أول 3 دقائق بعد الانفجـار الكبير في عُمــر الكون ! – تقرير

أول 3 دقائق بعد الانفجـار الكبير في عُمــر الكون ! - تقرير
3

نحن تُراث 15 مليار سنة من التطور الكوني، نحن نملك الاختيار، يمكننا أن نزيد من قيمة الحياة ونتعرف على الكون الذي صنعنا، أو يمكننا أن نُبدد ميراث الـ 15 مليار سنة في تدمير ذاتيّ لا معنى له.. كارل ساغان

النموذج القياسي أو الانفجار الكبير“Big Bang”؛ نظرية مُتماسكة و صحيحة؛ لكنها لا تُجيب عن أسئلة عديدة، ووَقفت عاجزة أمام ألغازٍ لا مُتناهية في الفضاء الكوني..

حتى الآن، لم تنشأ تلك النظرية على يد أحدهم فجأة، أو من باب التسلية؛ بل تاريخها عتيق حين بدأ البشر يتأملون تلك المصابيح المضيئة في سمائهم ليلاً؛ فكان هناك عدة تساؤلات عن ماذا تكون تلك الأشياء؟ وما سبب وجودها؟

فمنذ عصورٍ سحيقة؛ حاول الكثيرون تفسير ذلك، وأدى ذلك بدوره إلى إيجاد تساؤلات جديدة؛ حول ماهيّة الكون؟ وكيف كانت البداية؟

بداية تساؤلات البشرية حول ماهيّة الكون؟

بدأ البَوْح والجدال في أصل الكون؛ من عُصور فلسفة القرون الوسطى، حيث كانت التساؤلات تدور حول ما إذا كان للكون أصل بداية، و نقطة نهاية؛ أم لا؟ الفيلسوف اليوناني أرسطو قال في ذلك الشأن:

أن للكون ماض سحيق أزلي لا حصر له

و تسبب ذلك التصّور؛ بمشاكل عديدة بين الفلاسفة من كافة الأديان وحتى المسلمين، وأصبح لكل فرقةٍ منهم رأيٌ خاص به وضعه لنفسه.

في العام 1225، قدم اللّاهوتي الإنجليزي “روبرت قروسس” أطروحة قال فيها:

إن الكون وُلد نتيجة انفجار أدى لتبلور، وتشكيل النجوم والكواكب

حتى القصائد الشِّعرية لم تخل في العصور القديمة من ذلك التساؤل. طُرح لأول مرة وصف الكون المُتمدد؛ في قصيدة نُشرت في العام 1791، من قبل ” إراسموس داروين “؛ الذي وصف الكون بالدائري و المُتَوسّع.

تلسكوب ماجلان .. أكبر عين أرضية مُوجهة نحو الفضاء في المستقبل القريب!

في أوائل القرن العشرين

في العام 1910، أدت عمليات المُراقبة من قِبل كل من “فيستو سيلفر و كارل و يلهلم فيرتز” إلى نتيجة، وهي أن معظم السُّدم “المجرات” الحلزونية؛ تبتعد عن الأرض.

أيضاً في العام 1916، كان تصوّر ألبرت أينشتاين الأول؛ هو أن الكون ثابت مستقر لا يتمدد ولا ينكمش، وأضاف لذلك ثابت رياضي في معادلاته أسماه “الثابت الكوني”. كانت وظيفة هذا الثابت؛ هو إيجاد توازن بين قوى الجذب، وبين قوى أخرى تقاومها، يعمل في النهاية على إيجاد حل لمعادلاته؛ باعتبار الكون ثابتاً رياضياً.

تراجع أينشتاين لأول مرة عن أفكاره، ووضع حلولاً لمعادلات سُميت ” معادلات الحقل أو المجال في النظرية النسبية العامة ” التي وضعها، وأدت تلك الحلول إلى إيجاد إطار علمي لنظرية “الانفجار الكبير”.

نجح كثير من العُلماء في إيجاد حلول لمعادلات أينشتاين مثل “العالم الهولندي ويليام دي ستير، والروسي أليكساندر فريدمان”؛ وحتى القس البلجيكي جورج ليماتر الذي وضع نموذجاً قال فيه :

أن الكون تمدد من ذرة – حجم صغير جداً بدائية أسماها البيضة الكونية

إدوين هابل

في العام 1929، جاء الاكتشاف الكبير من قِبل إدوين هابل؛ الذي لاحظ أن المجرات البعيدة تعطي ضوءاً أحمر، حيث من المعروف أن المجرات أو الأشياء التي تبتعد عن بعضها، تعطي لوناً أحمر؛ و هو اللون المميز للموجات الطولية.

بخلاف مجرة “أندروميدا” القريبة منا؛ والتي تبعد عنا مسافة 2.2 مليون سنة ضوئية؛ و تنجذب نحونا؛ تعطي لوناً مغايراً.

في العام 1980، تم اكتشاف ما يُعرف بــ إشعاع الخلفية الكوني الميكروي؛ وهي أشعة كهرومغناطيسية توجد في جميع أركان الكون بنفس الشدة والتوزيع. وكان نموذج الانفجار الكبير؛ هو الوحيد القادر على تفسير وجود تلك الأشعة.

في العام 1981، وضع عالِم الكونيات الأمريكي ألآن غوث مفهوماً تطورياً لنظرية الانفجار الكبير، وهذا التطوير هو التضخم الكوني؛ الذي يوضح فيه أن الكون في بدايته كان يتمدد بسرعة هائلة؛ حتى وصل لـ 5010 ضعف حجمه الأصلي في غضون زمن مُقدّر ما بين أول 10-32 ثانية. ثم تابع تمدده بشكل أبطأ.

في العام 1990، استطاع القمر الصناعي COBE قياس درجة حرارة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي وسجل قيمة تساوي (270 – ) درجة مئوية.

النظريات الأغرب على الإطلاق التي قيلت عن الأرض !

أول 3 دقائق بعد الانفجار الكبير من عُمر الكون

بعد كل تلك الأقاويل المختلفة؛ وُضعت أخيراً نظرية واضحة سُميت الانفجار الكبير؛ التي تفسّر تباعد المجرات، وبالتالي استنتاج توسّع الكون. توضح النظرية الآتي..

أنه في لحظة زمنية سحيقة للغاية مُقدّرة بـ 13.8 مليار سنة؛ وقبل وجود الزمان والمكان، وقبل وجود أي شيءٍ يُذكر، حدث انفجارٌ هائل في الفراغ المُعتم؛ من كتلة ميكروسكوبية، أصغر من أصغر جزء من مكونات الذرة.

هذه الكتلة الميكروسكوبية الهائلة؛ كانت تحتوي على كل شيءٍ موجود في الكون الآن -اكتشف، أو لم يكتشف- ؛ بشكلٍ مضغوط ومُحكم وبكثافة لامُتناهية؛ تُسمى “متفرد” أو الفردانية.

عند لحظة البدء؛ انفجرت تلك الكتلة الميكروسكوبية في كل مكانٍ؛ في آنٍ واحد؛ بُسرعة أكبر بكثير من سرعة الضوء. فمُلئ الفضاء الفارغ كُله، وتبعثر كل جُسيم في كل مكان.

صَاحَبَ ذلك الانفجار؛ طاقة هائلة بدرجة حرارة عالية للغاية لن تستطيع حتى تصّورها، أو إدراك تأثيرها! بعد هذا الانفجار؛ كانت المهمة الوحيدة التي سَلكها الكون هي التمدد بعيداً عن موضع بدايته.

فبدأ الكون بعد ذلك في رحلة البناء تدريجياً خلال ثلاثُ دقائق فقط؛ وفقاً للتسلسل الآتي ..

أولاً: بعد جزء من مئة من الثانية، هبطت درجة حرارة الكون إلى ما يقرب من 99.85 مليار درجة مئوية. هذه الحرارة؛ أسخن من درجة حرارة مراكز النجوم التي يُعرف عنها كأعلى حرارة على الإطلاق. هذه  الحرارة؛ كافية لجعل مكونات المادة “الجزيئات، الذرات، النواة الذرية”، جميعها غير قادرة على التماسك فيما بينها.

كان الكون مُجرد حساء كوني؛ مُكوّن من الإلكترونات و مضاداتها “البوزيترونات”؛ و الجسيمات التي لا كتلة لها؛ مثل (الفوتونات، والنوترينوات ومضاداتها).

#البوزيترونات: هي جسيمات أولية لا تدخل في تكوين المادة العادية في نواة الذرة والنيوترون، وتعتبر هو الجسيم المضاد للإلكترون.

