لا علاقة للنجوم بالأمر … لماذا سيكون مواليد برج الحوت الأكثر حظًا هذا العام؟

الأبراج
آلاء عمارة
آلاء عمارة

8 د

يروي الكاتب والصحفي المصري الراحل "أنيس منصور" في كتابه "دعوة للابتسام" عن عرض صديقه الكاتب الساخر "أحمد رجب" بترجمة "حظك اليوم" بناءً على توقعات الأبراج لمجلة "الجيل". وحينما كان يراجعها أنيس، يلاحظ أنّ الحديث في أحد الأبراج مُوجه لشخص ما بعينه. نعم، لقد كان لدى رجب حبيبة تهتم بقراءة توقعات الأبراج، وكان يغازلها من خلالها. فما كان من أنيس إلا أن كتب في إحدى المرات لهذا البرج: "نصيحة لا تتزوجي رجلًا اسمه أحمد، يرتدي قميصًا أحمر، ويمشي مفتوح الصدر في بلاج سيدي بشر!". وهناك بقية للقصة، سنستكملها بعد قليل، لكن قبل ذلك، لماذا يقولون إنّ برج الحوت هو الأكثر حظًا هذا العام؟ أو العذراء البرج الأقل حظًا؟


كذب المنجمون ولو صدقوا

هناك فرق بين علم الفلك والتنجيم، فالأول هو الذي يدرس الكواكب والنجوم والكون عمومًا، والأخير هو ذلك الذي يربط بين مواقع النجوم أو الكواكب ومزاج المرء، وحياته حسب تاريخ الميلاد، والأدهى أنه يقدم معلومات ونصائح لمواجهة ما يمكن أن يحدث له في المستقبل بناءً على هذه التوقعات. ويرى بعض الناس أنّ الأبراج والتنجيم علم لا بد من الاهتمام به، حتى إنّ الملوك والسلاطين كانوا يقربون المنجمين إليهم ويستشيرونهم قبل الذهاب للمعارك والحروب

الأبراج

من ناحية أخرى، يرى العلم أنّ مسألة التنجيم مجرد هراء ولا داعٍ لإعطائها أكبر من حجمها، كذلك معظم العامة الذين يؤمنون بأنّ التنجيم تابو، أي أمر محرم، ولا يجب الاعتراف به لأسباب متعددة، قد تكون دينية أو علمية أو فكرية، ويرفعون شعار: "كذب المنجمون ولو صدقوا". لكن أي الفريقين محق؟ حسنًا، لأوضح بعض المواقف التي قد تحدث نتيجة حركة الأجرام السماوية. تابع الأوضاع التالية جيدًا.. 

تتحرك الأرض حول الشمس، ونتيجة لذلك، تمر الأرض بأربعة مواسم، وعندما يأتي وقت الصيف، ويزداد توهج الشمس، تصدر أشعة كهرومغناطيسية من الشمس، فتتعطل الأقمار الصناعية، ويحدث انقطاع في التيار الكهربائي، ما يؤثر على معيشتنا، فالكهرباء جزء لا يتجزأ من حياة البشر الآن. فضلًا عن ذلك، إننا نعتمد على أشعة الشمس في الحصول على الطاقة الشمسية أصلًا، وهذا اتجاه العديد من الدول في عصرنا هذا، أي استخدام طاقة متجددة. وبما أنّ القمر يتحرك حول الأرض، فإنّ تغيير موقعه يؤثر على حركتي المَدّ والجزر في المحيطات، وبالتالي توزيع الأحياء البحرية. فإذا كنت صيادًا، ستتأثر معيشتك بحركة القمر هذه. 

ذو صلة

نخلص من ذلك إلى أنه لحركة الأجسام السماوية دور في حياتنا حقًا، وهذا صحيح علميًا، ولكن تندرج هذه الحالات تحت تنورة الطقس. أما عن علم التنجيم، فهو يشير إلى أنّ تحرك الأجرام السماوية يؤثر على حياة وشخصية الإنسان وفقًا لتاريخ ميلاده. وهذا ما أشارت إليه دراسة، أجراها "بيتر هارتمان" وآخرون، ونُشرت عام 2005 في مجلة "Personality and Individual Differences"، شارك في الدراسة ما يزيد عن 4 آلاف شخص، لملاحظة معدل الذكاء والسمات الشخصية وعلاقتهم بتاريخ الميلاد. وخلصت الدراسة إلى أنه لا يوجد أي ارتباط بينهما. وقبل نشر تلك الدراسة بنحو 22 عامًا أجرى "شون كارلسون" بحثًا أكد أنه كذب المنجمون ولو صدقوا فعلًا.

عام 1985، نشر دكتور "شون كارلسون" ورقة بحثية مشهورة في مجلة "Nature"، وفيها استدعى 28 منجمًا، وحلل تنبؤاتهم بدقة من خلال عدة تجارب، وخلص إلى أنّ قدرة المنجمين على التنبؤ بالمستقبل ليست أفضل من الصدفة العشوائية. مثلًا، إذا ذهبت إلى منجم ليُخبرك ما إذا كنت ستنجح في الامتحان أو لا، سيكون لديه احتمالان: النجاح أو الفشل. سيعطيك إجابة إما النجاح، فتتفائل وتذهب للمذاكرة بقوة! أو الفشل، فتُحبط ولا تستطيع الاستذكار وتفشل حقًا. وسنتطرق لهذا الجانب الآن. 


أثر الفراشة 

في عام 1963، طرح عالم الأرصاد الجوية "إدوارد نورتون لورنتز" سؤالًا، ألا وهو: "هل يمكن لرفرفة أجنحة فراشة في البرازيل أن تُسبب إعصارًا في تكساس؟"، ربما يبدو السؤال في ظاهره ساخرًا، ولكنه يستحق التأمل. فكر في هذه القصة معي.

فراشة

لنفترض أنّ هناك فراشة جميلة، أجنحتها زرقاء اللون ترفرف في إحدى مدن البرازيل، فحركت بعض نسمات الهواء التي ما لبثت أن انضمت لرياح بسيطة بفعل رفرفة طائر صغير، واجتمعت هذه الرياح اللطيفة، مداعبة ورقة شجرة، فاصطدمت بوجه طائر الغراب الذي حلق منزعجًا بقوة، وانضم إلى بعض الطيور في السماء، وبمرور الوقت ازداد عددهم، فتكونت رياح قوية نسبيًا نتيجة هذا العدد الهائل من الطيور المحلقة. تفرقت الطيور، ومضى كل واحد منهم في طريقه، باحثًا عن رزقه، ولكن تركوا رياحًا تشق طريقها نحو تكساس وبمرور الزمن، تكبر وتكبر، وما إن وصلت هناك صارت إعصارًا قويًا. هذا هو أثر الفراشة مثل الحجر الأول في المعركة، ما إن يسقط، يهم الجنود للحرب والنزاع، والسبب ماذا؟ إنه حجر! 

ما علاقة هذا كله بالمنجمين؟ يمكن لحركة بسيطة غير مقصودة أن تدخل في نظام معقد، ما يتسبب في أزمات صعبة مستقبلًا أو نجاح باهر. مثلًا، إذا أخبرك منجم أنك ستحقق نجاحًا باهرًا وإنجازات عظيمة خلال العام المقبل، ماذا ستفعل؟ هل ستنتظر العام المقبل لتحقيق هذا النجاح؟ بالطبع لا، بل ستنهض لإلقاء الحجر الأول في معركتك وتبدأ في تحضير نفسك، وكل تقدم تحرزه، سيُضاف إلى مكتبة إنجازاتك، ووفقًا لقوانين السبب والنتيجة، ستصل في النهاية إلى نجاحاتك الكبرى. ولكن أنت لم تصل إليها لأنّ المنجم تنبأ بهذا. كلا، بل لأنك عملت واجتهدت وكان كلام المنجم هو رفرفة الفراشة التي حركتك. 

على الصعيد الآخر، إذا قيل لك كلام سلبي، ستُصاب بالإحباط، وتزداد أخطاؤك لعدم تركيزك أو نظرتك التشاؤمية، وتكون النتيجة فشلًا ذريعًا، وعندما تسأل عن سبب هذا الفشل، تقول: "هذه تنبؤات المنجم". (لا يا عزيزي، تلك ليست التنبؤات، والحقيقة أنك فاشل. 😜)


تأثير فورير… الدواء الوهمي 


"أنت شخص ذكي.. فريد من نوعك.. لديك حس فكاهي رائع.. تحب الخير للآخرين.. تكره الكذب.. تساعد الغير.. محبوب.."

هذه الكلمات المعسولة التي تجعل أي شخص يحب كلام المنجمين، فمن ذا الذي لا يهوى المدح؟ حتى إنك تشعر كأن هذه المواصفات مُوجهة خصيصًا لك أنت، والحقيقة أنها موجهة لعدد كبير جدًا من أبناء برجك الفلكي. ومن هنا نشأ مصطلح "فورير" أو "بارنوم"، وتشير هذه الظاهرة إلى الأشخاص الذين يعتقدون أنّ الكلام الذي يُقال عنهم موجه لهم فقط دونًا عن غيرهم، ما يوحي بسذاجتهم. ويستخدم المنجمون هذه المواصفات تحديدًا لأنها حيادية.

التنجيم في بلورة

مَن مِنا ليس ذكيًا؟ نحن الكائنات الذكية أصلًا. وكل شخص فريد من نوعه حقًا، أجل أنت فريد، لديك بصمة إصبع لا يمتلكها غيرك في الكون! وحس الفكاهة موجود عند معظم البشر -إن لم يكن كلهم- لتخفيف وطأة الحياة وصعوبتها، الضحك والفكاهة مطلوبان. وطبيعة النفس البشرية أنها تحب الخير، هذه فطرة، دعك من المرضى النفسيين الذين يتغذون على أذية الناس. والكذب صفة مكروهة، وكل منا لديه شخص ما يحبه في هذه الحياة، قد يكون أبًا أو أمًا أو إخوة أو أصدقاء… إلخ. 

لا يتجرأ المنجمون على قول صفات مثل: لديك قدرات خارقة، أنت عبقري، أنت مجرم، أنت غبي.. إلخ. تلك الصفات مبالغ فيها، أي أنها لا تُقال لأي شخص، وليست حيادية مثل الأخرى التي يطرب آذانك بها المنجم. 


كل متوقع آتٍ 

هل سمعت من قبل بـ "رهاب الرقم 13 والجمعة الثالثة عشر"؟ حسنًا، يبدو الرَّقَم 13 مزعجًا لكثير من الناس، بل هو رقم مشؤوم حقًا بالنسبة إليهم، لدرجة أنهم يرفضون الجلوس في الطابق الثالث عشر أو الجلوس في الصف الحامل لرقم 13، ويا لها من مصيبة إذا توافق يوم 13 في الشهر مع يوم الجمعة! وبسبب هذا التشاؤم، حدثت الكثير من المواقف السلبية، أبرزها رحلة أبولو 13 التي فشلت، وأرجع الناس هذا الفشل إلى قرار ناسا بعدم تغيير اسم الرحلة وتغير رقم 13، والأدهى، أنّ هناك أناس لا يخرجون من بيوتهم في اليوم الموافق لـ 13، فدائمًا ما تحدث مصيبة في مثل هذه الأيام بالنسبة إليهم. 

والحقيقة أنّ المشكلة ليست في الرقم، بقدر الفكرة السلبية التي ترسخت في وجدانهم طوال هذا الوقت، فأنا عشت حياتي دون الاهتمام بهذا الرقم أو كرهه، ولا أتأثر بأي موقف سيئ يحدث في أي يوم وأقول عنه يوم شؤم، بل هي مصادفة، احتمال حدوثها من عدمه متساوية بالنسبة إلي. لكن بالنسبة لغيري، فالأمر عنده يصل إلى درجة اليقين، حتى إنّ أقل شيء يحدث في هذا اليوم، نجده يهول الأمر وكأن مصيبة حقيقية قد حدثت! 


