غالباً ما نسمع ونشاهد جلسات الاستماع التي تعقدها معظم الحكومات ضد شركات التكنولوجيا العملاقة مثل أمازون وآبل وفيسبوك (ميتا)، ومن ثمَّ تبدأ عملية فرض الغرامات أو العقوبات الكبيرة، ولكن هنالك شركة تكنولوجية كبرى لم نشاهدها خلال السنوات الماضية في منصة الاستماع، إنَّها شركة مايكروسوفت عملاق التكنولوجيا الأمريكي.

كيف وصلت شركة مايكروسوفت إلى ما هي عليه الآن؟ وكيف أصبحت الشركة التكنولوجية الكبرى المحبوبة لدى الحكومة الأمريكية في واشنطن ومعظم الحكومات في الدول الأخرى؟ كل هذا وأكثر سوف نتعرف عليه من خلال هذا المقال.

مايكروسوفت ما بين الماضي والحاضر

في الرابع من شهر أبريل من عام 1975 تأسست شركة مايكروسوفت على يد كل من بيل غيتس وبول آلين، حيث بدأت الشركة خطواتها الأولى في بيع معالجات بيسك وتطويرها، وقد لاقت الشركة نجاحاً كبيراً في هذا المجال مما دفع مؤسسيها إلى تسجيل اسم "مايكروسوفت" كعلامة تجارية بشكل رسمي في عام 1976.

شركة مايكروسوفت

ومن ثمَّ بدأ نشاط الشركة بالازدياد بشكل منقطع النظير، حيثُ إنَّه في منتصف الثمانينات عقدت شركة مايكروسوفت شراكة مع شركة إنتاج الحواسيب الشخصية IBM، والتي أصبحت بموجبها المسيطر الأساسي على سوق أنظمة تشغيل الحواسيب الشخصية من خلال نظام التشغيل MS-DOS.

استمرت الشركة في تطوير نظام التشغيل MS-DOS الخاص بها، لتطلق في 25 أكتوبر من عام 2001 نظام التشغيل الأشهر على الإطلاق ويندوز إكس بي Windows XP، والذي أتبعته بعدة إصدارات على فترات متلاحقة كان آخرها Windows 11 في 24 يونيو من عام 2021، وبذلك أصبحت الشركة تسيطر على ما يقارب من 90% من سوق أنظمة التشغيل للحواسيب الشخصية.

وفي عام 1988 أعلن بيل غيتس لأول مرة عن حزمة البرامج المكتبية Office، لتنال هذه الحزمة إقبالاً واسعاً من مختلف المستخدمين ونجاحاً باهراً انعكس بشكل إيجابي على شركة مايكروسوفت.

ولم يقف طموح شركة مايكروسوفت عند هذا الحد، بل عملت الشركة على توسيع نطاقها من خلال إنجاز العديد من صفقات الاستحواذ، ولعلَّ أبرزها كان استحواذها على شركة Skype بقيمة 8.5 مليار دولار أمريكي في عام 2011، بالإضافة إلى استحواذها على شركة صناعة الهواتف النقالة الفنلندية نوكيا في عام 2014 مقابل 7 مليار دولار أمريكي تقريباً، كذلك لا ننسى استحواذها على منصة GitHub في عام 2018 مقابل 7.5 مليار دولار.

عمل فني يعبر عن استحواذ مايكروسوفت على GitHub

وقد عملت شركة مايكروسوفت على دخول سوق الألعاب الالكترونية من خلال جهاز الألعاب المنزلية Xbox، حيث أصدرت النسخة الأولى من هذا الجهاز في عام 2001 ولا تزال الشركة مستمرة بإصدار نسخ مختلفة منه حتى الآن، حيث أصدرت الشركة في عام 2020 جهاز Xbox Series X، وقد تمكنت مايكروسوفت من تقديم منافسة شرسة مع Sony ومنصة PlayStation، ولا سيما بعد أن انفجر الإنترنت بأخبار استحواذ مايكروسوفت على شركة Activision في عام 2021 مقابل 68.7 مليار دولار ليصبح بذك الاستحواذ الأكبر في التاريخ التقني.

ولم تكتفِ شركة مايكروسوفت بهذا فقط، بل عملت على دخول مجموعة من الأسواق المختلفة، حيث أطلقت في عام 2009 محرك البحث الشهير Bing الذي يعد منافساً لمحرك البحث Google، وأصدرت الشركة في عام 2010 نظام تشغيل الهواتف الذكية ويندوز فون ليكون منافساً لنظام الأندرويد على نطاق محدود.

هل تعلم؟

أن أكثر كلمة بحث شائعة على محرك Bing هي "جوجل". حسب ما ذكره المحامي ألفونسو لامادريد للمحكمة العامة للاتحاد الأوروبي: "لقد قدمنا أدلة تظهر أن أكثر استعلام بحث شائع على Bing هو"Google" بنسبة كبيرة".

بالإضافة إلى دخولها في مجال إنتاج الهواتف المحمولة، حيثُ اعتُبرت شركة مايكروسوفت بحلول الربع الأول من عام 2015 ثالث أكبر مُنتج للهواتف المحمولة على مستوى العالم، قبل أن تنهار إمبراطوريتها بالفعل فيما يتعلق بهذا المجال.

اتهام مايكروسوفت بالاحتكار ومحاولة تقسيم الشركة

كما توضح لنا من اللمحة التاريخية التي ذكرناها، فإنَّ شركة مايكروسوفت حاولت الدخول إلى جميع القطاعات والأسواق المتعلقة بالتكنولوجيا، بالإضافة إلى أنَّ طموح الشركة غير محدود ولا يوجد سقف لتوسعها، جميع هذه الأسباب كانت العامل الرئيسي وراء قلق الحكومة الأمريكية من التضخم الكبير لهذه الشركة ومحاولتها السيطرة على معظم المجالات التكنولوجية الأخرى، وخاصة سوق برمجيات الحاسوب ومتصفحات الإنترنت.

جميع العوامل السابقة دفعت وزارة العدل الأمريكية في عام 1998 بالاشتراك مع 20 ولاية أمريكية إلى رفع قضية ضد شركة مايكروسوفت متهمة إياها بالاحتكار في مجال البرمجيات الخاصة بأجهزة الحاسوب الشخصية.

وبعد ما يقارب السنتين من تاريخ رفع هذه القضية، أصدرت المحكمة حُكماً يدين شركة مايكروسوفت بتهمة الاحتكار وبناءً عليه أُقِرَّ تقسيم شركة مايكروسوفت إلى قسمين مستقلين، قسم مسؤول عن تطوير نظام التشغيل ويندوز، والقسم الآخر مسؤول عن تطوير البرمجيات الخاصة بالشركة مثل حزمة برامج أوفيس المكتبية ومتصفح إنترنت إكسبلورر -مايكروسوفت إيدج حاليًا-.

وقد منح القاضي المسؤول عن هذه القضية شركة مايكروسوفت مدة أربعة أشهر لإعداد خطة خاصة بانقسامها على أن يحدث الانقسام النهائي للشركة خلال عام واحد.

بالطبع فإنَّ شركة مايكروسوفت رفضت هذا الحكم بشكل قاطع وطعنت فيه، وصرح بيل غيتس حينها:

"الحكم لا يعتبر عادلاً، ونحن على ثقة تامة من أننا سوف نكسب في هذه القضية بعد طعننا بهذا الحكم"

بيل جيتس في مواجهة الكونجرس - 1998

وعلى ما يبدو فإنَّ شركة مايكروسوفت استطاعت بالفعل كسب هذه القضية، حيث وصلت مايكروسوفت إلى تسوية تمنع تقسيم الشركة، من خلال فتح باب المنافسة للشركات التكنولوجية الأخرى عن طريق إتاحة بعض العناصر المستخدمة في برامجها لهذه الشركات.

وعلى الرغم من أنَّ شركة مايكروسوفت تمكنت من أن تتهرب من حكم تقسيم الشركة بشكل ذكي، بالإضافة إلى أنَّها استطاعت تبديد جميع الشكوك المثارة حولها من ناحية الاحتكار، إلا أنَّ هذا يتركنا أمام سؤال مهم، ألا وهو "كيف استطاعت مايكروسوفت أن تنجو من هذا القرار؟" وخاصةً عند إسقاط تلك المحاكمة على المحاكمات التي تتعرض لها الشركات التكنولوجية الكبرى الآن.

في الواقع لا يمكننا الجزم بشكل قطعي في هذه المسألة، ولكن بالنظر إلى الظروف التي كانت سائدة في ذلك الوقت، والمرتبة الاقتصادية الكبيرة التي كان يتمتع بها غيتس باعتباره أغنى رجل في العالم، وما تبع هذه المحاكمة من تنحيه  في عام 2000 عن المنصب الذي كان يشغله كرئيس تنفيذي لشركة مايكروسوفت، بالإضافة إلى تأسيسه مؤسسة بيل وميلندا غيتس الخيرية الخاصة بالاشتراك مع زوجته في نفس العام، بإمكاننا القول إنَّ شركة مايكروسوفت لم تعد شركة تكنولوجية عادية بل أصبحت واجهة تمثل العقلية الأمريكية التي تبدو رائدة في مجال التكنولوجيا الحديثة، وصاحبة تأثير إيجابي وتنموي في الدول النامية.

علاقة مايكروسوفت بالحكومة الأمريكية

يمكننا وصف العلاقة التي تربط شركة مايكروسوفت مع الحكومة الأمريكية بالعلاقة المعقدة، حيث إنَّه في بعض الأحيان نرى شركة مايكروسوفت وهي تؤازر الحكومة الأمريكية وتمنحها المعلومات المتعلقة ببعض حسابات المستخدمين، كما بيَّنت بعض التسريبات التي تفيد بدخول مايكروسوفت إلى برنامج بريسم PRISM الذي تديره وكالة الأمن القومي NAS، مما يمكن الحكومة الأمريكية من الاطلاع على المحادثات والرسائل الإلكترونية التي يجريها المستخدمون لخدمات مايكروسوفت بشكل مباشر.

شعار مايكروسوفت ولكن بألوان علم أمريكا

وفي حين آخر نرى الشركة وهي تستميت دفاعاً عن خصوصية مستخدميها، ويصل الأمر إلى أن ترفع مايكروسوفت قضية ضد حكومة الولايات المتحدة الأمريكية؛ بسبب سياسة الحكومة التي تمنع فيها الشركة من إبلاغ المستخدمين أنَّ الوكالات الحكومية تطلب رسائلهم الإلكترونية والمعلومات المتعلقة بهم.

وفي عام 2018 أبرمت الشركة عقدًا عسكريًا مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 480 مليون دولار، حيث عملت مايكروسوفت على تطوير نظام IVAS المرئي المعزز المتكامل بالاعتماد على نظارة الواقع المعزز HoloLens التي أطلقتها الشركة في وقت لاحق من عام 2016، وسوف تطوِّر مايكروسوفت هذا النظام ليصبح مناسباً للاستخدام العسكري في تدريب الجنود.

العلاقة الخاصة بين رئيس شركة مايكروسوفت والكونغرس

في عام 2020 وبالتحديد عندما كانت لجنة الكونغرس تستعد لاستجواب الرؤساء التنفيذين الأربعة لأهم وأكبر شركات التقنية: أمازون، فيسبوك، آبل، وجوجل بشكل علني، كان نائب رئيس مجلس إدارة ورئيس شركة مايكروسوفت "براد سميث" يجري محادثة خاصة مع الكونغرس.

نائب رئيس مجلس إدارة ورئيس شركة مايكروسوفت "براد سميث"

وعندما اقترحت أستراليا مشروع قانون جديد تجبر فيه فيسبوك وجوجل على دفع مبالغ مالية مقابل نشر المقالات الإخبارية التي تخص مجموعات صحافية أسترالية، فإنَّ السيد سميث قدَّم تأييده لهذا القانون، وعرض محرك البحث بينغ من مايكروسوفت كبديل عن محرك البحث جوجل في حال قررت الشركة مغادرة البلاد احتجاجاً على هذا القانون.

وعندما بدأت الحكومة الأمريكية بالنظر في سَن تشريع مماثل، فإنَّ سميث لم يتردد في الذهاب إلى واشنطن وإدلاء شهادته أمام الكونغرس مظهراً دعمه.

يعتبر براد سميث أحد الموظفين المخضرمين في شركة مايكروسوفت، حيثُ قضى فيها 28 عاماً منهم 7 سنوات تقريباً كرئيس للشركة و 13 سنة كمستشار عام ونائب الرئيس التنفيذي في الأمور القانونية.

العديد من الأشخاص المطلعين على سياسات الشركة على مدار السنوات السابقة يفيدون بأنَّ السيد سميث قد نجح بالفعل في نقل شركة مايكروسوفت من اعتبارها في طرف الشركات المحتكرة إلى طرف الشركات الودودة والمحبوبة من وجهة نظر الحكومة الأمريكية اليوم. ويرى البعض أنَّ سميث قد استفادَ بشكل أو بآخر من تنمية علاقات الصداقة التي تربطه بالعديد من الأشخاص في واشنطن.

ويمكن القول بأنَّ سياسة سميث تعتمد بشكل أساسي على توجيه الأنظار نحو الشركات التكنولوجية الأخرى، وتقديم شركة مايكروسوفت كداعم وبديل لمعظم خدمات هذه الشركات.

سوني واكس بوكس والغرامات الأوروبية

وعلى ما يبدو فإنَّ شركة مايكروسوفت لم تسلم من الغرامات الأمريكية فقط، بل إنَّ سياستها ساعدتها على تفادي الغرامات الأوربية أيضاً.

حيث إنَّنا دائماً ما نرى تعرض شركة سوني -التي تنافس شركة مايكروسوفت في قطاع الألعاب الإلكترونية من خلال جهاز البلايستيشن– إلى غرامات كبيرة بسبب تهم متعلقة بانتهاك قواعد المنافسة الحرة والاحتكار كما حدث في عامي 2007 و 2019 حيث حوكمت شركة سوني إلى جانب شركة توشيبا وشركات أخرى بهذه التهم.

وفي المقابل فإنَّ شركة مايكروسوفت تعد البديل الأفضل لجهاز البلايستيشن في السوق الأوروبي من خلال جهازها اكس بوكس، مما يشكل ورقة ضاغطة يمكن أن تستخدمها الحكومات الأوربية ضد شركة سوني في هذه السوق.

وفي النهاية، يمكننا أن نلاحظ سياسة شركة مايكروسوفت في السوق الأمريكية والأسواق العالمية، والتي من الممكن أن يعدّها البعض تتسم بشيء من العدائية اتجاه الشركات التكنولوجية الأخرى، إلا أنَّها في المحصلة سياسة ناجحة مكَّنت الشركة من الاستمرار إلى هذا الوقت، والحفاظ على مكانتها بين الشركات التكنولوجية الكبرى.