دانيال كاش…رجل كفيف استخدم تقنية الوطواط ليرى العالم

دانيال كاش
محمد علواني
محمد علواني

6 د

لئن كان كريستي براون قد تمكّن من عَيش حياته كاملة مستخدمًا قدمه اليسرى، في الرسم والأكل والكتابة.. إلخ؛ فقد وُلد مصابًا بشلل دماغي، فإن دانيال كاش مثله تمامًا ليس في الإصابة بشلل دماغي، أصيب كاش بالسرطان  منذ الصغر، وإنما تمكّن من تطويع عضو آخر في جسده ليقوم بهمة غير مهمته الأساسية.

فلأنه فقد عينيه واحدة تلو الأخرى وهو في الثالثة عشرة من عمره، اضطر دانيال كاش إلى استخدام أذنه في محاولة لتتبع صدى الصوت، وتحديد مكانه وماهيته على حد سواء.

ونظرًا لتفرد طريقته في النظر، اعتُبر دانيال كاش أحد المتحدثين الأكثر إلهامًا في العالم، فمنذ أن كان عمره 13 شهرًا، تعلم دانيال أن "يرى" باستخدام شكل من أشكال تحديد الموقع بالصدى. إذ ينقر على لسانه ويطلق ومضات من الصوت ترتد عن الأسطح في البيئة وترجع إليه؛ ما يساعده على تكوين فهم للمساحة المحيطة به. 

يكفيك أن تعلم أن محاضراته على TED تحظى بملايين المشاهدات على اليوتيوب، كما تمتلئ القاعات بالحضور في أثناء هذه المحاضرات، التي يقدمها ممزوجة بحس الدعابة وروح المرح.


من هو دانيال كاش؟

ولد دانيال كاش عام 1966 في مونتيبيلو، بكاليفورنيا (الولايات المتحدة الأمريكية)، وهو خبير أمريكي في تحديد الموقع بالصدى البشري، ورئيس World Access for the Blind (WAFTB)، وهي منظمة غير ربحية مسجلة في كاليفورنيا أسسها كاش في عام 2000؛ لتسهيل الرؤية، وتوجيه الأشخاص المصابين بالعمى، وزيادة الوعي العام بنقاط قوتهم وقدراتهم. 

ذو صلة

قام كاش ومنظمته بتدريس هذا الشكل من أشكال تحديد الموقع بالصدى لما لا يقل عن 500 طفل كفيف حول العالم. وعن تجربة تدريس تجربته في الرؤية من خلال صدى الصوت، قال دانيال كاش: "ليس التدريس عملًا صعبًا أو مستحيلًا، إنه ليس كذلك حقًا".

وأضاف: "أعتقد أن الدماغ مؤهل بالفعل جزئيًا على الأقل للقيام بذلك (يقصد الرؤية من خلال صدى الصوت). كل ما يجب أن يحدث هو أن تستيقظ وتستنفر الأجهزة الموجودة في الدماغ؛ إذ يجب تنشيطها، ونعتقد أننا وجدنا طرقًا للقيام بذلك".

وعلى الرغم من أهمية هذه التجربة، والانفتاحات الكبرى التي يمكن أن تقدمها لشريحة واسعة في المجتمع، شريحة المكفوفين، فإن هناك من يشكك في جدواها، بل في وجودها من الأساس.

فقد كتب دانيال إنجبر في موقع Slate: "يعتقد العديد من زملاء دانيال كاش أن تحديد الموقع بالصدى، إذا تم تدريسه، يجب أن يظل مهارة ثانوية للمكفوفين".  وأضاف: "ويخشى بعض المدافعين عن الإعاقة من أن كل الضجيج حول السونار يجعل المكفوفين يبدون وكأنهم طفرات تفوق طاقتهم طاقة البشر، مع تمتعهم بقوى خاصة تعوض أكثرهم عن مشاكلهم".

ومن المؤسف أن تجربة دانيال كاش لا تلقى الاهتمام الذي يليق بها، فمن بين 50 مدرسة للمكفوفين اتصلت بها مجموعة "كاش"، أعربت اثنتان فقط عن اهتمامهما بتدريس تحديد الموقع بالصدى.  وبالمثل، من بين 1300 وكالة تتعامل مع القضايا المتعلقة بالعمى، أرادت 10 وكالات فقط العمل مع "World Access for the Blind"، على حد قوله، ومع ذلك، يبدو دانيال كاش مثابرًا، وغير مستعد للاستسلام.

وعلى أي حال، يُعد دانيال كاش أول شخص كفيف تمامًا يحصل على شهادة اختصاصي توجيه وتنقل معتمد قانونًا (COMS)، ويحمل شهادة الاختصاصي الوطني للعمى (NOMC) كما أنه حاصل على درجة الماجستير في علم النفس التنموي والتربية الخاصة من جامعة كاليفورنيا ريفرسايد.


دانيال كاش...ملهم الدراسات العلمية

ألهم عمل دانيال كاش عددًا من الدراسات العلمية المتعلقة بتحديد الموقع بالصدى البشري. ففي دراسة أجريت عام 2009 في جامعة Alcalá في مدريد بإسبانيا، تم تعليم بعض المواد الخاضعة لدراسة مهارات الملاحة الأساسية في غضون أيام قليلة. هدفت الدراسة إلى تحليل الأصوات المختلفة التي يمكن استخدامها لتحديد الموقع بالصدى وتقييمها من حيث الأكثر فعالية. 

وفي دراسة أخرى، تم إجراء فحوصات الدماغ بالرنين المغناطيسي لكاش وخبير آخر في تحديد الموقع بالصدى؛ لتحديد أجزاء الدماغ المشاركة في تحديد الموقع بالصدى. وأشارت الدراسة إلى "أن هياكل الدماغ التي تعالج المعلومات المرئية لدى الأشخاص المبصرين تعالج معلومات الصدى لدى خبراء تحديد الموقع بالصدى المكفوفين".

تمت تسمية دانيال كاش زميل Ashoka في عام 2017م، وهي تلك المنظمة التي تعتمد زملاءها من رواد الأعمال الاجتماعيين المعترف بتقديمهم حلولًا مبتكرة للمشاكل الاجتماعية، وقدرتهم على إمكانية تغيير الأنماط المألوفة في المجتمع.


الأذن ترى أحيانًا

تحدث دانيال كاش، خلال مشاركته في مؤتمر PopTech الأخير، عن تجربته في الرؤية بأذنيه، واصفًا المحيط حوله على النحو التالي:

"يوجد هذا الصرح هنا، وهناك جسم على بعد حوالي 20 قدمًا، وآخر على بعد حوالي 50 قدمًا". وأضاف: "أعتقد أن هذه قوارب، لا يمكنني التمييز من هذه المسافة، حقًا، لكنها صلبة ونحن على الماء، لذا فمن المنطقي أن تكون قوارب".

مستخدمًا أذنيه في الرؤية، يتجول دانيال كاش، في أماكن غير مألوفة، إذ يقوم بالنقر على لسانه، ثم يستمع عندما يرتد هذا الصوت عن الأشياء القريبة، ومن خلال هذا الصوت يكون قادرًا على تحديد ماهية هذه الأشياء، بل وتقدير المسافة التي تفصله عنها على نحو تقريبي.

يقول دانيال كاش إنه درب دماغه على تحويل هذه الأصوات إلى صورة من نوع ما، أو لنقل خريطة سمعية يتبعها بمساعدة عصا.

يفصح أكثر عن تجربته في الرؤية بالأذن مستعينًا باللسان قائلًا: "عندما ترسل صوتًا فأنت تستجوب البيئة، أنت تسأل: أين أنت؟ وما أنت؟ والبيئة تجيبك في المقابل".


باتمان الجديد

خلال عرض تقديمي في PopTech، وهو مؤتمر حول الأفكار الجديدة في العلوم والتكنولوجيا، وصف دانيال كاش نفسه بأنه "باتمان حقيقي"، ثم قام بعرض مقاطع فيديو لطلابه المكفوفين وهم يركبون دراجات جبلية، في طرق مليئة بالعقبات، ولعب كرة السلة والتزلج على الألواح. لكنه يرى أن هذه التقنية أكثر من مجرد وسيلة للتحايل، موضحًا أن "هذا لا يهدف إلى جعل طلابنا يتجرؤون على أي شيء من هذا القبيل، وإنما نهدف حقًا إلى تعظيم الفرص ومساعدة الطلاب على عيش حياة يومية طبيعية إلى حد كبير".

يقول دانيال كاش، الذي فقد عينيه بسبب السرطان عندما كان طفلاً، إن شيئًا ما تحطم بالطريقة التي يتعلم بها الطلاب المكفوفون في جميع أنحاء العالم. على العموم، تم تعليمهم الاعتماد على الأشخاص المبصرين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن 99% منهم، كما قال، يتعلمون من قبل أشخاص يمكنهم الرؤية.

يهدف دانيال كاش (باتمان الجديد) إلى تحرير الطلاب؛ فمن خلال النقر بألسنتهم والاستماع إلى أصداء المباني والسيارات والكلاب وما شابه، يعتقد أنه يمكن أن يكونوا أقل اعتمادًا على الأشخاص المبصرين.

إذا رأيت دانيال كاش يسير في الشارع فسوف تسمعه يصدر أصوات نقر متكررة بلسانه؛ ليؤلف نسيج حركة يمكّنه من استكشاف كُنه الأشياء المحيطة به.

يقوم بإصدار الصوت أكثر عندما يكون مرتبكًا بعض الشيء أو عندما يصل إلى تقاطع طريق، في أحيان أخرى يصمت وهو يمشي مستعينًا بعصا.

وفي هذا السياق، قال بيل وولف؛ الذي عمل مع دانيال كاش، خلال مشاركته في مؤتمر PopTech، إن دانيال كاش سريع في تجنب تعليمات أولئك الذين يسافرون معه.

يعترف دانيال كاش أن تحديد الموقع بالصدى ليس مثاليًا، فالكائنات الأخرى التي تستخدم الصوت للرؤية، مثل الخفافيش، تصدر ترددات فوق صوتية، ولكن البشر، بالطبع، لا يمكنهم فعل ذلك.

واستطرد دانيال كاش: "يمكن للخفاش أن يحدد شيئًا بحجم البعوضة من على بعد عدة أمتار، "بالنسبة لي، يجب أن يكون الجسم بحجم كرة لينة على الأقل. لذا فإن الخفافيش بالتأكيد لها ميزة على البشر من حيث استخدامها للموجات فوق الصوتية".

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات