل كيف توقفت معه أيضًا خدمات إنستاغرام و واتساب لمدة ساعات؟ السبب الرئيسي وراء ذلك أن جميع تلك التطبيقات أو المواقع تعتمد على نمط «المركزية - Centralized System» كآلية عمل، ما يعني أن هناك مركز رئيسي موحّد يتحكم بجميع بيانات المستخدمين، بينما في Web3 العكس صحيح؛ فكل مستخدم هو مركز رئيسي قائم بحد ذاته، ما يعني أن الإنترنت سيكون مبنيًا على «اللامركزية - Decentralized System»، ووحده المستخدم قادر على التحكم الكامل بمصير بياناته ولا يحتاج إلى أي وسيط ثالث من أجل مشاركة البيانات، بل يتم رفعها مباشرة على سلسلة Blockchain فتنتقل من النقطة" أ" إلى النقطة "ب" بشكل مشفر وآمن دون الحاجة إلى المرور بمركز ثالث.

هؤلاء هم المستفيدون من Web3

جماعة مستثمري العملات الرقمية على أنواعها

يمكنك التخمين أن الطرف الأكثر استفادة من الجيل الثالث للويب هم الأشخاص الذين دخلوا مجال العملات الرقمية ولو بنسب متفاوتة؛ ربح سريع خفيف ونظيف بأقل مجهود ممكن، فهل تعلم أن ثمة أشخاصًا آمنت واشترت بيتكوين عندما كان سعرها فقط بضعة دولارات؟! الآن لديك صورة واضحة عن حجم التحول الذي حصل في حياتهم، أضف إلى ذلك التعدين "Mining" الذي يعد من أفضل الاستثمارات ذات الربح المضمون.

مجتمع اللاعبين وشركات تطوير الألعاب على حد سواء

في Web 2.0، الطريقة الوحيدة والأكثر شيوعًا لكسب المال إذا كنت جيمر عبر أموال متبرعين من خلال إقامة بث مباشر عبر منصة Twitch بالإضافة إلى تسويق منتجات خلال البث، هذا بالطبع في حال استطعت تنمية قاعدة كبيرة من المتابعين والمشاهدين. بينما في Web3 -وبالإضافة إلى هذه الطرق التي ذكرناها- سوف تتمكن كذلك من كسب المال مباشرة من لعبتك المفضلة وبالعملات الرقمية، وذلك كلما اجتزت مرحلة معينة أو حققت رقمًا قياسيًا جديدًا، شكرًا لألعاب "Play to earn" التي ستنتشر بشكل كبير في الجيل القادم لشبكات الويب، لتصبح حرفيًا مزاولتك للألعاب هي مهنتك وقوت يومك!

يمكنك كذلك طرح الشخصية الخاصة بك في الألعاب كمقتنى NFT وبالتأكيد كلما اجتزت نقاطًا أكثر أثناء اللعب كلما ارتفعت القيمة السوقية لهذا المقتنى.

كذلك سيشهد مجال تطوير الألعاب نهضة كبيرة في Web3، كيف لا وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالميتافيرس التي يحاول زوكيربيرج جاهدًا أخذ الثناء عليها! ستنتقل الألعاب للمستوى الجديد الذي يجعلها أقرب للواقع بشكل فعلي، نحن هنا لا نتحدث عن مستوى الرسومات وإنما التجربة نفسها، ولعل خير دليل على ذلك هو قفازات "Haptic"

تجربة قفازات Haptic وكيف ستغير الميتافيرس في الجيل الثالث للويب

صانعو المحتوى، أصحاب المواهب والفنانين

قبل ظهور الإنترنت وتمكنه من حياتنا، كانت الطريقة الوحيدة لعرض وبيع الأعمال الفنية تتم عبر معرض أو متجر مقابل عمولة باهظة يقتطعها صاحب المكان من سعر البيع، ولم يختلف الأمر كثيرًا في جيل Web 2.0، حيث تحولت الأعمال الفنية إلى ملفات رقمية يتم عرضها عبر منصات مخصصة لذلك مع اقتطاع عمولة قد تصل إلى 20% في بعض الأحيان.

ولكن المشكلة التي عانى منها هذا الجيل من الإنترنت كانت عدم احترام حقوق الملكية، فإذا رفعت صورة جرافيك أو صورة فوتوغرافية من صنعك على منصات مثل إنستغرام، يمكن لأي شخص آخر تحميلها وإعادة رفعها دون أي حسيب أو رقيب، طبعًا يمكنك تبليغ إدارة الموقع وإثبات أنك المالك الأصلي لهذا العمل المسروق، ولكن تظل تلك الملفات الرقمية لا تحمل بصمتك عليها.

ويمكنك تخمين ما نهيئ لذكره بهذه الأمثلة، إذ يأتي Web3 ليكون أكثر أجيال الإنترنت إنصافًا لصانعي المحتوى والفنانين عمومًا، حيث سنشهد ازدهارًا للرموز غير القابلة للاستبدال NFTs والتي ستمنع سرقة المحتوى ونسبه لغير صاحبه، حيث تكون أصول كل عمل مكتوبة داخل شفرته البرمجية، بالطبع سيظل بإمكانك أخذ "لقطة شاشة" لكنها لن تعني شيئًا عندما يتحول الإنترنت إلى معارض NFTs!

رموز NFT التي ستكون مهيمنة في الجيل الثالث للويب

الشعوب التي تدفع ثمن العقوبات السياسية

تخيل أن تعيش في عالم لا يحكمه سعر الدولار، ولا تجد فيه عقوبات سياسية على دول تكون ضحيتها الشعوب، هذا ما ينتظرنا في Web3، حيث لا يمكن لأي قوة عظمى التحكم بحركة العملات الرقمية أو فرض قيود عليها بأي شكل من الأشكال، ولعل خير دليل على ذلك عندما رفضت منصة Binance لتداول العملات الرقمية حجب خدماتها داخل روسيا، بعد أن توجهت شريحة كبيرة من الشعب الروسي إلى البيتكوين في سبيل الحفاظ على قيمة أموالهم بعد تعرض بلادهم إلى عقوبات مالية وسياسية. وبررت منصة العملات الرقمية رفضها للحجب بأنه يتعارض مع مبدأ اللامركزية الذي يعتبر أساس بلوكتشين.

المصارف العالمية و SWIFT هم الأطراف المتضررة من Web3

النظام المصرفي العالمي مبني على نظام المركزية الذي يعد منافيًا لمبادئ الجيل القادم من الإنترنت، وأبسط مثال على ذلك النظام العالمي لتحويل الأموال SWIFT المتمركز في بلجيكا، والذي لا يمكن أن تتم أي عملية تحويل أموال من بلد إلى آخر إلا من خلال المرور به، بينما عملية تبادل العملات الرقمية تتم بشكل مستقل تمامًا عن المصارف دون الحاجة للمرور بأي مراكز.

هذا يعني أيضًا أنك ستتحرر من العمولات التي تفرضها عليك البنوك، من بداية فتح حساب، وحتى السحب من ماكينات ATM، كل تلك العمولات ستصبح شيئًا من الماضي عندما تبدأ في الاستثمار في العملات الرقمية التي تتحرر من تلك القيود، ما يشكل خطرًا بالطبع على جميع المصارف العالمية.

وقد صرّح محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي عن رأيه في العملات المشفرة، وحذر من الاستثمار فيها لأن قيمتها السوقية غير ثابتة ومن الممكن أن تصبح "بدون قيمة" في أي وقت.

من الممكن أن يختلف سعر عملات البيتكوين بشكل كبير ويمكن أن تنخفض نظريًا أو عمليًا إلى الصفر

حذر السيد أندرو كذلك من أن الأصول المشفرة قد تكون ملاذًا لكل من يرغب في القيام بأنشطة إجرامية، ما يبين لنا كيف سيكون Web3 كالشوكة في الحلق بالنسبة للبنوك والمصارف العالمية!

مع ظهور وسائل الدفع الرقمية، وخاصة الأصول المشفرة، أخشى أن الأدلة تشير إلى أنها توفر وسيلة دفع أخرى للأشخاص الذين يرغبون في القيام بنشاط إجرامي.

أندرو بيلي

أما نحن المستخدمون، هل سيفيدنا Web3؟

الجيل الجديد من الإنترنت يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالميتافيرس، وسواء اتفقت أم اختلفت مع فكرة خلط الخيال بالواقع، إلا أن Web3 سيجعل وظيفتك تدار من المنزل بشكل كبير خلال الأعوام الثلاثة القادمة -حسب تخمين بيل جيتس- فأي وظيفة ذات طابع مكتبي ستتمكن من ممارستها عبر الميتافيرس من داخل منزلك، والذي سيكون محمسًا للكثيرين حتى أصحاب الشركات. فوفقًا لدراسة أجرتها جامعة ستانفورد على عينة من الموظفين أثناء فترة عزل كورونا عندما كانوا يعملون من منازلهم، وُجد أن الإنتاجية ارتفعت بمعدل 30% عما كانت عليه أثناء العمل الحضوري، ما يعني أن العمل من خلال المنزل سيكون مربحًا لكل من المدير والموظف.

الميتافيرس سيكون أيضًا الجنة الذهبية للشركات الناشئة بميزانيات شبه معدومة، حيث لن يكون من الضروري وجود مقر للشركة أو مبنى من أساسه، ما سيوفر الكثير من النفقات، ولكن يجب أن ننتبه من عمليات الاحتيال كما رأينا في شركة Madbird الوهمية التي أنشأها شاب لبناني.

يمكن اعتبار Web3 اختراعًا جديدًا يتوغل تدريجيًا في حياتنا، ولا يمكن إنكار أنه سيغير مفاهيم الإنترنت للأبد، وسيخلق فرصًا جديدة بالكامل، ولكنه كذلك لن يكون مثاليًا وسيحتاج إلى الكثير من الضوابط.