خلال هذه المرحلة تحديداً، كان الكون يتوسع، ويبرد بسرعة مرهونة بشرط أن كل قسم من الكون؛ كان يبتعد عن أي مركز في الفضاء بسرعة انطلاقه. لم يكن يوجد سوى عدد قليل من الجسيمات النووية (بروتون واحد، أو نيوترون واحد؛ مُقابل كل مليار فوتون، أو إلكترون، أو نيوترينو).

#نيوترينو: يعتبر جسيم أولي بكتلة أصغر كثيراً من كتلة الإلكترون، و ليس له شحنة كهربائية.

ثانياً: انخفضت درجة حرارة الكون إلى 29.85 مليار درجة مئوية؛ في جزء 0.11 من الثانية. ظلّت محتويات الكون كما هي (إلكترونات، بوزيترونات، نيوترينوات ومضاداتها، وفوتونات). نقصت كثافة الطاقة إلى ما يقرب من 30 مليون مرة؛ من كثافة الطاقة المحتواة في كلته السكون للماء العادي.

نقصت سرعة التوسّع؛ بحيث أصبحت المدة المميزة لتوسع الكون 0.2 ثانية. والجسيمات النووية مازالت قليلة العدد وغير مرتبطة في نوى ذرية.

ثالثاً: انخفضت درجة حرارة الكون أكثر حتى وصلت إلى 9.85 مليار درجة مئوية، مر منذ بدء الكون زمن 1.09 ثانية. بدأت النيوتريونات ومضاداتها تسلك سلوك الجسيمات الحرة؛ بسبب انخفاض درجة الحرارة.

رابعاً: درجة حرارة الكون وصلت لــ 19.85 مليار درجة مئوية، والزمن منذ اللحظة الأولى؛ 13.82 ثانية. الكون مُستمر في التوسّع؛ و أصبح بارداً بحيث تكفي تلك البرودة؛ لإتاحة الفرصة أمام النوى المُستقرة – مثل نواة الهيليوم- بالتكوّن.

سبب ذلك؛ أن البرودة سمحت لجسيمين بالتفاعل سوياً مع بعضهما؛ أدى ذلك لتشكل النواة. أيضاً تستمر النيوتريونات بالتحول إلى بروتونات، وبسرعة أقل مما سبق.

خامساً: درجة الحرارة في الكون 99.85 مليار درجة مئوية، أكثر من حرارة مركز الشمس بسبعين ضعفاً. مرت 3 دقائق من عُمر الكون. معظم الإلكترونات والبوزيترونات اختفت من الكون، وأصبح الكون مكوّن بشكلٍ رئيسي من الفوتونات والنيوترينوات ومضادتها. الكون بارد بحيث أصبحت نواة الهيليوم؛ مُستقرة.

سادساً: وصلت درجة الحرارة في الكون إلى 29.85 مليون درجة مئوية، تفانت كُلاّ من (الإلكترونات والبوزيترونات)، عدا فائضٍ بسيط – واحد من مليار – من الإلكترونات؛ الذي بَقِيَ يُكافئ الشحنة الكهربائية. الطاقة التي انطلقت من تفاني كلتا المادتين؛ ساعدت على إبقاء درجة حرارة الفوتونات أعلى من حرارة النوترينوات بنسبة 40.1%.

أصبحت الكثافة الكونية مُكافئة لـ 9.9% من كثافة الماء. تعطي هذه الكثافة للكون مدة مميزة لتوسعه تساوي ساعة وربع تقريباً.

توقفت التفاعلات النووية بسبب أن معظم الجسيمات النووية أصبحت مرتبطة في نوى الهيليوم، أو بروتونات حرة. وهناك إلكترون مُقابل بروتون حُر أو مرتبط. أيضاً؛ لا يزال الكون حاراً بحيث لا يسمح للذرات المستقرة أن تُحافظ على إلكتروناتها.

يستمر التبريد والتوسع في الكون، والزمن اللازم لكي تهبط درجة الحرارة إلى نقطة يمكن فيها للإلكترونات والنوى أن تُشكل ذرات مستقرة، واختفاء الإلكترونات الناتجة عن ذلك؛ يجعل محتوى الكون عندئذٍ شفافاً أمام الإشعاع.

هذا الانفصال بين المادة والإشعاع، يسمح للمجرات والنجوم أن تبدأ بالتكون. وبعد 10 مليارات سنة؛ تبدأ كائنات حية بإعادة هذه القصة.

وفقاً لما سبق؛ يتضح أن المواد التي خلفتها الثلاث دقائق الأولى من عُمر الكون، والتي تشكلت منها النجوم؛ كانت تتألف من (الهيليوم بنسبة 22 – 28 %، و الباقي من الهيدروجين). هذه النتيجة تقوم على فرضية أن الفوتونات هي أكثر عدداً من الجسيمات النووية. و ترتكز هذه النتيجة أو الفرضية على قياس درجة الحرارة الحالية للخلفية الكونية لإشعاع الراديو؛ الذي يُقدّر بـ3 درجة كلفن ( – 270.15 ) درجة مئوية.

مصدر: مقتبسات من كتاب أول 3 دقائق من عُمر الكون للدكتور ستيفن واينبرغ.

تكون النجوم

عند بداية تكون النجوم؛ كانت أولى العائلات النجمية التي تكونت؛ يُرمز لها بالرمز ” lll “. كانت ذات حرارة عالية للغاية؛ بسبب استهلاكها الشديد للهيليوم والهيدروجين، ولهذا تحولت العناصر الخفيفة التي تتكون منها النجوم – الهيدروجين والهيليوم – إلى عناصر أخرى ثقيلة.

تكون المجرات

تجمعت أحجام كبيرة من المادة؛ مُكونة مجرة. و يعتقد أن تلك الطريقة كونت العائلة النجمية ”  ll “، ثم تبعتها تكون العائلة النجمية ” l “. هذه الأخيرة؛ هي العائلة النجمية التي من ضمنها الشمس في مجرة درب التبانة، تتميز بتكوينات من الهيدروجين والهيليوم، بالإضافة لنسبة كبيرة من العناصر الثقيلة.

وفقاً لعلم التاريخ النووي للكون؛ يُعتبر القرص الرقيق لمجرة درب التبانة تكون منذ 8.3 مليار سنة ضوئية.

تكون المجموعات وعناقيد المجرات

تعمل قوى الجاذبية على جذب المجرات بعضها البعض لتكوين مجرات، وعناقيد المجرات، وعناقيد مجرّية هائلة.

تكون المجموعة الشمسية

تكونت أجسام لها مقاييس المجموعة الشمسية، و تعتبر الشمس نجماً من جيل متأخر، حيث تحتوي على بقايا نجوم سابقة من النجوم الأخرى. و تُقدر الفترة الزمنية التي تكوّنت فيها الشمس منذ 5 مليار سنة، أو بين 8- 9 مليار سنة؛ بعد الانفجار العظيم.

عشر صور مجهرية تُظهر كيف بدأت الحياة على الأرض !

هذا الوثائقي؛ يختصر كل شيء منذ البداية، حتى وجود الحياة على الأرض

مصدر

الكون اليوم

بما أن مسيرة الكون منذ البداية هي التمدد؛ فهو لا زال إلى الآن يتمدد بتسارعٍ كبير. ويطلق مصطلح تسارع الكون على تباعد المجرات عن بعضها البعض من جهة، وعن مجرة درب التبانة من جهة أُخرى، الذي اكتشف عام 1998.

هذا الوثائقي؛ سيأخذك في رحلة داخل هذا الخَلْق العظيم كاملاً؛ الذي بدأ بانفجار كتلة ميكروسكوبية

كُتب تستطيع الاستفاضة منها في معرفة الكون منذ البداية وحتى النظريات المُستحدثة.

أخيراً.. حين تصل إلى هنا، ستقف مندهشاً لتستعيد وعيك وإدراكك بكل ما سبق. ستُدرك حرفياً أن الحياة بكل ما فيها من مُعضلاتٍ و أسرار؛ بدأت من كتلة ميكروسكوبية ذات كثافة لا يمكن تصوّرها، ولا تُصنّف تلك الكتلة ضمن أيّ مادة نعرفها. شيءٌ ما أوجد المادة و مكوّناتها، والكون بما يحمل من طاقة هائلة بُردّت تدريجياً لمليارات السنين.

ستدرك كشخصٍ عادي؛ أنّ لا شيء على هذه الأرض مهما كانت ضخامته وتعقيده؛ لا يساوي مثقال ذرة أو أقل من ذلك بمليار المليارات من المرّات؛ وسط الكون اللامتناهي.

3

شاركنا رأيك حول "أول 3 دقائق بعد الانفجـار الكبير في عُمــر الكون ! – تقرير"