نرميها في البراكين أو نرسلها إلى الفضاء، هل هذه حلول عملية فعلًا للتخلص من مشكلة النفايات؟

التخلص من النفايات
ضحى نبيل
ضحى نبيل

8 د

مشكلة النفايات هي مشكلة عالمية وتعتبر أحد أهم أسباب ارتفاع نسبة التلوث على الكوكب، إذًا فلم لا نتخلص منها جملةً واحدة كأن نرميها في إحدى البراكين مثلًا لتذوب بفعل الحرارة العالية وتختفي؟ أو أن نقذف بها إلى الفضاء الشاسع ونضعها على القمر مثلًا أو إلى الشمس أو نتركها تسبح في الكون إلى مالا نهاية؟ حسنًا، هي فعلًا حلول مبتكرة وقد تكون خطرت في بال بعضنا من قبل وجعلتنا نتساءل لم لا ينفذها المسؤولون لنحد من نسبة التلوث العالمي؟ لكن بعد أن تعرف أكثر عن خطوات سير مثل تلك الحلول ستجد أن تطبيقها في الواقع قد يتسبب في كارثة تُمثل توابعها ما هو أخطر بكثير من مشكلة النفايات بحد ذاتها!


الوضع سيئ حقًا

نحن سنغرق في قمامتنا حرفيًا إذا بقي الحال على ما هو عليه! حيث تقدر الإحصائيات الزيادة في حجم النفايات المُنتَجة عالميًا بحلول عام 2050 بما يقارب 70% بالمقارنة بعام 2016 أي أنها ستصل لنحو 3.4 مليار طن! بالفعل تتم إعادة تدوير جزء من النفايات لكنها نسبة بسيطة تمثل أقل من 20% من الكمية الكلية كل عام ويتم تجميع ما تبقى في مواقع خاصة في كل بلد وأكبر تلك المواقع يقع في الولايات المتحدة الأمريكية وتحديدًا في لاس فيغاس على مساحة تمتد لما يقرب من 9 كليومترات مربعة وتستقبل يوميًا نحو 9,000 طن من النفايات وتتراكم تلك الكميات يومًا وراء يوم ولا يبدو أنها ستنقص قريبًا!


توزيع أكبر مواقع تجميع النفايات في العالم

توزيع أكبر مواقع تجميع القمامة في العالم

لماذا لا نرميها في البراكين؟

هي تبدو فكرة جيدة؟ لكن أولًا علينا أن نبحث عن بركان نشط لنُسقط النفايات في حممه وهنا تكمن العقبة الأولى حيث أنه لا يوجد براكين نشطة كثيرة حول العالم -من حسن حظنا- فحتى شهر ديسمبر 2021 كان عدد البراكين المُطلِقة للحمم فعليًا في ذلك العام هو 46 بركانًا في أماكن متفرقة من العالم ومعظمها موجود في مواقع بعيدة عن أماكن سكن البشر، وبالتالي فنقل النفايات من مواقع تجميعها لمواقع تلك البراكين سيُكلف الكثير من الوقت والمال.

ذو صلة

ولنفترض أننا وجدنا بركانًا نشطًا قريبًا نسبيًا فليست كل البراكين مرشحة جيدة لتلك العملية فهي تنقسم لعدة أنواع وبركان كـ "تونغا-Tonga" مثلًا، الذي ثار من عدة أيام وتسبب في إحداث تسونامي على السواحل المحيطة به، لن يكون مناسبًا لتلك العملية فهو من البراكين الغائصة في المحيط، كما أن قِمته لن تكون متسعة بالقدر الكافي. ما نبحث عنه هو البركان الدرعي فهو أكبر أنواع البراكين على الأرض كما أنه بطيء الثوران، حيث تتراكم طبقات الحمم البركانية تدريجيًا فوق بعضها البعض على مدار سنين طويلة، ومن أمثلة البراكين الدرعية بركان "ماونا لوا-Mauna Loa" في هاواي و"إرتا الي- Erta ale" في إثيوبيا.

إذا اخترنا أحدها لنلقي فيه القمامة فليكن "إرتا الي"، قد تتوقع أن يبتلعها البركان لتذوب بين حممه في سكون لكن العكس تمامًا هو ما سيحدث! فبالفعل حاول مجموعة من الباحثين في 2002 فعل ذلك، ولاحظوا ثورانًا كبيرًا للحمم وكان ذلك بسبب حقيبة قمامة صغيرة فكيف سيكون الأمر إذا ألقينا فيها أطنان!

فيديو يوتيوب

يحدث ذلك الثوران بسبب حساسية تلك الحمم تجاه الرطوبة، فوجود المياه بجانبها ولو بنسب قليلة يتسبب في حدوث سلسلة من التفاعلات السريعة المصاحبة لانفجارات، كما ترى في مقطع الفيديو، بالإضافة إلى الغازات السامة التي تتصاعد من البركان بالطبيعة، تخيل المشهد كيف سيكون إذا كانت تلك المخلفات الملقاة هي نووية أو كيميائية خطرة مثلًا وما يمكن أن يحدث من أضرار جراء ذلك.

ضف على كل تلك الأسباب أن حرارة الحمم البركانية لن تكون كافية لتُذيب كل أنواع النفايات التي نريد إلقاءها فيها -إن افترضنا أن العملية ستمر بسلام- فحرارة الحمم تتراوح بين 700 إلى 1250 درجة مئوية، التي قد تكون مناسبة لإذابة بواقي الأطعمة والزجاج والورق والبلاستيك، لكنها لن تستطيع إذابة الأجهزة والأدوات المعدنية المصنوعة من النيكل والحديد مثلًا. لذلك دعنا نعترف أنها ليست بفكرة جيدة من جميع النواحي.


لماذا لا نطلقها في الفضاء؟

بعد كل تلك المشكلات المرتبطة بالبراكين قد تبدو فكرة الفضاء فكرة بديلة ممتازة! فالبعض يفكر، لم لا نلقي بها إلى الشمس؛ مثلًا فهي ستذيب كل المعادن ولن يصل أثر الانفجارات الناجمة عن ذلك لنا، فنحن إذًا في أمان! لكن للأسف لا ليست العملية بتلك السهولة، فأولًا تكاليف تحميل كل تلك النفايات على صواريخ لإطلاقها في الفضاء ستكون عالية جدًا، فالعالم يُنتج سنويًا نحو 1.1 مليار طن من النفايات أي أنه بحسبة بسيطة طبقًا لموقع Popular mechanics سيتطلب نقل كل تلك الكمية 168 مليون صاروخ من نوع Ariane V بتكلفة 33 كوادرليون دولار أمريكي أي مليون مليار دولار!

وبخلاف التكلفة العالية للنقل، لنضع في الحسبان احتمالية فشل إطلاق نسبة من الصواريخ، فحتى أنجح نظام إطلاق والذي هو موجود حاليًا في صاروخ "سويوز- Soyuz Rocket" تصل نسبة نجاحه لـ 97% أي أنه ما زال يوجد نسبة فشل محتملة خاصة وسط عدد الصواريخ المهولة المفترض إرسالها في تلك المهمة، فتخيل فشل إطلاق أحدها وانفجاره في السماء قبل أن يصل للفضاء بكل ما يحمله من نفايات، التي قد تكون من ضمنها مخلفات نووية، سأترك لك مساحتك في تخيل المشهد!


المخلفات التي تدور حول الأرض في الفضاء في حال رميناها في الفضاء للتخلص من النفايات

المخلفات التي تدور حول الأرض في الفضاء

دعنا نساير القصة ونتصور أنه تم الإطلاق بسلام، ماذا بعد ذلك؟ إذا لم تنطلق الصواريخ بالسرعة الكافية لتخلصها من جاذبية الأرض والتي ستتطلب كميات كبيرة من الوقود -والأموال- سينتهي الأمر ببقاء تلك الشحنات المحملة بالنفايات في مدار قريب حول الأرض الذي هو الآخر مكتظ بالمخلفات من بقايا الأقمار الصناعية غير المُفعلة وأجزاء الصواريخ التي تم إطلاقها على مدار السنوات الماضية وسنلوث الفضاء كما فعلنا بالأرض تمامًا! ومن المحتمل جدًا عودة إحدى تلك النفايات إلى الغلاف الجوي مرة أخرى بفعل الجاذبية وبالطبع ستحترق أثناء دخولها لتضاعف نسب التلوث أكثر فأكثر.


إذًا هل بقيَ أفكار قابلة للتطبيق فعلًا!

بالطبع هناك حلول أخرى خارج الصندوق ومن حسن الحظ أنها قابلة للتطبيق عمليًا ومن شأنها أن تقلل نسبة التلوث بصورة ملحوظة إذا بدأنا في تنفيذها على نطاقات واسعة من الآن.


الطرق البلاستيكية:

البلاستيك من أخطر الملوثات على البيئة وخاصة على مياه البحار والمحيطات وتكمن خطورته في عدم تحلله؛ فهو يبقى كما هو بنفسه حالته لعشرات السنوات، مما يضر بالحياة البحرية بأكملها، ومن هنا جاءت فكرة استغلال تلك الخاصية المميزة في صناعة الطرق حيث أن الطرق المعتادة المصنوعة من الأسفلت عمرها قصير وتتشوه بسهولة مما يخفض من كفاءة الطرق مع الوقت.

أثبتت الأبحاث أن إضافة البلاستيك على الأسفلت تجعل عمر الطرق أكثر 3 مرات من الطرق القديمة وتجعله يتحمل الأحمال الثقيلة ولا يتأثر بمياه الأمطار أو حتى المياه الراكدة كما أن عملية بنائه أسرع بنحو 4 مرات والفائدة الأهم أننا سنتمكن من استغلال تلك الكميات المهولة من البلاستيك ونقلل من أثره السيئ علينا. 

فيديو يوتيوب

ربما تقول الآن نحن أمامنا العديد من السنوات لنختبر فعلًا مدى صحة تطبيق هذا الحل، لكن دعني أبشرك أنه بالفعل تم تأسيس أول طريق من البلاستيك عام 2002 في الهند، وما زال قائمًا حتى الآن بنفس الجودة العالية، وعلى أثره نال الدكتور فازوديفان، الأستاذ في الكيمياء في جامعة ثياجاراجار في الهند وصاحب تلك الفكرة العبقرية، براءة اختراع في عام 2006، ومن وقتها تم بالفعل رصف آلاف الكيلومترات في الهند بنفس التقنية، وبالفعل بدأت العديد من البلاد في السير على خُطا الهند في محاولة للتخلص من النفايات البلاستيكية ورفع كفاءة الطرق في نفس الوقت.


معالجة النفايات العضوية بيرقات ذباب الجندي الأسود

المواد العضوية تشكل جزءًا كبيرًا من النفايات كل عام، ففي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تبلغ بواقي الأطعمة في نفاياتها نحو 40% من الإنتاج الغذائي سنويًا! وتكمن أضرار النفايات العضوية في تحللها الذي ينتج عنه كميات كبيرة من الغازات التي تزيد من الاحتباس الحراري وتوابعه المعروفة، ولذلك تتوجه الأنظار الآن لإحدى التقنيات التي من الممكن أن تجعلنا نتخلص من تلك النفايات بطريقة أسرع وفي نفس الوقت نستخدمها في إنتاج الأعلاف للحيوانات وإنتاج الوقود الحيوي باستخدام يرقات ذباب الجندي الأسود.

يتم صنع البيئة المثالية لإنتاج تلك اليرقات ثم تُضاف على كميات كبيرة من بواقي الأطعمة لتتغذى عليها وتنهيها في وقت قصير حيث أن كل كيلو جرام من تلك اليرقات قادر على أكل أكثر من 2 كيلوجرام من بواقي الأطعمة في 4 ساعات! وبعد أن تصل لمرحلة النمو المثالية تتغذى عليها الدواجن والأسماك لتمدها بقيم غذائية عالية حيث أنها تُمثل مصدرًا غنيًا بالبروتين. بدأت تلك الفكرة بالفعل في الانتشار حتى أن إحدى الشركات الناشئة في سويسرا تخطط بالفعل لإنشاء أول مصنع لمعالجة النفايات الحيوية بواسطة تلك اليرقات. 

فيديو يوتيوب

أول الغيث قطرة، بعض النماذج التي  نجحت بالفعل في تقليل نسبة النفايات حول العالم


إندونيسيا

في محاولة لحل كلا المشكلتين الفقر والنفايات ظهرت إحدى المبادرات التي شجعت الناس على جمع قمامتهم ومقايضتها بتأمين صحي لهم، حيث أنه في مالانج إحدى مدن إندونيسيا تصل كمية النفايات نحو 55,000 طن يوميًا ويقع أكثر من 10% من ساكنيها تحت خط الفقر مما دفع دكتور جمالا البنسعيد، المدير التنفيذي لإحدى الشركات الصحية، لاستغلال تلك الفرصة حيث يتم استلام النفايات من الناس وتسليمها لشركات إعادة التدوير بمقابل مادي يعود لصالح توفير التأمين الصحي لهم.


السويد

السويد هي من أوائل البلدان الناجحة في مجال تدوير النفايات، فنحو أقل من 1% من النفايات تنتهي لمواقع تجميع القمامة حيث يتم تدوير الباقي قي مجالات عديدة وتهدف لأن تصل لمرحلة صفر نفايات خلال السنوات القادمة! حتى أنها أصبحت تستورد النفايات من العديد من البلدان لكي تستكمل مشاريعها القائمة على إعادة التدوير. شجعت السويد مواطنيها على تصنيف القمامة وإعادة التدوير بالعديد من الوسائل، منها تعديل نظام فرض الضرائب حتى يتمكن الناس من إجراء الصيانة على أغراضهم المعاد استخدامها بتكلفة أقل، حتى أنهم عرضوا مقابلًا ماليًا على كل من يعيد تدوير الزجاجات والعلب المعدنية، ضف على ذلك أن جزء النفايات الذي يتم حرقه يتم استغلال حرارته في شبكة التدفئة المحلية حتى تمد المنازل بالحرارة في شتاء السويد القارص.


سنغافورة


 التخلص من النفايات في مكب جزيرة سيماكو

جزيرة سيماكو

صممت سنغافورة واحدًا من أجمل مواقع مكبات القمامة في العالم في جزيرة سيماكو، لا تتعجب من الوصف فهو فعلًا موقع لتجميع القمامة لكنه صُمم بشكل هندسي جميل مريح للعينين وهو الوحيد في سنغافورة بأكملها حيث يتسع لـ 28 مليون متر مكعب من النفايات. تتم إعادة تدوير القمامة التي تصلح للتدوير أما الباقي فيتم حرقه في محارق خاصة ثم يتم دفنه في جزيرة سيماكو التي أصبحت موطنًا للكثير من الطيور والكائنات البحرية ومزارًا للكثير من السياح حول العالم.

مشكلة النفايات تخصنا جميعًا وليس فقط كبار المسؤولين في البلاد، ابدأ بنفسك ورشّد استهلاكك أولًا ثم افصل النفايات بقدر الإمكان لتسهّل المهمة على من يستلمها من عندك.

المصادر: 1, 2, 3, 4, 5

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة