أفونسو كروش.. هيا نشترِ شاعرًا

أفونسو كروش
1

تكاد الرواية أن تذهب في اتجاهاتٍ مختلفة، غير تلك التي خَبرها القارئ على مدار عقودٍ من الزمن، حيث اختلفت طرق السرد وأساليبه، اختلفت الحبكةُ والقًصص، وهذا ما يرمي إليه الروائي البرتغالي أفونسو كروش الذي سنتحدّث في هذا المقال عن أبرز رواياته وأسلوبه السرديّ.

دليلك لتأليف أولى رواياتك.. التعريف بخريطة الرواية وبعض النصائح – الجزء الثاني

الروائي البرتغالي أفونسو كْروُش
الروائي البرتغالي أفونسو كْروُش

من هو أفونسو كروش؟

اعتُبِر أفونسو كروش Afonso cruz‏ الفنان والروائي المولود في البرتغال سنة 1971 وفي مدينة فيغيرا دا فوز بالتحديد، من أهمّ الروائيين في وقتنا الرّاهن، وهو يعمل إلى جانب الكتابة الروائيَّة في مجال الرسم، كما ودرس الفنون الجميلة والآداب والتشكيل في جامعة لشبونة، إلى جانب عمله في الموسيقا والإخراج.

صدرت له روايات عدَّة، وما تُرجِم منها إلى اللغة العربيَّة لاقى استحساناً من النقَّاد والمشتغلين في المجال الروائي، لسلاسة أسلوبه وغرائبيَّة الأفكار الواردة، إضافةً إلى اللغة المختَزَلة والمقتضَبة وانزياحه الدائم نحو الفلسفة الحياتيَّة.

صدر له في اللغة العربية ترجمةً “الكتبُ التي التهمت والدي” بتوقيع المترجم سعيد بن عبد الواحد وعن دار مسكلياني، “دمية كوكوشكا” بتوقيعٍ من المترجمة مها عطفة، إضافةً إلى “الرسَّام تحت المجلى” بتوقيعٍ من المُترجمة الآنفة الذكر، وأيضاً: “هيا نشترِ شاعراً” بترجمة من عبد الجليل العربي وعن دار مسكيلياني للنشر.

حازت أعماله الروائية على عديد الجوائز، منها رواية “دمية كوكوشكا” التي حصلت على جائزة الاتحاد الأوروبيّ للأدب خلال العام 2012.


أسلوب أفونسو كروش في السرد

القارئُ لروايات كروش، لا بدّ وأن يتسلَّح باللا معرفةِ المُسبقَة، أي أنَّه سوف يتعرَّفُ إلى شخصياتٍ غريبة الأطوار، كما وسيتعرّفُ إلى نهاياتٍ لم يعهدها من قبل في العالم الروائي، وهذا ما يُضفي على الأسلوب التشويق والإثارة اللا مجانين، والهادفان بطبيعة الحال إلى التقرُّب من القارئ عبر الهمس في أذنه! وليس محاولة إقناعه بالمنطق أو ذرائعه البالية وفقاً لنظرة كروش.

لا يمكن أبداً التكهُّن بما يكتبهُ، إذ أنَّ التعقيد والفكاهة في محتوى أي عملٍ جديدٍ له يقضُّ مضجع الثوابت في عالم الرواية المعهود والمتَّفق عليه، فكل العناصر الموجودة ضمن الصفحات الأولى من أيِّ عملٍ يوحي بنهاياتٍ لن تكون محدّدَة بعينها، ولعلَّها ستُفاجئُ القارئَ حتماً.

يُظهِر كروش في العمل الواحد مجموعة أنماطٍ من التفكير تفصحُ عن مكنوناتها خلال الحوارات، أو عبر تصرفّات الشخصيَّات، حيثُ كل حركةٍ محسوبةٍ وكل مفردَةٍ كذلك، ناهيكَ عن المثابرةِ الدائمة على إثارة الأسئلة الفلسفيَّة الملحَّة، حالُ كلّ عملٍ أدبي جديدٍ له، ظواهر التسليع والحرب المستمرّة وغيرها من الأفكار الضخمة، نراها بين طيَّات صفحات أعماله تنقلبُ إلى تفاصيل صغيرة، سوى أنَّها جوهريَّة ومضمّخة بأسئلةٍ وجوديَّة، يناقشها بشكلٍ عكسيّ، عكسَ المُناقَش في أعمال أخرى عدا الرواية الأخيرة التي واظب كروش على الاستفادة منها في عمليَّة طرح المفاهيم التي تعتبر ضروريَّة في السرد وفهمه، حيثُ لا تسلسل معيَّن في أحداث الرواية، لكن وفي الآن ذاته نلاحظ الفوضى وهي تدوِّنُ نفسها وترتِّب بعنايةٍ مصائر الشخصيَّات، كلّ على حِدى.

الحركات الغريبة للشخصيَّات الروائية داخل أي عمل روائي لـ أفونسو، يضفي طابع السحريَّة، لأنّها شخصيات من المستحيل أن تكون موجودة، أو للابتعاد عن المبالغة، سنقول أنّها نادرة الوجود جداً، فأحدهم يدور حول الطاولة لكي يستوعب ما يقرأه، أو أحدهم سيجلس على كتب لكي تطال يده الصحون التي على الطاولة، تصرّفات سحريَّة لكامل الشخصيَّات منذ طفولتها وحتّى نموّها داخل العمل الذي لا يلبث أن ينتهي حالَ وصولَ الشخصيَّات إلى نضجها العمري.

أهم دور النشر المهتمة بالرواية في العالم العربي – الجزء السابع

الرسَّام تحت المجلى

رواية: الرسَّام تحت المجلى
رواية: الرسَّام تحت المجلى

إنّه لمن المؤسف أن يلقى شخصَان حتفهما بسبب صورةٍ بلاغيَّة

صَدرت رواية الرسام تحت المجلى لدى دار مسكيلياني خلال العام 2018 بترجمةٍ من مها عطفة، وبدايةً من العنوان المُلفِت للنظر، والذي يحتوي حركةَ رسَّامٍ يقبعُ تحت المجلَى! انتهاءً بالمصائر الغريبة للشخصيات بشكلٍ عام، تلك الشخصيَّات التي تظهر فجأةً وتختفي كذلك، دون أن تتركَ أي أثرٍ خلفها ليقتفيه القارئ، سوى بعض المفردات التي تتمّ استعادتها كنوعٍ من التذكير ليس إلَّا.

وكما في كلِّ روايةٍ، يذكر كروش أسماء شخصيَّاته مستنداً إلى قاعدةٍ يؤمنُ بها، وهي أنّ القرّاء يعرفون شخصيَّاته! دون مقدِّماتٍ يلجأُ إليها، ليرى القارئ نفسه أمام أسماءٍ جديدة تَثِبُ إلى داخل العمل، وربمَّا ما يدلُّ على الشخصيَّة مفردةٌ واحدة، أو لعلّه يشير إلى سنين عمره، لنلقى الشخصيَّة بغتةً داخلة في صلب العمل لبضع صفحاتٍ ومن ثمَّ نراها تختفي بعدها إلى لا عودة.

تتضمّن الحكايةُ في هذا العمل، قصَّة الرسَّام جوزيف سورس، الذي يبتلي بالحبّ، ومن ثمّ تلوح في حياته جريمة قتل والده لضابط عن طريق الخطأ، لتبدأ الرحلة التي تبدو للوهلة الأولى متعبةً للقارئ، سوى أنَّها سرعان ما ترسمُ الخط السردي الغريب، إضافةً إلى شخصيَّاتٍ غريبة الأطوار.

قصة جريمة القتل، التي ابتُليَ بها والد جوزيف لأنّه فقط لا يفهم في الاستعارات، تفضي بنا إلى فهم مجريات بعض ما يجري في العالم حولنا، الولاء الأعمى لفكرة أو لتيار معيَّن وغسل الأدمغة البشريَّة وما يتبع ذلك من مخاطر وكوارث بشريَّة، ففي حوارٍ بسيط بين الضابط وصديقه حول سرّ الجريمة يقول الضابط: “إنّ ما تحمله في صدرك -وكان العقيد يقصد القلب البشري- هو أشدّ الأسلحة فتكاً على الإطلاق. إنّه الحجر الذي قَتل به قابيل أخاه هابيل”.

والد جوزيف ركّز على عبارة “الأشدّ فتكاً” لتوديه إلى هلاكِ الجريمة ويقتل الضيف دون أن يكلّف نفسه في فهم القصد “إنّه لمن المؤسف أن يلقى شخصَان حتفهما بسبب صورةٍ بلاغيَّة”.

سبب القتل بحد ذاته غرابة ما بعدها غرابة في عالم الرواية. السخرية من الفلسفة ربمّا، أو ربمّا أيضاً ضرورة محاولة قول الشيء بأشدّ الكلام بساطةً هو ما يتمّ التركيز عليه في العمل على لسان بعض الشخصيات.

الكتب التي التهمت والدي

رواية: الكتب التي التهمت والدي
رواية: الكتب التي التهمت والدي

إنَّ العالم ليس سوى استعارة

اعتُبِرَت رواية “الكتب التي التهمت والدي” من أغرب ما كتبه أفونسو كروش فالعالم الغرائبي سوف يزداد تعقيداً وتشابكاً في هذا العمل أكثر من رواياته الأُخرى.

صدر هذا العمل بترجمة من سعيد بنعبد الواحد وعن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع، هذا الامتزاج بين العالم الواقعيّ والعالم التخيلي ضمن العمل يفضي بنا إلى تذكّر مقولةٍ لـ كروش: “إنَّ العالم ليس سوى استعارة”، كما وسنتذكَّر في روايته هذه، كلّ مقولات الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس حول المكتبة، كما وسيثِبُ إلى أذهاننا أيضاً ألبرتو مانغويل وأُطروحاته حول المكتبة.

حكايةُ الوالد فيفالدو بونفين المهووس بالقراءة والعامل في مصلحة الضرائب وابنه الياس، حيث يختفي الأبّ فجأةً، وتلتهمه رواية “جزيرة الدكتور مورو”، وتبدأ رحلة الابن في البحث عن أبيه ضمن طيَّات الرواية، ومن ثم الانتقال إلى لعبة تغيير الشخصيّات والاستفادة من الأعمال الروائيَّة القديمة، حيث تودي به الأحداثُ والحكاياتُ نحو أبطالٍ كانوا شخصياتٍ في روايات معروفة، يغيّر مصائر تلك الشخصيَّات، ليكون السردُ متعدّد الأوجه، الدخولُ إلى روايةٍ واللقاء بشخصياتها ومن ثم الخروج منها إلى أخرى وهكذا دواليك، كلّ ذلك ضمن قالبٍ مُختَزَلٍ ومكثَّفٍ دونما أيَّة رتوش لا طائل منها، حيثُ حاول الروائي في هذا العمل أن يجرِّب ما يمكن أن تؤول إليه أحوالُ الشخصيَّات الكتابيَّة التخيليَّة حين تغدو واقعاً سرديَّاً ضمن حكايةٍ واحدة.

ما هي أبرز الروايات التي شكلت وعي الشعوب بأهمية القراءة؟ 📖

هيا نشترِ شاعراً

رواية: هيا نشتر شاعراً
رواية: هيا نشتر شاعراً

إنّ أبيات الشعر تحرّر الأشياء. وإنّنا حينما ندرك شاعرية الحَجَر فإننا نحرّره من “تحجّره” ننقذ كل شيء بالجمال. ننقذ كل شيء بالشعر. ننظر إلى جذع ميّت فنبعث فيه الحياة

صدرت رواية هيا نشترِ شاعراً في نسختها العربية بتوقيع من المترجم عبد الجليل العربي ولدى دار مسكيلياني للنشر، وكان أول عملٍ للكاتب يُترجَم إلى اللغة العربيَّة. تروي الرواية حكاية الماديَّات والجشع، حكاية الجرامات المهمَّة من الأشياء في الحياة البشريَّة، بأسلوبٍ هجائيٍّ فيه محاولة انتقامٍ من الغلاء وحسابِ كلِّ شيءٍ في العالم بالأرقام والنسب المئويَّة.

تبدأُ الحكاية حين تقرّر بطلة القصة أن تشتري شاعراً وتقومَ بتربيته! فالشعراء ليست لديهم مشاكلَ ولا يقومون بتخريب البيت ولا يلوّثون الجدران كما يفعلُ عادةً الفنّانون التشكيليَّون أو الرسَّامون مثلاً، تعتني العائلةُ بالشاعر كأيّ حيوانٍ أليفٍ أو أي لعبةٍ لصغير، مخصّصين له مكاناً في البيت، ويشترون له الطعامَ، سوى أنَّ الشاعر يبدأ مع مرور الأيَّام بالتسبّب في المتاعب، محاولاً أن يجرَّ البطلة إلى عالمه الغرائبيّ.

تكادُ تكون الروايةُ هذه دفاعاً عن الشعر وعن تأثير الكلمةِ في الحياة.

دمية كوكوشكا

رواية: دمية كوكوشكا
رواية: دمية كوكوشكا

روايةٌ غرائبيَّة أخرى، مُضافة إلى سلسلة أعمال البرتغالي أفونسو كروش صدرت عن دار مسكيلياني للنشر وبتوقيع من المترجمة مها عطفة، وحصلت على جائزة الاتحاد الأوروبي للأدب خلال العام 2012.

دمية كوكوشكا رواية مليئة بالتناقضات العجيبة، حيثُ ما من خطٍّ سرديٍّ واضح، أو شخصيَّةً يمكن للقارئ أن يتشبَّث بكلامها وحركاتها كي يفهم خيوطَ السرد أو يمسكَ بخيطِ محاولة الفهم، حكاياتٌ عدَّة لشخصيَّاتٍ كثيرة نراها متباعدة في بعض الأحيان، وأحياناً أخرى نراها متقاربة لحدّ التلاحم، لكن يبدو كل ذلك وهماً في نهاية المطاف، فالسرد الذي يشتغل عليه كُروش، يجعل من الغريب عاديَّاً ومن العاديّ غريباً، الأمر الذي يجعل من السرد متشابكاً، سوى أنّ هذا الاشتباك ينفضُّ آنَ التمعُّن في الحكاية والكلمات التي تتفوّه بها الشخصيَّات.

لا يمكن أن تكون روايات البرتغالي أفونسو كروش وجبةً سهلة، بل هي -وكما جرت العادة لدى كروش- محاولاتٌ لإشراك القارئ في الشرح، أو ربَّما محاولةٌ في أن يكون القارئ ذاتهُ الطرفَ الخفيّ من السرد، والذي به تكتملُ الحكاية وتتوضَّح الغوامض في رواياته بأكملها.

أشهر الروايات الرومانسية – الجزء الثاني

1