الديكاميرون لكاتبها بوكاشيو: عندما وصلت سفينة الموت الأسود إلى شواطئ إيطاليا!

الديكاميرون
آلاء عمارة
آلاء عمارة

12 د

بما أنك دخلت لتقرأ المقال، فأنت مهتم بأمر تلك الرواية، وقد يتبادر لذهنك أن هذه الرواية تمت بصلة ما أو بأخرى لدولة الكاميرون الموجودة في غرب أفريقيا. أتفق معك يا صديقي فقد خمنت ذلك عندما رشح لي أحدهم هذه الرواية لأقرأها، لكني فوجئت بأنها تأخذني لمكان بعيد، خارج القارة الأفريقية بأكملها، في زمان غير الزمان ومكان شهد واحدة من أعرق وأقوى الحضارات، إنها “الحضارة الرومانية”. سآخذك للوراء بآلتي الزمنية، سنتخطى حاجز الزمان الذي يعيقنا عن الماضي الأصيل، وإذا لم تكن أحد ساكني أوروبا مثلي، ستتحرك بعدها مستخدمًا إحدى السفن أو ربما العربات حتى تصل لهناك، لتشهد معي أثر وباء الطاعون على ميلاد رواية “الديكاميرون” التحفة الأدبية البديعة لكاتبها “بوكاشيو”.. هل أنت مستعد؟ هيا بنا.

نرشح لك قراءة: الموت الأسود: الوباء الأشد فتكاً بتاريخ البشرية

الديكاميرون

غلاف الطبعة العربية من رواية “الديكاميرون” بترجمة صالح علماني.
غلاف الطبعة العربية من رواية “الديكاميرون” بترجمة صالح علماني.

الديكاميرون: رواية الموت الأسود

منذ زمن بعيد، تحديدًا عام 1313م، في مدينة فلورنسا التابعة لإيطاليا ولد “جيوفاني بوكاشيو” لأب يدعى “بوكاشيو دي شيللينو” وأم مجهولة، وتربى جيوفاني في بيت أبيه الذي تزوج لاحقًا من سيدة تُدعى “مرغريتا دي ماردوني” وراحت تحبب الطفل جيوفاني في الأدب، حتى أصبح شغوفًا به، وهذا ما ساعده ليصبح الأديب الكبير الكاتب للرواية التي بين أيدينا الآن. أراد والده أن يصبح جيوفاني تاجرًا، لكنه لم يجد نفسه في التجارة، وراح ينمي مهاراته الأدبية في بلاط نابولي وهناك تعرف على “ماريا دي أكينو” -وهي ابنة غير شرعية للملك نابولي- وأحبها كثيرًا حتى أنه عبر عن حبه لها خلال كتاباته وأطلق عليها اسمًا مستعارًا وهو “فياميتا”.

ذو صلة
الأديب الإيطالي "جيوفاني بوكاشيو".

الأديب الإيطالي “جيوفاني بوكاشيو” مؤلف رواية “الديكاميرون”.
الأديب الإيطالي “جيوفاني بوكاشيو” مؤلف رواية “الديكاميرون”.

تُوفي والد جيوفاني عام 1349م، تاركًا عائلته في ضائقة مالية، لكن في ذلك الوقت كان جيوفاني أحد أشهر الأدباء وتولى بعدها العديد من المهام الدبلوماسية، وانتقل إلى أفينيون وبين عامي 1354 و1356م، تولى منصب سفير في بلاط البابا أنوسنسيو السادس والبابا أوربانو الخامس، وبالرغم من أنَّ مهامه كانت كثيرة إلا أنه لم يتخل عن شغفه الأدبي، وأنتج الكثير من الأعمال القيّمة، وبعد عام 1363م قرر اعتزال الحياة العامة، لينعم بالهدوء والسكينة في منزله في شرتالدو، وقرر تكريس سنواته الأخيرة في التأمل الديني، واكتفى -بجانب تأملاته الدينية- بتعينه كمحاضر متخصص بأعمال الأديب الرائع “دانتي” مؤلف رواية “الكوميديا الإلهية” لكنه توقف عن المحاضرات بعد ذلك بعامٍ واحد فقط، بسبب مرضه، وفارق الحياة في 21 من شهر ديسمبر عام 1375م.

وعن حبه للأدب يقول “بوكاشيو”:


“أما فيما يخصني فأقول إن الطبيعة قد مالت بي، مذ كنت في بطن أمي، إلى التأملات الشعرية، وهو ما يدفعني إلى التقدير بأنني ولدت من أجل الأدب وحسب”.

راح “بوكاشيو” عن عالمنا، لكن يموت الإنسان ويبقى أثره، سنجد “بوكاشيو” حيًا في كل رواية من أعماله، وستتتعجب إذا أخبرتك بأنك ستجده في كل رواية معاصرة! أجل، فقد استطاع “بوكاشيو” أن يضع أساسًا لفن السرد القصصي من خلال رواياته، خاصة رواية “الديكاميرون”، لتكون إيطاليا مهدًا لفن السرد القصصي الموجود اليوم، والذي يتبعه الأدباء في كتاباتهم وإن اجتهدوا في تطويره وإضافة لمساتهم الخاصة.

نرشح لك قراءة: إغاثة الأمة بكشف الغمة: كتاب المقريزي عن تاريخ مصر مع المجاعات والأوبئة


الديكاميرون عن قرب

قبل الذهاب لجولتنا داخل الديكاميرون، دعني أوضح لك معنى وسبب إطلاق هذا الاسم على الرواية. “الديكاميرون” كلمة أصلها يوناني وتنقسم إلى مقطعين وهما: (ديكا بمعنى رقم 10، وهييميرا بمعنى يوم) أي أن الديكاميرون يعني “الأيام العشرة” وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى الأيام العشرة التي دارت فيها أهم أحداث الرواية، فخلال هذه الأيام العشرة يروي لنا “بوكاشيو” 100 قصة على ألسنة عشرة شباب منهم سبع نساء وثلاثة رجال.

لاحظ “بوكاشيو” أنَّ النساء محرومات من العديد من وسائل الترفيه والتسلية المتاحة للرجال، أو أنه أراد الاعتذار منهن بسبب ما وجهه إليهن من إهانات في كتاب “كورباشيو” فراح مصوبًا تركيزه عليهن في روايته الديكاميرون من خلال مجموعة من القصص رواها على ألسنة شخصياته العشرة خلال الأيام العشرة.

وتدور أحداث الرواية في القرن الرابع عشر الميلادي، أجل إنها الحقبة التاريخية التي غزا الطاعون خلالها أوربا، ويستفتح الكاتب روايته بوصف وباء الطاعون وحالة الهلع الشديدة التي انتشرت وقتها، فقد كُتبت الرواية في عام 1348م، أثناء ذروة الوباء عندما تمكن الطاعون الأسود من معظم بيوت فلورنسا، حيث “الحياة تنفلت هاربة، ولا تنتظر ساعة واحدة” – كما يقول بتراركا في مطلع سوناتا- وبالرغم من كونه وباء، إلا أنه عادل! لا تتعجب يا صديقي..سمعت من قبل مثلًا يقول أنَّ المساواة في الظلم عدل! وقد تبنى الطاعون هذا المبدأ وعاث خرابًا في البيوت، وكأنه وحش يلتهم كل من يمر أمامه، فقتل الغني والفقير وقتل الشاب والمسن حتى الأطفال لم يسلموا منه، ولم يشفق عليهم وأخذهم من أحضان آبائهم.

كان وباء الطاعون بمثابة الطوفان، وفي الطوفان يقول المرء: “نفسي.. نفسي”، فستجد أنه من الطبيعي أن يستغنى الخادم عن سيده ولا يخدمه إذا صحت إصابته بالطاعون، ولا تتعجب من هجر الأهالي لأبنائهم وأقربائهم عندما يعلمون بإصابتهم بوباء الطاعون! ولا بأس من مغادرة الكثير من سكان المدينة، تاركين أملاكهم، هاربين من الموت المستيقظ آناء الليل وأطراف النهار، ساحبًا الأرواح من أجسادها الفانية، حتى أصبحت المقابر جماعية وليست فردية أو حتی عائلية، فتُرمى الجثث فوق بعضها البعض، ويتلو رجال الدين الصلاوات، ثم يذهبون لاستكمال حياتهم، ولم يكن العجز مقتصرًا في المقابر فحسب، بل أيضًا في النعوش المستخدمة يوميًا، فقد يُحمل في النعش الواحد فردين!


“بالنظر إلى تزايد أعداد الجثث التي كانت تنقل كل يوم، بل كل ساعة إلى الكنائس، فإن المقابر لم تعد تتسع لدفنهم […] حُفرت قبور جماعية كبيرة جدًا، لدفن مئات الموتى الذين يؤتى بهم؛ وكانت الجثث تنضد فيها متراصة كنت تنضد البضائع”.

وكانت أبرز أعراض الطاعون دمامل تحت الإبط تشبه حبة اللوز في شكلها، وتساوي البيضة في حجمها، بمجرد ظهور هذه الدمامل، يعرف المسكين المصاب بأنَّ الموت محلق حوله، واضعًا إياه في مقدمة قائمته الطويلة، ويا أسفاه على حال المسكين الجالس في حسرة منتظرًا دوره في القائمة، فاقدًا الأمل في ما قد يقدمه الأطباء العاجزون أمام الطاعون.. هذا الوباء القوي الفتاك.


“كانت أسمال رجل بائس، مات بالداء قبل قليل، ملقاة في الطريق العام، واقترب منها خنزيران يتشممان، ومزقاها بأسنانهما مثلما هي عادة الخنازير، وبعد قليل، بعد بعض التشنجات، كما لو أنهما تناولت سمًا، سقطا أرضًا، ميتين فوق تلك الأسمال الممزقة”.

وبعد وصف الكاتب لحالة العالم من حوله، يبدأ في اختيار شخصيات الرواية ليسرد لنا أحد روائع الأدب والتي استند عليها الأدب المعاصر، فاختار عشرة شباب من بينهم سبع بنات فائقات الجمال من أصول نبيلة، تتراوح أعمارهن ما بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، وثلاثة رجال شباب لا يقل عمر أصغرهم عن خمسة وعشرين عامًا، يلتقون صدفة في كنيسة سانتا ماريا الجديدة.

وتبدأ أحداث الرواية في ساعات الصباح الباكرة عندما جاءت الفتيات لأداء صلاوات الموتى في الكنيسة وتجاذبن أطراف الحديث عن همومهن، وما يعانين منه بسبب فقدان الأهل، فتقترح أكبرهن “بامبينيا” أن يذهبن لقضاء أوقات مرحة في الريف بعيدًا عن صخب المدينة وأهوالها، ويوافقنها إلا فتاة متزنة تسمى “فيلومينا” التي لفتت أنظارهن أنه لا يجوز أن يخرجن للطريق دون استشارة من الرجال، وإذا بثلاثة رجال (بانفيليو وفيلوستراتو وديونيو) يدخلوا الكنيسة صدفةً، فتعرض عليهن الفتيات أن يدهبوا معهن إلى الريف ويقضون أوقات سعيدة ويمرحون ويغنون ويخرجون من عالم الطاعون من أجل الاستمتاع بالحياة لفترة قصيرة، ووافق الرجال على عرضهم.

وفي صباح يوم الأربعاء يتحرك الموكب حاملًا الفتيات والرجال والخدم في حالة من الفرح والسرور، حتى وصلوا للريف، فتتعالى الضحكات ويعم المرح المكان، ويبحثوا عن كل وسائل التسلية ليقوموا بها، فيغنون ويرقصون ويلهون ويُصنّعوا تيجان من الأزهار، واتفقوا على أن ينصبوا ملكة أو ملك كل يوم عليهم بالتناوب حتى يحفظ النظام وتُدار أيامهم السعيدة بشكلٍ منظمٍ، وعلى الملكة أو الملك أن يحددوا نظام اليوم.

واختاروا “بامبينيا” كملكة لليوم الأول، فأشارت عليهم بأن يروا القصص كل يوم في النهار حول موضوع محدد، إلا أنها تركت اليوم الأول ليحكي كل منهم ما يروقه من القصص في أي موضوع، فيجتمعون في وقتٍ محددٍ من النهار في دائرة ويقصون القصص المسلية، وهنا يحقق الكاتب مبتغاه في روي القصص التي يبلغ عددها مائة قصة خلال عشرة أيام.

ويأخذنا الكاتب في رواية الديكاميرون بعيدًا عن الأهوال والرعب إلى عالم آخر مليء بالقصص التي تحمل في مغزاها رسالة ما، ويبدع “بوكاشيو” في السرد، الذي يُبعد عن ذهن القارئ جرعة الرعب التي أعطاه إياها في بادئ الرواية عندما صور حال البلاد بعد غزو الطاعون، فيأخذه رويدًا.. رويدًا إلى الكنيسة ويهيئ المشهد لالتقاء الشباب والفتيات، ومن ثم يأخذهم في جولة في الأرياف بعيدًا عن الموت المترصد، ثم يهيأهم لسرد قصصه على ألسنتهم.

ويسبح القارئ في هذه القصص الكثيرة التي تتيح لعقل القارئ أن يفكر في عدة إتجاهات ويستخرج من القصة عدة مغازي، حتى إن “بوكاشيو” لم يعلق على أي قصة من القصص المائة حتى يوضح للقارئ المغزى المقصود منها، وإنما استمر في السرد دون شرح، وكأنه يجبر القارئ على التفكر ومشاركة الكاتب، فتشعر يا صديقي القارئ كما لو أنَّ “بوكاشيو” حي يرزق يخاطبك في قصصه وبعد كل قصة يقول لك، تفكر قبل أن تكمل ما بعدها، ولكنه يتوقف بعد اليوم الثالث ويتحدث بشكل شخصي ردًا على من يظنون أنه أورد بعض الأمور الغير شريفة في قصصه بخبث منه، وبعدما أوضح ما أراد سلم للشخصيات زمام الحوار من جديد.

ولا شك في أنه لم يفت “بوكاشيو” توضيح السمات الشخصية للشخصيات المحورية في الرواية، حتى أنه قد استخدم شخصيات حقيقية، فمثلًا هناك أربعة شخصيات من السيدات عرفهن الكاتب في حياته وهن: “بامبينيا” هي في الأصل فتاة من نوبالي أحبها “بوكاشيو” من قبل، و”فياميتا” هي حبيبة “بوكاشيو” التي هام بها، وكذلك “إيميليا” هي سيدة من فلورنسا قضى معها الكاتب أوقات لا تُنسى، و”إليسا” هي شخصية حقيقية أيضًا كانت محور أحد الأعمال الشعرية الكبرى لـ “بوكاشيو” وكان هذا العمل “رؤية غرامية”.

نرشح لك قراءة: كيف انتهت أبرز الأوبئة التي هددت البشرية عبر التاريخ


قصص الديكاميرون العشرة

الطاعون - رواية الديكاميرون.

صورة للشباب والفتيات أثناء إلقاء القصص العشرة من رواية الديكاميرون.

اليوم الأول: وفيه نصبت “بامبينيا” ملكة عليهم، وتركت لهم حرية اختيار القصص، لكن أغلب القصص -إن لم تكن كلها- تدور حول الكهنة وحياة البرجوازيين في ذلك الوقت، وكيف أنَّ رجال الدين لم يحافظوا على حياة الكاهن المتقشف في ذلك الوقت، وكان حياديًا في قصة صلاح الدين، عندما رمز إلى الديانات السماوية بثلاث خواتم، ولم يظهر أيهم الأصوب.

اليوم الثاني: وكانت ملكته هي “فيلومينا” وحددت أن تدور أحداث القصص حول الأمل فيعيش أبطال القصص في ظروف صعبة ولكن يُفتح أمامهم باب الأمل في نهاية القصة وتنتهي بنهاية سعيدة، وتتميز قصص ذلك اليوم بالبهجة ويضم هذا اليوم أيضًا قصص مغامرات.

اليوم الثالث: وملكة ذلك اليوم هي “نيفيلي” واقترحت أن تدور أحداث القصص حول من استطاعوا الحصول على بغيتهم بالحيلة والذكاء، ولكن قصص ذلك اليوم كانت تضم بعض التصرفات الغير سوية لأبطالها حتى أنَّ المؤلف توقف بعد اليوم الثالث وتحدث بشخصه موضحًا سلامة نيته للقراء الوهميين الذين يقرأون القصص بخبث.

اليوم الرابع: وكان ملك ذلك اليوم هو “فيلوستراتو” الذي اقتراح أن تكون موضوعات القصص غرامية ولكنها تنتهي بنهايات مأساوية، فتجد إحدى القصص التي يعطي الأب فيها ابنته كأسًا فيه قلب حبيبها فتضع بعض السم في الكأس وتشربه، وغيرها من القصص الحزينة التي تمس قلوب العاشقين الفاقدين لعُشَّاقهم.

اليوم الخامس: وملكته هي “فياميتا” وأرادت أن تُخرِج المستمعين من حالة الحزن التي تسببت فيها قصص اليوم السابق، فتقترح قصص غرامية يمر أبطالها بمحن وصعوبات كثيرة، وتنتهي باجتماع الحبيبين أخيرًا والعيش في سعادة وأمان.

