“منزل السيّدة البدينة” تصلح لكاتب مبتدئ عن أن تحمل اسم مثل د. تامر إبراهيم عليها!

رواية منزل السيدة البدينة للكاتب تامر ابراهيم
1

يمتاز “تامر إبراهيم” عن غيْره من كُتّاب جيله بأسلوبه القويْ، وبجُرعة أدبيّة عالميّة، ففي قصصه ورواياته لا يُعايش القارئ مجرد حكاية مُخيفة بحَبكة جيّدة وسط حبكات لا يمكن التنبؤ بها، بل يُضاف إلى هذا الأسلوب الأدبي المُتماسك والصياغة اللغويّة السهلة، علاوةً على ذلك نجد أنّ أغلب قصصه بها لمحات إنسانيّة بسيطة لا تخلو من قوّة، وليْست مجرد قصص مُرعبة، فيضع “تامر” الرعب والتشويق في قالبٍ واحد وفي قصص مُختلفة النهايات والمضمون، مُمتزجة بسحر الرُعب وإثارته.

يصف تامر نفسه بأنّه (كاتب يعشق الرعب و يرى فيه ذات السحر الرومانسي الذي رآه “لافكرافت Lovecraft ” و “إدجار آلان بو Edgar Allan Poe ” و “ماري شيلي Mary Shelley “)

وفي (منزل السيّدة البدينة) الصادرة عن دار الكرمة، يأخذنا تامر في حكاية أخرى.

عن الغلاف

غلاف رواية منزل السيدة البدينة

للوَهلة الأولى سيلفت نظرك الغلاف بما أنّه جاء مُتقنًا مُبهرًا وجميلًا من تصميم (أحمد مراد)، لكن الجميع أعاد التفكير في هذا الإبهار الجميل، عندما علم أنّ الغلاف في الواقع ليْس أصليًّا، وأنّه مأخوذ من غلاف المجموعة القصصية الأسبانية:

The mansion of crows – and other accounts of haunted houses \ (منزِل الغِربان والبيوت المسكونة وأشياء أخرى)، لكن برأينا حتى لو كان الغُلاف مُقلّدًا / مسروقًا فهذه غلطة دار النشر – أو بالأصح المُصمم الذى استعانوا بيه – أكثر منه خطأ الكاتب نفسه الذي من الصعب عليه أن يعرف إذا كان الغلاف مسروقًا أو متشابهًا مع غلاف آخر أم لا.

اقتباس أحمد مراد علاف رواية منزل السيدة البدينة للكاتب تامر ابراهيم

أمّا العنوان، فقد اختلف القُرّاء بشأنه، فالبعض وجده مبتكرًا وظريفًا ومختلفًا، وآخرون وجدوه مبتذل، لكن المضحك وغير المُتوقّع أنّ أحد القُرّاء ظن أنّه كتاب عن التخسيس!

عن الأحداث

  مُلاحظة: بما أنّ الحكاية والسرد والحجم وكل شيء لا تجعل منها روايةً، بل أقرب للنوفيلا Novella  – وهوَ نوع من الأدب أطوَل من القصة القصيرة و أقصر من الرواية -. لذا، سنشير إليها هاهُنا بالقصة).

القصة سرديّة يسردها اثنان، بطلان مجهولا الاسم والهويّة، تدور أحداث القصة في زمان ومكان مجهوليْن كذلك، بخطيْن زمنيّين، حيثُ مصّاص الدماء، ذلك الجندي العادي الفاني الذي ما كان يجب أن يكون مصّاص دماء، ومحاولته قتل سيّدة بدينة كانت جميلةً يومًا ولم يكن عليها أن تكون بدينةً أو ذات حياةٍ بائسة، شخصان مليئان بالغضب والحزن والبؤس، بالإضافة لغريزة البقاء بيْن مصاص الدماء والسيّدة البدينة التي تلعب لعبتها بينهما، لتتلاقى الأطراف، وتتطوّر الأحداث.

قراءة في القصة

“كان يعرف أنّ عليه أن يخرج من هنا وبأي ثمن، الخيارات أمامه عديدة، لكنَّ واحدًا منها فقط سيقوده إلى حيث يريد، بينما لن يقوده الباقي إّلا لهلاكه، عليه أن يحسم أمره وبسرعة، عليه أن يتمالك نفسه وأن يسيطر على أعصابه وأن يختار، ثم عليه أن يتحمل نتيجة اختياره!”.

[مقطع من القصة]

بعد (حكايات القبو) و(حكايات الموْتى) و(ثُنائية “صانع الظلام”)، غاب تامر طويلًا ثم خرج لنا بـ قصة بعيدة كل البُعد عن أجواء الثنائية، إلاّ أنّها جاءت مُحبطة جدًا ومليئة بالثغرات، يُقال بأنّه بعد الروايات الناجحة هذا ما يحدث غالبًا، فقد كان القُرّاء ينتظرون شيئًا أقوى وأكثر تميّزًا. لذا، كانت الصدمة التي جعلت من الصعب التصديق أنّ (منزل السيدة البدينة) لنفس الكاتب.

فعلى عكس الأسلوب المُميّز للكاتب إلاّ أنّ هذه القصة كانت ضعيفة الحبكة وركيكة الأسلوب، بطيئة الإيقاع جدًا وفكرتها عادية للغاية، بينما الوَصف كان غير دقيق وضعيف للشخصيات وكذلك الأماكن، لدرجة بدت لي غير مصقولة وأشبه بمسوّدة أوليّة، وأنَّ كلّ ما هو بعيد عن الإثارة في القصة جاء سطحيًا تمامًا، المشاعر، الذكريات، كل شيء، كأنّها مكتوبة على عجَل وبـ لُغة ركيكة جدًا، أحداثها تبدأ مُشوّقة إلى حد ما ثم لا تلبث أن تتباطأ لتأخذنا داخل دائرة من الملل والرتابة، بعد أن فقد الكاتب – على ما يبدو – سيْطرته على خيوطها.

وبعد أن كان قراءة اسم (تامر إبراهيم) على أي عمل سبب كافٍ جدًا لشرائه دون تفكير، فقد تغيّر الأمر بعد هذه القصّة، فأين هو “تامر” الذي اعتاد ارتياد أماكن غير مسبوقة في الرعب وطرح أفكار غير تقليدية؟ فلا يوجد التسلسل المُمتع وكثرة المفاجآت التي اعتدناها منه، هناك مط وتطويل لا داعي لهما، وهناك مقاطع كان من الممكن أن تُختصر، ليُنهيها بكثير من الأسئلة التي لم يُجب عنها.

عن الشخصيات

مصاص دماء: يفتقد أشعة الشمس، ويشعر بحنين لأيام كان بشريًا فانيًا ومتزوجًا، يحب الربيع ويحاول البحث عن جماله حتى الآن ولكن ليلًا وليْس نهارًا كما كان فيما مضى، رائحة الحزن المنبعثة من بيت السيدة البدينة تجذبه، يشعر برائحة غريبة مألوفة تنبعث من منزلها، هناك شيء ما خاطئ، بعيدًا عن كوْن صاحبة المنزل سيدةً شرهةً للأكل بشكل مَرضي، فإنّه يكره عدم تقديرها جمال حديقتها حتى في الربيع، أمثالها لا يستحقون العيش، فليسدّ جوعه بها الليلة.

السيدة البدينة: كانت جميلة يومًا كما تزعم، تزن الآن 535 كيلو جرامًا، وتتحرك على كرسي متحرك بعدما لم تعد أقدامها قادرة على تحمّل وزنها، تسكن بيتًا كبيرًا كان فخمًا ذات يوم، أهملت حديقة بيتها، تتغلّب على أحزانها بتناول الطعام، توافق على دعوة مصاص الدماء لدخول بيتها بسهولة مريبة، تنصبُ لمصاص الدماء فخًا لتحبسه في متاهة معقدة مصنوعة من الفضة، تتلذذ بتعذيب مصاص الدماء وهي تمضغ الطعام في مكبرات صوت.

نظرة على الجانب الإيجابي من القصة

عادةً ما تكون القصص المصريّة التي تتّبع هذا النوع من قصص مصّاصي الدماء دومًا ساذجة، وكثيرًا ما تكون سطحيّةً بلا خطوط دراميّة مُتشعّبة، ومُتداخلة وبلا دهشة حقيقيّة.

ومع إبداع المئات في خلق روايات وقصص وأفلام بطلها مصّاص دماء بشخصيّته المُعقدة والقديمة، وبتفاصيله الدقيقة وأشكاله المختلفة، ومعلوماته المُتعدّدة والكثيرة جدًا، وبسبب الأفلام والروايات الأجنبية مُختلفة التناول، إذًا كان لا بُدّ من المقارنة، والتي للأسف لم تكن في صالح قصة “تامر” على الإطلاق.

لكن إنصافًا للقصّة، يجب الإشارة إلى أنّها كانت في بداية الأحداث مُبشّرة بشدّة، جيّدة للغاية، خاصةً تركيز الكاتب على العلاقة بين الضحيّة والجاني، ومشاعر الانتقام المُتبادلة بينهما، تصوير غريزة البقاء بين الاحتجاز بالمتاهة ومُحاولات الهروب، والصيّاد الذي يصير فريسة والفريسة التي تصير صيّادًا، في مواقف جاءت مُختلطة بالمشاعر النفسيّة، كما أنّ أسلوب السَرد في الأجزاء الخاصة بالمعركة كان جيّدًا إلى حدٍّ ما، بالإضافة للفكرة الجديدة المبتكرة (المتاهة الفضية)، ولا ننس الإشادة بالأسلوب السينمائي السلِس في رسم المشاهِد.

تامر إبراهيم والعرّاب

دكتور أحمد خالد توفيق
يُعتبر (تامر إبراهيم) مُتشبّعًا تمامًا بأسلوب (أحمد خالد توفيق) مؤسس أدب الرعب في مصر والأب الروحي له، بل إنّ “تامر” تقريبًا هوَ الكاتب الوحيد الذي لا يتضايق قُرّاء دكتور أحمد خالد توفيق من سيْره على خُطاه، أو تأثّره بأسلوبه – وإنْ لم يتقنه –  فهُم يعتبرونه الوريث الشرعي له، يقول د.أحمد بنفسه عنه: (يعبرُ تامر إبراهيم بسلاسة ذلك الحاجز الفاصل بين التشويق والرعب، ليُبرهن على أنّه لا يوجد حاجز أصلًا، وأنّ هروَلة الوقت ذاتها قد تكون مُرعبةً أكثر من قبوْ يعجّ بالتوابيت، في الوقت ذاته هو قادر تمامًا على ارتياد عوالم رعبٍ لا أجرؤ على ارتيادها).

وهنا مازال تامر يؤكد أنّه تلميذ أستاذه، فبيْن جنبات القصة، وكذلك من خلال طريقة سرده للأحداث، نجد آثار دكتور أحمد خالد توفيق هنا وهناك.

في الختام، “تامر” معروف بيْن قرّائه بأسلوبه الأدبي القوي، وبجموح الخيال، وأنّه دومًا ما يأخذهم لأماكن بعيدة، ويصنع قصة بلا فذلكة أو رعب معوي، بل الرعب النفسي العادي غير المؤذي، أو مزيج من الرعب النفسي والرعب العضوي، مُمتزجيْن بأحداث غير متوقعة، وخيوط متشابكة، ومُعقّدة، حيْث يسحب بسلاسة قُرّاءه في كل قصةٍ إلى عالمها جاعلًا إيّاهم يعيشونها حرفيًّا، قصصه مكتوبة حقًا بذكاء شديد وبالكثير من التدقيق في كل تفصيلة مكتوبة، وبقدرة عالية على تشويق وجذب انتباه القارئ حتى السطر الأخير. لذا، فـ (منزل السيّدة البدينة) تصلح لكاتب مبتدئ أكثر من أن تحمل اسم كاتب مثل د.تامر إبراهيم عليها.

هل قرأت هذه القصة؟ شاركنا برأيك فيها.

1

شاركنا رأيك حول "“منزل السيّدة البدينة” تصلح لكاتب مبتدئ عن أن تحمل اسم مثل د. تامر إبراهيم عليها!"

أضف تعليقًا