لماذا يهتم الناس بعلم التنجيم؟ 

الأبراج

تتنوع الأسباب التي تدفع الناس للاهتمام بالتنبؤات الفلكية، أبرز هذه الأسباب الفضول، ولكن هناك عوامل أخرى: 


التوتر والخوف من المستقبل 

في ظل الضغوطات الحياتية التي يتعرض لها الإنسان المعاصر، وخاصة في ظل عصر السرعة هذا، فالضغط والتوتر يسيطران عليه دائمًا. حيث يحتاج المرء لشيء ينظم الفوضى التي بداخله، حتى يستقر. هناك مَثل مصري يقول: "وقوع البلاء أفضل من انتظاره"، عندما يكون المرء أمام احتمالية ولو بسيطة لوقوع أمر سيئ، فهو يفضل وقوعه بسرعة حتى يتفرغ منه وينظر للمستقبل بذهن صافٍ، وتشير دراسة منشورة في مجلة "Nature" عام 2016 إلى أنّ الشك في حدوث أمر سلبي، يكون أكثر إرهاقًا من الحدوث الفعلي، لكن إذا عرف بوقوع هذا البلاء قبلها بفترة، قد يستطيع حل المشكلة أو يستعد لها. 

وفي الواقع، لا يقدم المنجمون إجابات حاسمة، لكنهم يلتزمون الكلمات الحيادية -كما ذكرت- ولجوء المرء إليهم، يعطيه إحساسًا بالسيطرة على الموقف. وهذا ما كان يفعله الملوك تمامًا، حيث كانوا يسألون المنجمين قبل الذهاب إلى المعركة للاستعداد. ويُذكر أنّ أحد الملوك قد عاند تحذير المنجم، وذهب للمعركة وانتصر، وسقطت أكذوبة المنجم. 


التعرف على الذات 

عند النظر في طبيعة الأشخاص الذين يهتمون بالأبراج، نجدهم أقل وعيًا من غيرهم، وهذا يوضح عدم درايتهم بأنفسهم جيدًا، ما يجعلهم يلجأون إلى المنجمين الذين يخبروهم ببعض من صفاتهم التي يصدقونها بسذاجة، وهذا هو تأثير فورير الذي ذكرته منذ قليل. والحقيقة أنّ هذا ضعف ثقة بالذات، ليس أكثر. 


صارت ثقافة شعوب وأمم

لا شك في أنّ علم التنجيم قديم، ويزداد عمره عن 5 آلاف سنة، ولكن ازداد انتشاره أكثر في عصرنا هذا، وأصبح الكثير من المشاهير والمؤثرين يتباهون بإيمانهم العميق بالتنجيم والأبراج. فضلًا عن أغلب البرامج التلفزيونية التي تستقبل منجمين في أواخر وبدايات السنوات الميلادية، ليخبروا الناس بحظهم خلال العام. 

كل الأسباب السابقة ليست لتبرير موقف أولئك المهتمين بتوقعات الأبراج الفلكية، ولكنها مجرد توضيح للأسباب النفسية وراء ذلك. 

وأخيرًا.. بطبيعة الحال، لا أصدق الأبراج والتوقعات ولا أهتم بها، الإيمان بالنسبة لشخص مثلي أسمى بكثير من مجرد توقعات أبراج، فحقًا: "كذب المنجمون ولو صدقوا". آه، نسيت استكمال قصة أحمد رجب وأنيس منصور. توقفنا عند مزحة أنيس مع رجب وكتابة هذه العبارة في البرج الخاص بمحبوبة رجب، فما كان من الأخير إلا وأن ذهب للسيد أنيس غاضبًا في اليوم التالي وتشاجرا قليلًا، وتخاصما لبضعة أشهر، وتصالحا في النهاية. وهذا خير دليل على أنّ الأبراج (كلام فاضي). وإذا كنت من برج الحوت وتؤمن بها، ابتسم! أنت الأكثر حظًا. 😜

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة