من بينها رواية الميل الأخضر: كيف مثلت الروايات الأدبية الرجال ضخام الجثة؟

تمثيل الرجال ضخام الجثة في الروايات الأدبية
يارا أبوزيد
يارا أبوزيد

7 د

عند تمثيل الرجال ضخام الجثة في السينما والتليفزيون، غالبًا ما يتم حصرهم في هيئة الرجل القوي والمخيف فهو إما الحبيب الغيور أو الرجل الذي أهنته وهو جالس وما أن يقف لتجده أطول من مترين فتفر منه رُعبًا.

الرجال ضخام الجثة في الروايات الأدبية

green mile film

ولطالما كان من عادة الأدب كسر الصور النمطية للأشياء والأشخاص، فلدينا هنا 3 روايات، فئران ورجال، والميل الأخضر، وقاف قاتل سين سعيد. كل رواية أحد أبطالها رجل عملاق من الرجال ضخام الجثة لكن لا ينطبق عليه تلك الصورة النمطية.

ليني في رواية فئران ورجال للكاتب جون شتاينباك

ليني في رواية فئران ورجال للكاتب جون شتاينباك

تمثيل الرجال ضخام الجثة في رواية الميل الأخضر للكاتب ستيفن كينج

تدور رواية فئران ورجال حول شخصيتي جورج وليني، صديقين مزارعين في فترة الكساد الاقتصادي الذي أصاب الولايات المتحدة الأمريكية في ثلاثينيات القرن الماضي، يحلما بامتلاك مزرعة مليئة بالحيوانات وخاصة الأرانب، فيذهبا للعمل في مزرعة ما لجمع المال لكن تتعقد الأمور بسبب أفعال ليني غير المقصودة.

عند ذكر شخصية ليني، وصفها شتاينباك قائلًا:


“أما الذي كان يسير من خلفه فقد بدا على النقيض منه ذا وجه منبسط وعينين نجلاوين ذابلتين عريض ما بين المنكبين المنحدرتين نحو الأسفل. وكان هذا الرجل هائل الجثة، ضخماً أدنى إلى عملاق من العمالقة.. كان يجرجر قدميه وراءه مثل دب ويسير سيرا مضطرباً.. ولم تكـن يداه المتدليتان تتحركان قط”.

بعد قراءة هذا الوصف لأول مرة ربما تظن أنه حارس جورج الذي يسير وراءه للتأكد من حمايته وقد تعتقد حتى أنه شخص عنيف أو مؤذي، لكن بعد ذلك يتضح لك أنه العكس تمامًا. فجورج هو الحارس له أو المكمل له بطريقة ما وهو الذي ينقذه من المتاعب ويقع فيها بسببه.

ذو صلة

وعلى عكس جسده العملاق كأحد الرجال ضخام الجثة فعقله صغير يستوعب الأشياء ببطء وينسى بسرعة، أكثر شيء عالق بذاكرته هو حلم مداعبة الأرانب والاعتناء بالدجاج في مزرعته المستقبلية.

لا يستوعب ليني كم هو قوي جسديًا، فهذا هو سبب عمله في المزارع. فقال عنه جورج لمالك المزرعة الجديدة:


” لم أقل بأنه نابه أو ذكي.. كلا إنه ليس كذلك، لكنه في العمل لا يُبارى، وليس له منافس.. إنه يحمل مائتي كيلوغرام ولا يبالي”.

فهذا ما يخطر على بال الآخرين حين يروه، رجلًا ضخمًا صنديدًا يتحمل أي عمل يُوكَّل إليه. وفي مقابل صلابته الظاهرة، يشعر ليني بالأمان عند لمس الأشياء الناعمة والبحث عنها، ربما مجازًا للبحث عن حياة أسهل من قسوة حياة المزارعين، لكن حبه هذا سبب له ولجورج الكثير من المتاعب، بداية من هروبهما من المزرعة السابقة بسبب محاولته لمس فستان فتاة ما لأنه ناعم، وذُعر الفتاة بالطبع لاعتقادها أنه يود الاعتداء عليها واستنجادها برجال المزرعة الذين لاحقوهم وكادوا يقتلوهم.

ومن ثم قتله للفئران التي يحب الاحتفاظ بها في جيبه حتى يُربت عليها وانتهاءً بقتله لزوجة مالك المزرعة الجديدة لإسكاتها بعد أن أمسك شعرها بقسوة.

على مدار الرواية يُوصف ليني إما بحيوانات مباشرة كـ “الدب” أو بتصرفات يقوم بها الحيوانات فقط كـشربه للماء بلسانه مثل الحصان، واتباعه لأوامر جورج كالكلب الوفي لصاحبه، وعدم استيعابه لمسألة الطبقات الاجتماعية والعنصرية التي كانت ظاهرة وقتها فيذهب إلى السائس -الذي خاف وقت أن رآه- ذو البشرة الداكنة ليتحدث معه.

حين ذهب جورج وليني إلى المزرعة الجديدة قابلا رجلًا عجوزًا ذا يد واحدة يُسمى كاندي ولديه كلب عجوز سيئ الرائحة، لم يتحمله كارلسون، إحدى عمال المزرعة، ورأى أنه طالما ليس له فائدة فالأفضل قتله، وأقنع كاندي قائلًا:


“إن الحياة بمثابة تعذيب لهذا الحيوان. إن إبقاءك على حياته لا يعني أنك تحسن إليه”.

وبالفعل اقتاده خارجًا وأطلق عليه النار. وللأسف الشديد تنطبق العبارة الماضية على ليني أيضًا، ويتعين على جورج اتخاذ قرار مماثل لقرار كاندي لكن كان أكثر قسوة وصعوبة لأنه يتعلق بحياة إنسان بريء يعيش على الأمل، لكن نقصه البشري يتعارض مع تطلعاته ويصبح الأفضل له وللآخرين إنهاء حياته.

اقرأ أيضًا:

  • اللؤلؤة رواية للكاتب جون شتاينبك: الجشع والطمع كمصدر لكل الشرور
  • عناقيد الغضب رواية للكاتب جون شتاينبك عن تحطم الحلم الأمريكي


جون كوفي في رواية الميل الأخضر للكاتب ستيفن كينج

الرجال ضخام الجثة في الروايات الأدبية

تمثيل الرجال ضخام الجثة في رواية الميل الأخضر للكاتب ستيفن كينج

تدور أحداث رواية الميل الأخضر (المُعنونة باسم اللحظة الأخيرة في الترجمة العربية) حول عنابر المحكوم عليها بالإعدام من خلال رؤية الحارس بول إيدجكومب الذي يتولى عملية الإعدام بنفسه، ويذكر الكثير ممن مروا عليهم وأهمهم جون كوفي الرجل الضخم ذي البشرة الداكنة الذي جاء في تهمة قتل واغتصاب طفلتين، لكن تظهر الحقيقة وتظهر المعجزة لتثبت عكس ذلك.

في أول لقاء بين الحارس بول وجون كوفي قال عنه بول:


“إنه أضخم رجل رأيته في حياتي”.

لدرجة أنه سأله إن كان سيسبب له المتاعب فحرك جون رأسه يمينًا ويسارًا. وسأل بول إن كان يمكن ترك الإضاء موجودة في الليل لأنه يخاف من الظلام -كالأطفال الصغار- ثم أخبره أنه حاول المساعدة لكن الوقت كان قد فات، ثم تركه بول غير مُدرك لما يقوله.

وبعد إحدى المشكلات داخل العنابر مع المساجين الجدد وتألم بول بسبب مرض في المثانة يناديه جون وبشكل سحري يضع يده على موضع الألم ويشفيه ثم يخرج المرض من فمه، فجون على عكس ما اتُهم به من زهق حيوات، هو يملك معجزة الشفاء، وعندما قُبض عليه وبحوزته جثتا الفتاتين، كان يحاول إنقاذهما لكنه لم يستطع.

جون لم يكن يشفي المرضى فقط ولكنه يشعر بآلامهم أيضًا حتى وإن لم يكونوا معه بنفس الغرفة، فحين أُعدم (ديلاكروا) تألم جون لدرجة أنه أفسد مصابيح الميل. وحين قابل بول أخبره أن ديلاكروا كان محظوظًا لأنه مات، مهما كانت الطريقة.

