تمكن مجموعة من العلماء من صناعة تي شيرت يخدع تقنيات الذكاء الاصطناعي، ربما لن يجعلك هذا مخفيًا عن أعين البشر، ولكن ستتمكن من أن تكون مختفيًا عن أنظار تقنيات التعرف على الوجه، وفي مستقبل تحكمه الآلة؛ ألا يجعلك هذا فعليًا مرتديًا ”طاقية الإخفاء“؟!

رغم أن التعرف على الوجه من أصعب التقنيات التي يمكن تجاوزها والتي يتم الترويج لها من قبل بعض الشركات مثل أبل وجوجل على أنها ميزة أمان فائق، إلا أن عددًا من الابتكارات نجحت في خداعها، وكان آخرها "تي شيرت" تفوّق على الذكاء الاصطناعي وأربك أنظمة المراقبة وجعل من يرتديه يختفي ليس عن عيون البشر إنما عن عين الآلة.

نما استخدام تقنية التعرف على الوجه في السنوات الأخيرة بشكل كبير ويمكن تعريف هذه التقنية بأنها نظام من الخوارزميات المصممة لتحديد وتمييز الأشخاص إما في صورة ثابتة أو في مقطع فيديو من خلال بياناتهم البيومترية.

وقد بدأت الشركات و المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الاعتماد عليها بشكل كبير، ما جعلها أمرًا مقلقًا ومثيرًا للخوف وللكثير من التساؤلات حول مصير هذه البيانات التي تجمعها الشركات الخاصة، وما إذا كان جمعها سيعرّض أصحابها إلى مخاطر في حال استُخدمت بشكل غير أخلاقي، ولانتزاع بعض من الخصوصية للناس، تم تطوير بعض السُبل لتجاوز كاميرات المراقبة كالأقنعة والنظارات ومساحيق التجميل وغيرها، ولكن طوال الوقت كان يتم تطوير الذكاء الاصطناعي للتغلب على جميع هذه الأساليب، والآن فقد توصل العلماء لوسيلة جديدة تضلل تلك التقنيات، ولعلها الأسهل على الإطلاق!

تي شيرت يجعل كل من يرتديه غير مرئي لأجهزة المراقبة

تعاون باحثون من جامعة "نورث إيسترن" ومعهد "ماساتشوستس" وشركة "آي بي إم" وطوّروا ابتكارًا مبهرًا يتفوق على الآلة، حيث يمنح من يرتديه القدرة أن يخدع الذكاء الاصطناعي ويتخفى من أنظمة المراقبة الذكية، والغريب أن هذا الابتكار ليس جهازًا تقنيًا متطورًا وإنما "تي شيرت بسيط" أبيض اللون مع رقعة مربعة الشكل ملونة مطبوعة على الواجهة الأمامية.

تي شيرت يضلل الذكاء الإصطناعي

جرى اختبار هذا الـ "تي شيرت" مع برنامج YOLO وهو برنامج مفتوح المصدر يمكن لأي أحد تنزيله واختباره, حيث تم  إجراء الاختبار على شخصين يسيران معًا أحدهما يرتدي لباسًا أسود والثاني يرتدي هذا الـ "تي شيرت" الأبيض وكانت النتيجة أن البرنامج فشل في التعرف على الشخص الثاني ولم يستطع رؤية إلا شخص واحد خلال مقطع الفيديو بكامله وهو الرجل صاحب الزي الأسود أما صاحب القميص الأبيض فبدا وكأنه جزء من الخلفية لا وجود له، ونظرًا لأن جميع هذه البرامج تتشابه في آليه عملها إلى حد كبير، فمن المحتمل جدًا أن تواجه مشكلة في رؤية الـ "تي شيرت" ومن يرتديه.

كيف يمكن ل "تي شيرت" أبيض أن يضلل الذكاء الاصطناعي بهذه البساطة؟

حتى نفهم الطريقة التي يعمل بها هذا ال "تي شيرت" يجب فهم الاختلاف في الطريقة التي نتعرف بها نحن البشر على الأشياء أو الأشخاص، والطريقة التي تتعرف بها الآلة عليهم؛ إن كل ما تراه الآلة هو وحدات بكسل (مجموعة من النقاط تم تدريب الآلة على تفسيرها) ومن خلال هذه الوحدات تستطيع الآلة تحديد ماهية الكائن وتصنيفه إلى جماد أم بشر.

وإذا اعتبرنا أن وحدات البكسل عبارة عن مدخلات تساعد الآلة على إعطاء المخرجات المطلوبة (تحديد التصنيف الصحيح للكائن)، فإن التعديل على المدخلات سيعطي حتمًا مخرجات خاطئة ومخالفة للواقع، ما يجعل الآلة ترى الكائن بشكل مختلف عما هو عليه في الحقيقة أو قد لا تراه مطلقًا، أي أن إضافة وحدات من البكسل (بشكل عشوائي أو مكرر) قد لا يكون تغييرًا محسوسًا وملحوظًا للعين البشرية ولكنه بكل تأكيد سيربك الآلة ويجعلها عاجزة عن الرؤية الصحيحة.

ولأن الذكاء الاصطناعي يعتمد على رسم إطار على شكل مربع حول الكائن ثم يقوم بتصنيفه، اعتمد الباحثون في ابتكارهم على طريقة ذكية لتجاوز أجهزة المراقبة فبدلًا من إحداث تغيير في منطقة الوجه عن طريق قناع أو نظارة أو غير ذلك، حددوا منطقة من الجسم لها القدرة أن تربك نظام التعرف على الوجه إذا تمت إضافة بعض وحدات البكسل إليها واستهدفوا هذه المنطقة لطباعة رقعة مربعة ملونة، أدى وجود هذه الرقعة إلى تشتيت الشبكة العصبية المسؤولة عن العملية وجعلها تركز على هذه الرقعة بدلًا من التركيز على منطقة الوجه وبالتالي لم تستطع رؤية أي كائن في الصورة.

أول ابتكار مصمم ليعمل مع الأجسام المتحركة

مع أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها خداع الذكاء الاصطناعي، ففي وقت سابق طور باحثون أمريكيون نظارات مبتكرة تمكنت من التغلب على تقنية التعرف على الوجه، بالإضافة إلى مجموعة من الأقنعة استخدمها المتظاهرون في حملة "جورج فلويد" لمنع أجهزة المراقبة من التعرف عليهم، ولكن المخاطرة في نجاح هذا القميص كانت في التغلب على التجعيدات والثنيات التي يتعرض لها أثناء حركة من يرتديه، وقد وضع الباحثون هذا الأمر في حسبانهم  فقاموا بتحديد وقياس الطريقة التي يتحرك بها الـ "تي شيرت" وبعدها قاموا بطباعة الرقعة الملونة، وكان هذا التحدي الأكبر، وهو ما يجعل هذا القميص الأبيض متفوقًا على باقي الابتكارات السابقة والتي كانت عبارة عن مواد ثابتة، فأصبح هؤلاء الباحثون أول من نجح في خلق نموذج متحرك متمثل في "تي شيرت" يخدع الذكاء الاصطناعي!

الهدف من هذه التجربة هو تحسين الذكاء الاصطناعي وليس تضليله

لا يمكن لأحد إنكار حقيقة أن القدرة على التعديل على الصوت والتلاعب به تشكل تهديدًا كبيرًا لمستقبل المنازل الذكية التي يتم التحكم فيها باستخدام هذه العناصر، كذلك فإن القدرة على تضليل أجهزة المراقبة قد تتسبب بأضرار جسيمة، وذلك لأن تقنية التعرف على الوجه تستخدم كجزء من نظام الأمن العام في بعض البلدان حول العالم.

وقد ساهمت بشكل فعال في مكافحة الاتجار بالبشر وعودة المخطوفين وإيجاد الأطفال المفقودين وإلقاء القبض على المجرمين، فإذا وقع هذا الـ "تي شيرت" في أيدي من لديهم غايات غير أخلاقية فمن المؤكد أن الكوارث ستحدث، وحتى في حال استخدامه لغرض نبيل كحماية خصوصية الأفراد فإن من يرتدي هذا القميص سيكون في أي وقت عرضة لحادث قد يودي بحياته مع السيارات ذاتية القيادة التي لن تتمكن من رؤية أو التعرف على أي شخص يرتدي هذا القميص الأبيض القبيح.

يعي أصحاب هذا الابتكار تمامًا مدى خطورة أن يكون متوفرًا في عالمنا الحقيقي شيء من هذا القبيل، لذا أوضحوا دوافعهم التي تختلف عما قد يعتقده أي شخص، وكتبوا في الورقة البحثية "مع زيادة اعتمادنا على التكنولوجيا، ننسى أحيانًا أنها من الممكن أن تفشل"، فبخلاف الابتكارات السابقة التي صٌممت لخداع الذكاء الاصطناعي عمدًا لم يكن الهدف من هذا الـ "تي شيرت" مساعدة الناس في تضليل الذكاء الاصطناعي و التلاعب به والتخفي من تقنيات التعرف على الوجه، وإنما الكشف عن مواطن الضعف التي يمكن الالتفاف حولها من قبل أصحاب الغايات غير النبيلة، ومساعدة الشركات وأنظمة المراقبة في إغلاق جميع الثغرات.

تكشف هذه الابتكارات أن الخوارزميات التي نسند إليها الكثير من القرارات والمسؤوليات في حياتنا -سواء كأفراد أو حكومات- ليست مثالية، وأن الذكاء الاصطناعي رغم ذكائه لا يخلو من الثغرات، لذا من المفيد للمرء التشكيك بتقنياته والعمل المستمر على تحسينها تفاديًا لأخطار مدمرة قد تهدد الأرواح.