تعدد الخيارات وذهنية المستهلك…. نظرة عن كثب

overchoice
0

تبيع سلسلة المتاجر الشهيرة القريبة من منزلي 135 نوعًا من فلاتر تنقية المياه، كما أن هُناك 1169 شركة لبيع الفلاتر متواجدة في مدينتي. أنا أعرف هذا لأنني قضيت مؤخرًا أمسية في محاولةٍ لاختيار واحدًا منها كهدية لعيد الأم. هل تعتقد أنني تلك الفتاة التي تحضر أواني الطعام وأطقم الأكواب كهدية لوالدتها؟! لا. أنا أحضر الأسوأ دائمًا.

بعد ما يقرب من ساعتين في التجول داخل المتجر، وبعد قراءة عدد لا يحصى من المراجعات المتناقضة عن الشركات المنتجة المتوافرة على الإنترنت، واللجوء لصديقة مقربة لتقترح لي نوعًا بما أنها تمتلك خبرةً كبيرة في هذا المجال، والتدقيق في الكثير من الخيارات المتاحة، شعرت بالقلق والتعب والحزن والامتغاص، وببساطة استسلمت.

في اليوم التالي، استيقظت على رسالة من صديق مقرب يقترح علي نوع محدد بعينه من الفلاتر، بل ويلحق برسالته رابط لموقع الشركة المصنعة، وقد قدمت عرضًا ترويجيًّا رائعًا لعيد الأم. شعرت بالسعادة، لقد كان هذا النوع أمامي طوال الوقت، غير أن التوصية المحددة بالشراء من شخص بعينه لنوع بعينه، بالإضافة للعرض الترويجي، أزاحت من على ذلك المتربع فوق كتفي عبء الوقوع في الاختيار.

شخصية مثلي ما كانت لتمرر ما حدث معها من سلوكٍ شرائي دون البحث عن تفسير منطقي، يخضع لعلم التسويق، ودراسة سلوك المستهلك.. يمكن أن يساعدنا فهم الإجابة على تساؤل: كيف ولماذا نتخذ القرارات؟ وهل نتخذ خيارات أفضل في النهاية؟

كيف تختار مجال العمل الحر الأنسب لمهاراتك وقدراتك

فن الاختيار أم أزمة الاختيار؟

زيادة الاختيارات المتاحة

المزيد من الخيارات المتاحة والمتعددة والممكنة، يعني وجود المزيد من الاحتمالات لتكوين قرار مناسب. نعم، يبدو هذا صحيحًا تمامًا، ولكن على الجانب الآخر، هذا هو السبب في أن اتخاذ القرار نفسه ينقص من سعادتنا، ويجعلنا نأسف على الخيارات البديلة التي كان من الممكن أن نتخذها عوضًا عن الخيار الذي تم اختياره بالفعل.

مع زيادة عدد الخيارات المتاحة، فإن التكاليف والوقت والجهد لجمع المعلومات اللازمة لاتخاذ خيار جيد تكون أيضًا في زيادة. علاقة طردية، بالتزامن مع انخفاض مستوى اليقين لدى الأشخاص عن اختيارهم، وتوقع أنهم سيندمون على خيارهم. أي علاقة عكسية.

يمكن أن يعزى العديد من هذه الخيارات المتزايدة إلى التكنولوجيا الحديثة. وهي ظاهرة طبيعية أصبحت وباءً في عصر الإنترنت. متجر البقالة يبيع مئات معاجين الأسنان، ويمتلك Walmart في المتوسط 100000 منتج، ويعرض أمازون ملايين الكتب.

وفي الوقت نفسه فإن الشخص العادي يتخذ حوالي 70 خيارًا في اليوم. من الواضح أن الرياضيات لا تعمل لصالحنا. ليس هناك وقت لإجراء كل هذه الحسابات.

في مجتمع اليوم، لدينا سهولة الوصول إلى المزيد من المعلومات والمنتجات والفرص. ومع وجود العديد من الخيارات في حياتنا الشخصية والإبداعية والمهنية، يمكن أن يقودنا ذلك إلى تجنب اتخاذ قرارات مهمة من الأساس.

هناك الكثير من الخيارات التي تستنفذنا وتجعلنا غير سعداء، وتقودنا في بعض الأحيان إلى الفرار من اتخاذ القرار. فنختار أن لا نختار، حتى ولو كان ذلك ضد مصالحنا الخاصة.

يقول الباحثان «Aner Sela – أنير سيلا» و«Jonah Berger – جوناه بيرغر» إن الحياة الحديثة قد وضعت الكثير من الناس في خانة يسمونها «Decision Quicksand – قرار الرمال المتحركة». من الصعب الاختيار من بين المئات من خيارات معجون الأسنان، وتخلط أدمغتنا بين “الصعب” و “المهم”. وهكذا ينتهي بنا المطاف في حلقة تكرارية مخيفة، ننفق المزيد والمزيد من الوقت على قرارات أقل أهمية وأقل أهمية.

يصف الباحث «Barry Schwartz – باري شوارتز» هذا الشعور السيئ عند الإقدام على عملية اختيار بين المتاح والمتعدد من خيارات بعبارة Overchoice أو choice overload أي الحمل الزائد للخيار. وهي عملية معرفية، يصعب على الأشخاص فيها اتخاذ قرار عند مواجهة العديد من الخيارات المتاحة والممكنة.

ظاهرة نفسية تحدث عندما تتوفر العديد من الخيارات المكافئة. ويصبح اتخاذ القرار مربكًا؛ بسبب العديد من النتائج والمخاطر المحتملة التي قد تنتج عن اتخاذ خيار خاطئ. إن وجود الكثير من الخيارات الجيدة على قدم المساواة هو استنزاف عقلي؛ لأنه يجب الموازنة بين كل خيار ومقابل بدائل بهدف اختيار الأفضل.

ولا ينصب ذلك على مجرد تفاصيل غير مهمة، مثل: اختيار فلتر تنقية المياه، أو الفرشاة لمسح داخل المرحاض، تتضمن أمثلة الـ Overchoice أيضًا: زيادة الخيارات المتاحة لاختيار التخصص الجامعي، وخيارات العمل والعلاقات الرومانسية المحتملة، واختيار فيلم لمشاهدته على Netflix، وأي بنطال سوف تشتريه من Zara. إلخ.

وقد تم تقديم المصطلح لأول مرة من قبل «Alvin Toffler – ألفين توفلر» في كتابه «Future Shock – صدمة المستقبل»، الصادر في عام 1970.

كيف تبني سيرة ذاتية وملف خبرات (بورتفوليو) يحسن من فرصك في البدء بالعمل

أحقًا اشترت الحلوى لأنك مدمن لها؟

نحن نتخذ قرارات أكثر بؤسًا عندما نكون متعبين. لا يمكن للعقل فرز وتصنيف الكثير من الخيارات، وإجراء المفاضلة بين العديد من الخيارات بعد أن يبدأ في استنفاد طاقته. هذا هو السبب الذي يجعل من الصعب مقاومة الاندفاع، وعليه تختار محلات البقالة الكبيرة وضع أقسام الحلوى والشوكولا والمجلات في ممر الخروج من متجر البقالة. نعم. لقد استنفدنا إلى هذا الحد جميع مهاراتنا في صنع واتخاذ القرار.

وينطبق نفس الشيء على يوم عملنا. اتخاذ الكثير من القرارات لا يستنفذنا فقط، بل يمكن أن يضعنا في مزاج سيئ. ووجدت دراسة من جامعة كولومبيا أن القضاة كانوا أكثر ميلًا لإعطاء السجناء حكمًا مفضلًا في بداية اليوم، وبعد استراحة طعام، أكثر مما كان عليه في نهاية اليوم.

لذلك من المهم اتخاذ أهم قراراتك في الصباح، وليس في نهاية يوم مرهق عندما تنضب طاقتك. فراحة النوم لها بالفعل نفوذ عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات كبيرة.

إذا كان لديك العديد من الخيارات، فستتمكن من استغلال الطاقة الخاصة بك. عندما نكون متعبين، نميل إلى الحفاظ على طاقتنا، من خلال اتخاذ خيارات تستند إلى عامل واحد، مثل: السعر، على سبيل المثال، بدلًا من النظر في جميع المحددات الأخرى التي تدخل في اتخاذ أفضل قرار. عندما تفعل هذا، فأنت تتصرف كما يسميه الباحثون بـ Cognitive Miser أي بخل إدراكي.

تظهر دراسة أخرى من جامعة كولومبيا أن هذا يحدث عندما يتم منح المستهلكين الكثير من الميزات للاختيار من بينها، كشراء سيارة أو بدلة أو حتى عبوة مقرمشات. بعد فترة، يبدأ الناس في طلب الخيار الافتراضي بدلاً من تقييم كل قرار بعناية.

يمكن أن يحدث هذا أيضًا عند مواجهة قرار في عملك الإبداعي. بالنظر إلى الخيارات التي لا نهاية لها لطريق ما، يمكننا في بعض الأحيان أن ينتهي بنا الأمر مع المسار الأكثر تقليدية، ببساطة لأنه أسهل طريقة للذهاب إلى ما نريد إنجازه.

دعنا نرجع بعقارب الساعة إلى الوراء، وتحديدًا عام 2000، عندما اجتمع الباحثان «Iyengar – إيانجار» و«Lebber – ليبر» لإجراء دراسة تاريخية للبحث في المفارقة المحيرة للاختيار.

قبل هذه الدراسة التاريخية، كان هناك افتراض شائع بأن كلما توافرت مزيد من الخيارات، كان ذلك أفضل. يعتقد الاقتصاديون والمسوقون على حد سواء أنه من خلال تقديم المزيد من الخيارات، سيكون العملاء أكثر ارتياحًا لمشترياتهم.

جاء هذا الافتراض استنادًا إلى الأساس المنطقي الذي يفيد بأن الجميع مختلفون في أذواقهم ولهم تفضيلاتهم ورغباتهم متباينة، غير إنهم عقلانيون، وعليه يجب تلبية تفضيلاتهم ورغباتهم جميعًا بما يلائمها، ومن خلال توسيع نطاق المنتجات المعروضة، سيجد المزيد من الأشخاص خيارًا يناسب أذواقهم تفضيلاتهم ورغباتهم.

شراء منتجاتك ليس أمرًا بسيطًا
شراء منتجاتك ليس أمرًا بسيطًا.

وعلى عكس هذا الافتراض، وجد الباحثان مفاجأة أن الناس ليسوا عقلانيين. فقد وجد الباحثان أنه على الرغم من أن المستهلكين بدوا مفتونين ومدعومين بمزيد من الخيارات في البداية، إلا أن هذا الحماس تلاشى سريعًا. لدرجة جعلت أولئك المعرضين لـ 24 خيار مربى (بدلًا من 6 خيارات فقط) كانوا أقل عرضة للشراء من أولئك الذين شاهدوا تنوعًا أقل.

تعرف على 9 من مجالات العمل المهددة بالانقراض في المستقبل القريب

ضع حدود على خياراتك لاتخاذ أفضل قرار

إذًا، وكنتيجة لكل ما سبق، فإن وجود العديد من الخيارات المتاحة والممكنة أمامك ليس في مصلحة العلامة التجارية/الشركة/المتجر كما هو مربك ومحزن لك؛ لأنه سيقلل من فرص شرائك.

يمكن أن يساعدك فرض قيودك الخاصة عند محاولة إجراء اختيار في عملك المهني والإبداعي في اتخاذ قرار مدروس بشكل أفضل، فقد وجدت دراسة من جامعة نيويورك أن تقييد اختيار المدخلات الإبداعية يعزز في الواقع الإبداع. بعبارة أخرى، يمكن أن يساعدك السماح لنفسك بخيارات أقل للاختيار من الوصول إلى إجابة أكثر إبداعًا.

هل يكون 2019 عام سقوط الدولار 💲💲💲

0

شاركنا رأيك حول "تعدد الخيارات وذهنية المستهلك…. نظرة عن كثب"