Interstellar.. رحلة مُذهلة فى أعماق الإنسان – تقرير

Interstellar.. رحلة مُذهلة فى أعماق الإنسان - تقرير 1
0

حديثا بدأت دور العرض السينمائى حول العالم فى عرض أحدث أفلام “كريستوفر نولان” بعنوان “Interstellar” من بطولة “ماثيو ماكونهي” و”آن هاثاواي” و”جيسيكا شاستاين” و”إلين بورستين” و”مايكل كين“. مدة العرض تقارب الثلاث ساعات، السيناريو للمخرج بمشاركة شقيقه “جوناثان”. الفيلم منتظر منذ أكثر من عام لشهرة مخرجه التى حفرها بجدارة بإعتباره أحد صناع الأحلام فى هوليوود..

 bb77ec05-da4a-4eca-b870-ce0244898c17-1020x612

مقدمة لابد منها..

قبل الحديث عن أحدث أفلام المخرج “كريستوفر نولان Christopher Nolan”، لابد من مقدمة ضرورية لفهم الفيلم ونبدأ إنطلاقا من المخرج نفسه.. هو أحد المخرجين -المبدعين- الكبار المنتمين لمدرسة “سينما المخرج” الذى يحمل رسالة أو تشغله قضايا كبرى ويعبر عنها بأفلامه، مهما أختلفت قصة الفيلم وتنوعت، خاصة انه يشارك بشكل كبير عادة فى كتابة القصة والسيناريو..

لدينا فى مصر “محمد خان” و “داود عبد السيد” من نفس المدرسة.. نولان ريادى ومستقل فى الفعل والتفكير منذ وقف فى مهرجان “هونج كونج” عام 1999 مطالبا الحضور بان يدعموه ليتمكن من اخراج فيلم بعيدا عن سيطرة حيتان هوليوود، وقام الحضور بدعمه بمبلغ 3 مليون دولار.

Magic in the moon light .. حينما ينقلب السحر على الساحر

 Christopher

نولان أحد المخرجين الذين لا يخضعون لسطوة هوليوود بشكل كامل فى إعتقادى، لاحظ كيف استبدل طراز المعمار السائد لمدينة “جوثام” من القوطى بتماثيله المرعبة الضخمة الى المدينة الحديثة المعاصرة اعتبارا من الجزء الثانى.. يرمز “نولان” دوما، بالمدينة الى العالم بأسره..

فى رأى الخاص ان نولان يتطلع دوما لمنظومة القيم الأولية التى تنير الوعى وترشده كالأمل، والخير والحب، والتى هى واحدة لدى كل البشر على تنوعهم، ويبث هذه الرسائل دوما داخل أفلامه.. سبق ان كتبت مقال نقدى عن فيلم The Dark Knight Raises منذ أكثر من عام قلت فيه بالنص “تمسك السيناريو بالأمل كسلاح مهما أسودت الأمور،فالمحقق الشاب – الذى سيخلف بات مان فى العمل- يدفع الشبان الأيتام الى الحافله للأحتماء من التفجير النووى،وعندما يذكره رجل الدين بهذا،يكون رده: أتريدهم ان يذهبوا بغير أمل؟”.

 the-dark-knight-rises-poster-joseph-gordon-levitt-e1353999925852

فيما يعمد السياسى الى خلط الأكاذيب بالحقائق لخداع الناس، يستخدم الفنان نفس الأسلوب تقريبا لكن لفرز الحقائق من الأكاذيب؟! فالحبكة الرئيسية للفيلم قد تكون مخادعة بشكل كبير، تشير الى شئ وهى تقصد شيئا آخر بالأضافة الى توظيفها للرموز والإشارات التى سنحاول معا إلقاء بعض الضوء عليها..

لكن لماذا يعمد الفنان الى الرمز والإشارة لدمج رسالته الأصلية داخل العمل الفنى؟، أعتقد لأن هذا عمل فنى فى المقام الأول وليس عامود رأى أو “مانشيت” للصفحة الرئيسة، أيضا لأن “القصد المباشر” إنشائى بشكل واضح، فيلجأ الفنان الى التوارى وراء قصد ظاهر لتمرير رسائله..

يمكنك ان تلاحظ ان كتبنا الدينية المقدسة استخدمت القصص بشكل كبير؛ لإدراج “معان مستترة” مباشرة فى ذهن المتلقى، وبالطبع لا وجه للمقارنة بآى حال بين عمل فنى وكتاب دينى.

بالطبع لا يمكن الوصول لكامل المغزى أو الهدف من العمل -الذى كتبه نولان- فى عدة سطور، خاصة مع حداثة إصداره فما زال بحاجة لعدة مشاهدات، فالأعمال الجيدة لا تفصح عن نفسها من أول قراءة.. بالطبع فالإسقاط مسئولية المتلقى، لذا فهذه السطور هى وجهة نظر كاتبها فى العمل الفنى.

Gravity أم Apollo 13 .. أيّ الفيلمين سيخلد في الأذهان ؟!

 876da955-5964-4e78-9870-163785d1a440-1020x612

تريلر الفيلم

رحلة فى أعماق الإنسانية

اسم الفيلم interstellar تعنى حرفيا “بينجمى” وهو مصطلح يشير الى الفضاء السحيق بين المجرات والسدم، والكلمة آتت من دمج كلمتى “بين النجوم”وهى ترجمة اسم النسخة العربية. لكن ما يشير إليه الأسم بنظرى فى المقام الأول هو الإنسان، الذى يعد جسده وغذائه وأرضه وكوكبه حفنة من الغبار البينجمى توفرت لها ظروف الحياة.

فالرحلة المعلنة فى الفيلم هى بالحقيقة رحلة سحيقة موغلة فى أعماق الإنسان.. ما يهم هنا ليس العثور على كوكب صالح للحياة بالنسبة للبشر،وهم قد عجزوا عن هذا فى الفيلم،  ما يهم هو كيف وصلت الإنسانية بغباء شديد الى تلك اللحظة الفاصلة، التى دمرت فيها وخربت كافة أرجاء كوكب الأرض لتضطرنا للبحث عن بديل؟، كيف سمحنا لأنفسنا بان ندمر السفينة الكبيرة الوحيدة التى نملكها أو تملكنا ان شئنا الدقة؟.

 17t55oitj9x0pjpg

زمن الأحداث غير محدد وان كان قرب نهاية القرن الحالى، كوكب الأرض إنقلب علينا بعدما أفسدنا مناخه وسممنا مياهه ولوثنا هواءه، البيئة أصبحت معادية بشكل كبير، الأرض والآفات تقضى على المحاصيل، لم يعد البشر يزرعون شيئا باستثناء “الذرة” والتى ستموت بدورها قريبا..

مما يترك البشر بدون طعام. البشر واجهوا ما يشبه الإبادة، أعداد قليلة باقية وان كانت غير آمنة فأين يمكنك ان تذهب حين تعاديك الأرض التى تحيا عليها ولا بديل لها.. شاهد ما يقول “Cooper” الذى أدى دوره بإقتدار “ماثيو ماكونهى Matthew McConaughey”

We used to look up at the sky and wonder at our place in the stars, now we just look down and worry about our place in the dirt

الترجمة: لقد أعتدنا ان ننظر للسماء ونتسائل عن مكاننا بين النجوم، الآن ننظر لأسفل قلقين بشأن مكاننا فى التراب.

 interstellar-141022a-618x400

طبعا؟! فجأة أدركت البشرية بما بقى لها من عقل ان النقود والآلات والهواتف الذكية غير صالحة للطعام، تعلم البشر بعدما سرحوا الجيوش وأغلقوا المصانع والمؤسسات بأنواعها، ان المزارع هو أهم مهنة على الأرض!.

ستلاحظ بإندهاش ان المخرج تجاوز المسببات ولم يتحدث عنها إلا فى أضيق الحدود وبشكل عام، كما لو كنا أمام أمر واقع، البشرية تندثر بالأمراض وقلة الطعام والمناخ المعادى المشبع بالغبار، كنتيجة مباشرة وعادلة للخلل المزمن الذى أصابوا به الأرض، الوسط الحيوى الطبيعى؛ الذى لا نحيا إلا به.

 إهتمام المخرج “نولان” بالصورة المرئية شئ إعتيادى، الجديد اليوم انه أهتم بالدقة العلمية كذلك قدر المستطاع، محاولا المزج ما بين التوثيقى والروائى، فالصورة التى نراها للفضاء والكواكب والثقب الأسود والنفق الدودى مستخلصة من بيانات فلكية حقيقية، تمثل أحدث ما لدى العلم.

وان كنت لم أفهم سر الإصرار فى وضع الكوكبان اللذان قاموا بزيارتهم على هذا القرب من ثقب أسود، فمعلوماتى الفيزيائية -القليلة جدا- تخبرنى بإستحالة هذا؛ فجاذبية الثقب الأسود مروعة وكبيرة بشكل يفوق الخيال، حتى الضوء لا يهرب منه، فكيف يستقر كوكب فى مداره وهو بهذا القرب؟!. لكن، من حسن الحظ ان هذا عمل فنى وليس مادة وثائقية، آى ان الدقة العلمية هنا إختيارية، وبالطبع يختار المخرج ما يخدم “الدراما” بشكل أساس.

الأفلام التي تحدثت عن الفضاء الخارجي من عام 1900 إلى عام 2014

 Black-hole-model

على العكس من تفصيلة صغيرة، تتجاهلها أغلب الأفلام التى تدور أحداثها فى الفضاء. فالفضاء لا يوجد به غلاف جوى وبالتالى لا يوجد صوت. لذا فضمن سياق الفيلم، جاءت كل اللقطات الخارجية للسفينة صامتة حتى التى حدث بها إنفجار مما يعكس حرص “نولان” على هذه التفصيلة.

شريط الصوت/ الموسيقى التصويرية للفيلم جائت ممتعة بشكل كبير، بتوقيع العظيم “Hans Zimmer” الذى قام بصنع أوبرا فضائية مسموعة، فى بعض اللقطات كانت الموسيقى هى البطل الفعلى، وساهمت بشكل كبير فى الإستحواذ على إنتباه المتلقى/ المشاهد. أتحدث من واقع تجربة مشاهدة فى سينما IMAX سبقتها تجربة مشاهدة لنسخة مقرصنة بجودة Cam وهى تجربة لا أريد تذكرها!!!

 10426302_1025690270790274_7923722652627049490_n

المزيج المركز –أو الرسالة المضمرة- الذى يعطيه لنا المخرج هو ان الحب هو أملنا الوحيد، هو المخرج الباقى للإنسانية التى تمارس الإنتحار والإبادة الجماعية بشكل منقطع النظير. البشرية التى تعتدى بوحشية على كل الكائنات الحية على سطح وباطن الكوكب، وبالطبع فقتلهم لبعض واستعباد البعض مازالت تجارة رابحة حتى يومنا هذا..

العبث الذى وصل اليه الإنسان عبر تاريخه كله غير مسبوق وتخطى الواقع بسريالية عجيبة وظالمة، ينتج الشعب الصينى معظم المنتجات الأميركية، فينعم الشعب الأميركى بالرخاء والبؤس هو أجر عمال الصين الذى أصبح الإنتحار لديهم هواية لقسوة ظروف العمل.. مررنا بكل صور وسائل الإنتاج، من صيد لزراعة ومن استعباد لإقطاع ومن إشتراكية لرأسمالية مصاصى الدماء: لماذا تسرق فرد إذا كان بإستطاعتك سرقة وطن؟

لا تقتلوا الفقراء، أرفعوا أسعار كل شئ ودعوهم يقتلون بعضهم البعض.. الفيلم يقدم وجهة نظر بديلة ومنطقية، لماذا لا نتوقف عن العيش فى ضوء إقتصاد السوق الحر، ونجرب التعايش السلمى القائم على الحب والأخاء والعدل، لماذا يموت يوميا 24 ألف طفل بسبب الجوع، بينما 1% من سكان الأرض يحتكرون 40% من ثرواته؟ ألم أقل ان الواقع فاق العبث.. شاهد “كوبر” فى الفيلم وهو يستمع الى تسجيل لأصوات الطبيعة “أمطار/ طيور، لقد صار هذا هو المتاح؟!.

أفلام رعب مستوحاة من قصص حقيقية

 interstellar33

من المشاهد التى علقت بالذاكرة، مشهد “كوبر” بعد عودته من مهمة فى زمن 3 ساعات بقرب الثقب الأسود، الذى يتباطئ الزمن بقربه لجاذبيته الفائقة، يعود “كوبر” ليجد ان 23 عام قد مضت ونتابع بتأثر تفاعله مع الرسائل التى وصلته من أبنه ويبكى بحرقة على الزمن الذى مضى بعيدا عمن يحبهم ويمثل هذا المشهد بداية التنوير فى الفيلم حيث ترى ما هو مهم بحق، من الحياة مع من تحب، الى الأنس بالصحبة البشرية، ايضأ الدكتورة “إميليا براند Anne Hathaway” فحين لم يعد العلم كافيا أو شافيا ستختار ان تتبع قلبها فى الإتجاه المضاد للعلم.

 999999

مشهد نجاح كوبر فى الإلتحام مع المركبة الأم، بينما هى تهوى من جراء الإنفجار مشهد آخر ملحمى يحبس الأنفاس حرفيا، أكتشاف ان الجبال البعيدة عنهم هى أمواج البحر الذى هبطوا فيه كان مدهشا للغاية..

الموج العملاق يتلاعب بالمكوك كلعبة صغيرة فى دلالة واضحة على ضألة الإنسان فى مقابل الكون. يمكن ان أضيف ان تصوير الثقب الأسود فى الفيلم هو أروع تصوير شاهدته فى فيلم حتى الآن، اعتدنا ان نرى هذه الثقوب مثل البالوعات المفتوحة، مع “كريستوفر نولان” صار للثقب الأسود مهابة ووقارا تليق به!

لماذا حظيت شخصية ( الجـوكر ) بهذا الإهتمام ؟

 interstellar-game

إختيار Matthew McConaughey فى دور “Cooper” جاء موفقا للغاية، فالأداء كان ينساب منه بلا إفتعال خاصة فى الثلث الأول من الفيلم فى علاقته مع ابنته الصغيرة “ميرف”. المخضرم  Michael Caine فى دور Dr. Brand الأب، بالطبع أداء بسيط وراق جدا خاصة مشهده الأخير.

ولا ننس الجملة الملهمة التى رددها فى أكثر من مشهد: Do not go gentle into that good night; Old age should burn and rave at close of day. Rage, rage against the dying of the light وهى مفتتح قصيدة لشاعر راحل اسمه “Dylan Thomas”ترجمتها بتصرف: لا تركن للهدوء فى الأمسيات الجيدة، العجز يجب ان يحرق قرب نهاية اليوم، أغضب، إنتفض ضد موت الضوء. بالطبع يمكن ان أضيف من عندى: وحلول الظلام. هذه هى رسالة الفيلم بوضوح وصراحة بالغة يحسد عليها صانع العمل..

 542c270774ed87dd423a3073_anne=hathaway-interstellar

قامت بدور Dr. Brand الأبنة، الجميلة “آن هاثواى Anne Hathway” فى دور عادى لم يضف لها الكثير وأقل بمراحل من أدائها لدور “سيلينا كايل” فى ختام ثلاثية “فارس الظلام”.. قامت بدور “ميرف” الممثلة Jessica Chastain فى أداء آخر نمطى، يبدو انها لا تجيد سوى تمثيل دور واحد، الأنثى التى تواجه الظروف وتنتصر وتفرض منطقها فى النهاية.

 المفاجأة كانت فى دور “Dr. Mann” الذى قام بأدائه ببساطة وعفوية النجم “Matt Damon” ويمثل مشهد قتاله مع “Cooper” تجسيدا حديثا –من وجهة نظرى- لشخصى “قابيل وهابيل” يعيدان القصة من جديد بدافع من الطمع، الخوف، الأنانية وحب البقاء، على كوكب آخر على بعد آلاف السنوات الضوئية. لا قيمة للتقدم ولسفن الفضاء والنانوتكنولوجى أو الليزر، مالم نتعلم الحياة كأسرة واحدة كبيرة.

دروس فى الحياة .. من الأفلام

 matt_damon

 تعمدت عدم سرد أحداث الفيلم بشكل تفصيلى، يكشفها ولكن على سبيل الإستثناء، وفى مزج ممتاز للمشهد الإجبارى مع مشهد الذروة، فى بداية الفيلم نعرف عن الشبح الذى يتواصل مع “ميرف” بشفرة ثنائية عن طريق المكتبة، بل ويعطيهم إحداثيات موقع nasa  وبالتالى أصبح المشهد الإجبارى عن ماهية هذا الشبح؟

قرب نهاية الملحمة وتصاعد الأحداث للذروة نعرف ان “Cooper”  هو من يتواصل معها بعد ان عبر الثقب الأسود وأصبح الزمكان مجسدا بشكل ما بالنسبة له فى موقع ثابت خلف المكتبة.. الإكتشاف أو لحظة التنوير على الشاشة كان متزامن بشكل بصرى ما بينه وبين ابنته بشكل رائع جدا..

كما قلت فى البداية، الفيلم مازال بحاجة الى مشاهدات عديدة، كعادة أفلام “نولان” لكن تبقى رسالة العالم جلية وواضحة كما ظهرت بالفيلم، أو كما يقول “مايكل كين” فى أحد المشاهد: لو صنعنا مسامير لسفن الفضاء والعلم بدلا من الطلقات.. ألن يكن أجدى لنا، السؤال من عندى.. أرجو ان يكون هذا المقال ألقى بعض الضوء على فيلم اليوم interstellar وأرجو ممن شاهد الفيلم ان يشاركنا خبرته ومشاهداته..

اقرأ ايضاً لحازم سويلم :

كيف تدفع نفسك خارج ” منطقة الراحة ” القاتلة ؟

كارلوس غصن.. المدير التنفيذي “اللبناني الأصل” الذى أنقذ نيسان !

0

شاركنا رأيك حول "Interstellar.. رحلة مُذهلة فى أعماق الإنسان – تقرير"