أصول معجزة جون لم تُفسر، مُنح كوفي القدرة على قراءة العقول وشفاء الآخرين. من غير الواضح كيف تعمل هذه القوى أو لماذا كان هو خصيصًا متلقيًا لها، لكن جون لا يقلق بشأن هذه الأشياء، هو فقط يتبع غرائزه ويستخدمها عندما يكون الناس مرضى أو يتألمون حتى بدون أن يطلبوا ذلك، فهو يشعر ويرى كل شيء من حوله، فحين أخرجه بول من الزنزانة لمساعدة زوجة رئيسه، علم جون بمفرده أنه ذاهب لمساعدة سيدة. وبالفعل ساعدها، وساعد نفسه أيضًا بشكل ما حين جعل الأشرار يتلقون عقابهم، حتى وإن لم يثبت هذا برائته.

حمل جون صراعات وأحزان كل فرد يقابله على عاتقه كما لو كانت خاصة به، وكان منهكًا جدًا من الأوجاع التي يتسبب بها البشر لأخوانهم بدافع الحب، لدرجة أن رحلة إلى الكرسي الكهربائي بدت له وكأنها راحة.


سعيد جونكر في رواية قاف قاتل سين سعيد للكاتب عبد الله البصيص

تمثيل الرجال ضخام الجثة في رواية قاف قاتل سين سعيد للكاتب عبد الله البصيص

تمثيل الرجال ضخام الجثة في رواية قاف قاتل سين سعيد للكاتب عبد الله البصيص

تدور أحداث رواية قاف قاتل سين سعيد حول المحقق ماجد الذي يعيد فتح قضية اختفاء المراهق (سعيد جونكر) بعد 21 عامًا من إغلاقها بدون أي نتيجة مُرضية مع وجود اثنين فقط مشتبه بهما وكليهما ثبتت براءتهما، ومع ذلك يُصر على إعادة التحقيق بالرغم أنه لم يكن يملك وقتها أي دليل قد يبرر ولعه بالقضية، ليُفاجأ ماجد بما يجده وبمدى قُربه من هذه الحادثة.

سعيد جونكر مراهق ضخم الجثة، وغير اجتماعي، وتم تسميته “جونكر” نسبة إلى شخصية في كارتون غزاة من الفضاء وهو إنسان آلي عملاق يدافع عن الكرة الأرضية. لا يهتم سعيد بشيء سوى أخيه والعصافير، وبالرغم من هيئته المخيفة إلا أنه حين يصرخ أحد في وجهه يخاف ويهرب إلا إذا حاول أحد إيذاء العصافير والحيوانات عامة أو أحد أصدقائه فهو مستعد أن يتحول إلى وحش كاسر وقتها.

وصفه فهد -أحد المشتبهين في اختفائه- وتتبع الرواية مشاهدة ماجد لتسجيلاته عما حدث لسعيد:


“بدا لي جسده لحظتها ماردًا متمرسًا في الإيلام”.

لكنه ما أن تعرف عليه اكتشف العكس تمامًا وأصبح يعطف عليه ويجالسه هو وأخيه حين لا يراه الأطفال الآخرين. ومن حُب فهد لسعيد وإيمانه بأنه ملاك يستحق أن يعيش في مكان أفضل، فسر مشهد اختفاء سعيد الذي كان حاضرًا فيه بتفسير يليق بنظرته لسعيد:


“رأيتُ سعيد يرتفع إلى السماء. تحرّر من الجاذبية بطريقة سهلة كأنه معتاد عليها”.

لكن بالطبع هذه ليست الحقيقة، والحقيقة أن سعيد تعرض لجريمة قاسية، فقط بسبب مظهره غير المألوف.

يمكن القول، إن الثلاث روايات يدورون في نفس النمط في تمثيل الرجال ضخام الجثة وإن كان أساس الإلهام هو الرواية الأولى فئران ورجال، وتبعها ستيفن كينج بروايته العظيمة التي أضافت أبعاد أخرى لشخصية تشبه ليني بحد كبير، لنأتي في النهاية إلى الرواية الثالثة والتي كانت بمثابة تحية إلى الروايتين السابقتين، فلا يمكن إنكار التشابه بين الشخصيات وحتى نهايتها، لكن كل كاتب وضع تلك التركيبة في السياق الزماني والمكاني الذي يتوافق مع رؤيته وقدم لنا شخصيات روائية لا تُنسى.

اقرأ أيضًا:

  • وفقًا لسيجموند فرويد: تحليل شخصية سعيد مهران بطل رواية اللص والكلاب

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة