ما زال الجدال العميق المتمحور حول خصوصية أنظمة iOS رهن تاريخٍ طويل ومستقبل ضبابيّ يخفي في طيّاته حالة عداءٍ ونزاع أزليّ مع شركتي ميتا (فيسبوك سابقًا) وجوجل. كما يعلم أغلبنا أنّ شركة أبل هي شركة برمجيّات وأجهزة متطوّرة، تشتهر بسلسلة أجهزتها واستراتيجيّاتها التسويقية المبتكرة، وأحد الجوانب التي توليه اهتمامًا كبيرًا هو حفظ خصوصيّة مستخدميها والبيانات التي تجمعها منهم، وتؤكّد ذلك من خلال تبنّيها شعار "الخصوصيّة هي حقّ أساسي من حقوق الإنسان" والذي لا يملّ رئيسها التنفيذي "Tim Cook" من ترديده في كافّة المناسبات.

لكن في ظلّ هذا التشديد على حفظ خصوصيّة المستخدم، تنطرح العديد من التساؤلات حول حقيقة هذه السريّة وجدّيتها في حفظ بيانات المستخدمين، ومن أين تجني الشركة أموالها؟ وغيرها العديد من التساؤلات الأخرى.

كيف تكسب أبل الأموال وتحقّق الأرباح من خلال إعطاء الأولويّة للخصوصيّة؟

هناك عدّة طرق تستفيد منها التفاحة الأمريكية من موقفها المتعلّق بالخصوصيّة. أوّلها، الدعاية الواضحة التي ينطوي عليها الأمر من خلال كونها الشركة التكنولوجيّة التي تركّز على الخصوصيّة في عصرٍ يتزايد فيه الحديث عن انتهاك الخصوصيّة وسياسة الأمان والحماية، فتضع الشركة نفسها في وضع مُربح ومريح من خلال جني غالبيّة أموالها من بيع الخدمات والمنتجات التي لا تزال تحفظ وتحترم خصوصيات المستخدم وبياناته. ولهذا السبب لا تحتاج آبل لانتهاك حرمة بيانات ومعلومات مستخدميها التي لا تتناسب مع صفات خدماتها.

السبب الحقيقي وراء اهتمام آبل بالخصوصية

في الوقت الذي تكون فيه شركة ميتا تحت دائرة الضوء بسبب إساءة استخدام بيانات المستخدم، ومع تكرار حدوث عمليات انقطاع الخدمة والتسريبات الهائلة التي نشهدها كلّ يوم، أصبحت هناك فجوة في السوق بالنسبة لشركة تهتم بخصوصيتك. إنّ شركة أبل لن تهتم بخصوصيتك فقط، بل تبنيها في كل منتج تقدّمه لك على حدة، من خلال إطلاق بطاقة ائتمان أبل Pay، وخدمات البث التلفزيوني والأخبار وتطبيقات الألعاب.

ذلك هو السيناريو المثالي للأشخاص المهتمّين بما يحدث لبياناتهم، وبالطبع هذا ما تودّ أبل التحكّم به والعمل عليه. مع وجود قوانين مثل اللائحة العامّة لحماية البيانات (GDPR) التي تحمي مواطني الاتحاد الأوروبي، والتركيز المتزايد على الخصوصية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى حالة الاهتمام والوعي بأهمّية الخصوصية لدى شريحة كبيرة من الناس.

شعار أبل يظهر بجوار قفل للدلالة على اهتمامها بالخصوصية

أدركت شركة أبل وجود تلك الفجوة في السوق، لتتبنّى سياسة حماية الخصوصية وتبني جدار الثقة والضمان مع مستخدميها، ومع كلّ تحديث لأنظمة macOS و iOS و iCloud، نرى أنّ أبل تزيد من مستوى الخصوصية التي توفرها لتمكّن المستخدمين باستمرار من حماية معلوماتهم الشخصية من المعلنين والحكومات ومطوري الطرف الثالث وحتى من شركة أبل نفسها.

أسباب تنافسيّة 

تستفيد أبل من نموذج أعمالها وتقنياتها لخلق فجوة متباينة يصعب على منافسيها من الشركات الأخرى عبورها أو ردمها، بل باحتكارها سياسة الخصوصية أصبحت تملك سلاحًا دائمًا لمهاجمة منافسيها وتقييد نشاطهم.

أسباب تجارية ربحيّة

تجني أبل أموالها من بيع الأجهزة للمستهلكين، فجميع برامجها وخدماتها موجودة في الغالب لدفع مبيعات الأجهزة، فالمستهلك هو العميل الأساسيّ لها وليس المعلنين أو المؤسّسات الأخرى، ومن الواضح أيضًا أنّ أبل لا ترى شيئًا لتكسبه في تصميم الأنظمة التي تدعم سياسات ومصالح التطّفل الحكومي. لعلّ الشركة الوحيدة التي تتواجد في وضع ونهج مماثل لـ أبل هي شركة سوني، لكنّها تفتقر إلى القوة والبرمجيات والأنظمة البيئية التي تسمح لها بدخول مضمار المنافسة الحقيقية مع باقي الشركات الأخرى.

خلق حالة ارتباط عاطفي حقيقيّ مع عملائها

تثير قضايا السلامة والأمان والحماية مشاعر عميقة لدى الناس، ولطالما حاولت أبل بناء اتصال عاطفي بين أجهزتها وعملائها، من خلال تركيزها المتزايد على مسألة الخصوصية، وكما أوضحنا أنّ أبل لا ترى أنّ الخصوصية مهمّة فقط للحفاظ على هذا الرابط والاتصال، بل كوسيلة وميّزة يصعب على منافسيها تكرارها أو النيل منها.

ما يميّز أبل عن ميتا وجوجل يشعل العداء المستمر بينهما

الصراع المستمر بين فيسبوك وأبل


في حين تعتمد أبل في أرباحها على بيع الخدمات والمنتجات، تقدّم الشركات الأخرى مثل فيسبوك وجوجل عددًا كبيرًا من الخدمات المجانيّة أو منخفضة التكلفة التي تجمع من خلالها العديد من البيانات والمعلومات عن مستخدميها، وتضعه في خانة ملف خاصّ برفقة ملفات لملايين المستخدمين وتبيعهم لشركاتٍ تسوّق دعاياتها بما يتلاءم مع اهتماماتك وتوّجهاتك ونتائج بحثك، فتجني الأموال ممّا تتضمنه هذه الخدمات من إعلانات.

في القرن الواحد والعشرين يعتمد الإعلان على جمع البيانات، لذلك، هذا هو السبب وراء حصولك على إعلانات ذات صلة باهتماماتك ونشاطك وموقعك الجغرافيّ. فمن خلال جمع البيانات يمكن لشركات مثل ميتا وجوجل تحسين فعاليّة إعلاناتهم، ممّا يسمح لهم بفرض أسعار أعلى على دعاياتهم. 

ومن هنا يتبلور الخلاف الجوهريّ بين أبل ومنافسيها من الشركات، إذ تتخلّى أبل عن الجانب التجاريّ والميّزات الماليّة التي تخصّ بيانات مستخدميها، لأنّ بيع الإعلانات ليس جزءًا من سياسة عملها، لينفجر الصراع الكبير بينهم على ما تفرضه أبل من قوانين أكثر صرامة في حفظ الخصوصيّة والتي تضرّ بشكل مباشر بمنافسيها.

كيف أثّر التحديث الأخير التي طرحته أبل على فيسبوك وغيره من التطبيقات الأخرى؟

سؤال المستخدم قبل تتبعه في أنظمة iOS

مع إطلاق تحديث iOS 14.5 فرضت أبل على الشركات والمعلنين، بما في ذلك شركة ميتا، أن يطلبوا إذنًا صريحًا برسائل واضحة جوابها "نعم" أو "لا" تظهر على شاشة المستخدمين، وتطلب تصريحًا منهم وموافقتهم على جمع بياناتهم وتتبعهم من تطبيق لآخر، وباعتبار أنّ معظم الناس يميلون للخصوصيّة والاحتفاظ بمعلوماتهم، فإنّ عددًا كبيرًا من الأشخاص سيجيبون بـ "لا". وهذا يعني أن الشركات مثل جوجل وميتا التي تعتمد في ربحها على عرض الإعلانات للمستخدمين عبر الإنترنت سيكون لها بيانات أقلّ ترسم من خلالها ملامح دعاياتها، وهذا ما سيكبّلها خسارات فادحة.

ما الذي أغضب ميتا من هذا التحديث الذي فرضته أبل وأوسع الفجوة بينهما؟

فيسبوك وأبل

كما ذكرنا آنفًا، أصبحت أنظمة iOS تطالب التطبيقات باستئذان المستخدمين لتتبّع نشاطاتهم عبر التطبيقات الأخرى والويب. حيث تتعقّب الكثير من التطبيقات نشاط الويب الخاص بالمستخدمين من خلال الإعدادات الافتراضيّة التي يتم القبول بها عند تثبيتها. قد يبدو هذا التغيير الذي تسمّيه شركة أبل باسم "شفافيّة تتبّع التطبيقات" صغيرًا، لكنّه أثار غضب شركة ميتا كثيرًا، إذ بدأ هذا التغيير يهدّد مصدر إيراداتها السنويّة البالغة 86 مليار دولار أمريكيّ بواسطة الإعلانات المستهدفة. 

شنّت شبكة التواصل الاجتماعي حملةً استمرّت لأشهر ضدّ شركة أبل، حيث عرضت إعلانات على صفحات كاملة في الصحف الوطنية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ورمت بوابل من النوافذ المنبثقة داخل تطبيق ميتا لتشجيع المستخدمين على قبول تتبّعها لهم.

كما تحدّث الرئيس التنفيذيّ لشركة فيسبوك "مارك زوكيربيرغ" خلال مناقشة أرباح الشركة قائلًا: قد تدّعي أبل أنّها تفعل ذلك لمساعدة الناس وحمايتهم، لكن ما تقوم به يندرج بوضوحٍ ضمن اهتماماتها التنافسيّة. بينما صرّح الرئيس التنفيذي لشركة أبل "تيم كوك": بأنّ هذا التغيير متجذّر في المبدأ الذي تتبّناه الشركة، كما يجب أن يمتلك المستخدمون الخيار بشأن البيانات التي يتم جمعها عنهم وكيفيّة استخدامها.

كيف ردّت شركة ميتا ودافعت عن مصالحها؟

من المؤكّد لن تبق ميتا مكتوفة الأيدي في ظلّ تهديد مكاسبها الماليّة، فوظّفت الشركات الصغيرة في إعلاناتها لمهاجمة أبل وتوصيل رسالتها للمستخدمين، كما كرّرت ميتا مزاعمها في أنّ التحديث الجديد من أبل من شأنه تغيير الإنترنت إلى صيغةٍ أسوأ. وخاطبت المستخدم قائلة: "مواقع الطهي المفضّلة لديك أو المدونات الرياضيّة، معظمها مجانيّة لأنّهم يعرضون الإعلانات، وعليه فإنّ التحديث الجديد من أبل سيحدّ من قدرتها على تشغيل الإعلانات المخصّصة، وبالتالي، في سبيل تغطية نفقاتهم، سيتعيّن على العديد من المواقع البدء في فرض رسوم اشتراك عليك، أو إضافة المزيد من عمليات الشّراء داخل التطبيق، ممّا يجعل الإنترنت أكثر تكلفة، ويقللّ المحتوى المجّاني عالي الجودة".

كما قال المتحدّث باسم ميتا في حسب أحد التقارير "أنّ تغييرات أبل لا تتعلّق بالخصوصيّة، بل إنها تتعلّق بالرّبح. إذ قد يكون الدفع مقابل المحتوى أمرًا جيّدًا للبعض، ولكن معظم الناس، خاصّة خلال هذه الأوقات الصعبة، لا يملكون قدرةً في ميزانيّتهم لدفع هذه الرسوم".

وأضاف المتحدّث: "نحن لا نتّفق مع نهج أبل وحلّها، ومع ذلك ليس لدينا خيار سوى إظهار الاستئذان الذي فرضته. فإذا لم نفعل ذلك، سيقومون بحظر ميتا من متجر تطبيقات أبل، ممّا سيؤدي إلى مزيد من الضرر للأشخاص والشركات التي تعتمد على خدماتنا، ولا يمكننا تحمّل هذه المخاطر نيابةً عن ملايين الشركات التي تستخدم منصّتنا للتطوّر والانتشار".

مارك زوكيربيرغ

ومؤخرًا، رأينا مارك زوكيربيرغ يدلي بتصريح آخر يؤكد فيه أن "قوانين أبل المتعلقة بالخصوصية هي السبب في انخفاض نمو إيرادات فيسبوك في الربع الأخير". حيث يؤكد مؤسس فيسبوك أن تلك القواعد الجديدة من أبل تؤثر بشكل سلبي على فيسبوك. كما صرح مارك أن هذا التحديث لا يضر فقط فيسبوك، وإنما أصحاب المشاريع الصغيرة وملايين الشركات التي تعتمد في مكاسبها على تتبع المستخدمين وإرسال الإعلانات لهم، في فترة تعتبر صعبة بالفعل لهم من ناحية الاقتصاد.

الخلاصة.. أبل لا تهتم لصياح زوكيربيرغ!

لا يبدو أن أبل تنوي تعديل تلك القرارات الجديدة المتعلقة بالخصوصية على الإطلاق، حيث ستستمر أنظمة iOS في سؤال المستخدم عن رغبته في أن يتم تتبعه، وسيستمر زوكيربيرغ في خسارة الملايين.

إذا كنت من مستخدمي أجهزة أبل وتتساءل عن الآلية التي سيؤثّر بها هذا التحديث عليك فإنّ الإجابة بسيطة، إن كنت غير مهتمّ بالإعلانات فلن يؤثّر هذا التحديث عليك بل في الحقيقة سيكون مفيدًا لك في الحفاظ على خصوصيتك، أمّا في حال كنت من محبّي ومتابعي الإعلانات، فكل ما عليك فعله هو قبول أن يتم تتبعك!