اليوم السادس: وكانت بطلته “إليسا” والتي اقترحت أن يقدموا قصصًا حول نجاة الأشخاص الذين ينجون من مأزق عندما يعطون أجوبة ذكية بسرعة بديهة، وهنا يبدع “بوكاشيو” في السرد بلغة فصيحة تدل على مدى تمكنه من اللغة، ذاكرًا بعض الأجوبة العبقرية لأناس خُلدوا في التاريخ بسبب أجوبتهم الذكية.

اليوم السابع: وتولى فيه “ديونيو” منصب الملك الذي اقترح أن تدور موضوعات القصص حول الحيل والمكائد للنساء اللواتي يخدعن أزواجهن، وسنجد أن هذه القصص في الغالب أقرب إلى القصص الإيروتيكية.

اليوم الثامن: وكانت ملكته هي “لوريتا” وفي هذا اليوم تقترح الملكة أن تدور موضوعات القصص عن أشخاص يتعرضون للخداع، فيستعرض الرواة بعض القصص المسلية مثل قصة كلاندرينو، الذي صدق قصة الحجر السحري الذي يجعل حامله مختفٍ عن الأنظار.

اليوم التاسع: وملكة هذا اليوم هي “إيلينا” التي تُطلق للرواة العنان في اختيار موضوعات القصص التي يودون سردها، فتُسرد قصص متنوعة بعضها ساخر وبعضها خيالي.

اليوم العاشر: ويأتي اليوم الأخير، وكان الملك “بانفيلو” ويقترح الملك سرد قصص حول من يستطيع تحقيق إنجاز شخصي له بالشهامة والمروءة، سواء كان هذا الإنجاز في الحياة الشخصية أو الحب أو غيرهم، فيعود الكاتب إلى القصص المهذبة، والشخصيات الحميدة، ليختم بها قصصه.

وهنا ينتهي الشباب من سرد قصصهم، ويستعدوا للعودة إلى فلورنسا من جديد، بعدما قضوا أوقات سعيدة، استطاعوا خلالها أن يتخلصوا من الطاقة السلبية التي تسبب فيها الطاعون، وبذلك استطاع “بوكاشيو” أن يلخص القصص بدقة وبراعة فاستطاع أن يضفي لها الطابع الواقعي ليحافظ على الفن البرجوازي. وعندما أنهى “بوكاشيو” اليوم الأخير، شكر الرب، واعتذر للقراء بسبب ما أورده في قصصه من التصرفات الغير شريفة لأبطال القصص، مثلما أوضح في مقدمة اليوم الرابع، وأعطى ردودًا منطقية لمنتقديه، وغالبًا هذه عادة كتَّاب الأدب البرجوازي وهي تقديم اعتذار في نهاية الرواية.

نرشح لك قراءة: اقتصاد كورونا: دليل مرئي للتأثير الاقتصادي وسيناريوهات ما بعد الأزمة!


تعليق لا بد منه

استطاع “بوكاشيو” ببراعة أن يستند في رواية “الديكاميرون” على واقعٍ ملموس عندما ذكر اجتياح وباء الطاعون في المدينة، وبذلك كان الوباء سببًا في خروج الشباب العشرة إلى الريف ورواية القصص المائة، وهذا يدل على براعة “بوكاشيو” وحسن استغلاله للظروف الواقعية حوله، وتحويلها إلى رواية رائعة مثل الديكاميرون.

تعرضت الرواية للكثير من الانتقادات واتُهمت بأنها تعرض أمورًا غير أخلاقية ولا تستحق القراءة، وهذا أمر طبيعي، لكن القارئ المتنور سيتفهم أن هذه القصص تعود إلى القصص الإيروتيكي الساخرة.

كما أوضحت في المقال أنَّ الكاتب لم يتوقف عند أي قصة ليوضح المغزى منها، ولكنه أرسل إلينا رسالة من الرواية بأكملها، فدعانا الكاتب البارع إلى الاستمتاع بالحياة مهما كانت الظروف حولنا قاسية حتى في ظل تفشي وباء الطاعون، فإذا كنت تنعم يا صديقي ببعض الوقت على هذا الكوكب، ولم يأتك الموت بعد، فلمَ لا تتمتع بهذا الوقت الثمين؟ امرح يا صديقي، ولا تدع جانبًا مظلمًا من حياتك يُبعد ناظريك عن الجوانب المضيئة الأخرى، وإن وجدت ضوءً خفيفًا قادمًا من بعيد، ويسود حياتك الظلام، هرول إلى النور، واترك الظلام، فكر بعقل بامبينيا وابحث عن السعادة والمرح طالما أنك على قيد الحياة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات