لوحة إيفان الرهيب وابنه
0

خلال قراءتي لتأثير السلطة على سلوك الطغاة تاريخيًا، مررت بقصة قيصرٍ روسيّ يدعى إيفان الرابع أو الرهيب كما يطلق عليه، قام بقتل ابنه ووريثه الوحيد نتيجة خلافات حول السلطة، لذا دفعني الفضول للاطلاع على القصة بشكل أكبر وأوسع، رحت أبحث في الإنترنت لأجد مَن مِن الممكن أن يروي لي ما حدث باختصار. خلال بحثي هذا صادفت لوحة بعنوان إيفان الرهيب وابنه وكانت هذه اللوحة بمثابة شرح شافٍ ووافٍ للحادث بتفاصيله الكاملة، اليوم سنُبحر في تفاصيل هذه اللوحة للرسام إيليا ريبين، ولكن أولًا سنوضح عدة نقاط: من هو ايفان الرابع؟ وما هي مشكلته مع ابنه؟

إيفان الرابع

أو كما يطلق عليه إيفان الرهيب، كان أميرًا لموسكو وقيصر عموم روسيا الأول، عُين أميرًا لموسكو عام 1533 وهو في سن الثالثة، وتوِّج قيصر عموم روسيا (كان أول استخدام لهذا اللقب في روسيا) في عام 1547 وهو في سن السادسة عشر، كان معروفًا بقسوته وطغيانه فقد عانت البلاد خلال حكمه من كل أنواع الاستبداد والدموية، كما أنه قاد حروبًا توسعيّة كبيرة أوصلت روسيا لمساحات شاسعة من الأرض.

إيفان الرهيب وابنه

ساءت علاقة إيفان بابنه مع نهاية الحرب الليفونية، وقد جلبت هذه الحرب اضطرابات كبيرة على الصعيدَين المحلي والدولي له، فقد كان إيفان الابن غاضبًا من والده نتيجة قراراته العسكرية الخاطئة وما ترتب عنها من نتائج، وتدهورت علاقتهما بشكل أكبر عندما قام إيفان الرابع بضرب زوجة ابنه الحامل مما آدى لإجهاضها، بعدما رآها ترتدي ملابس غير لائقة حسب وجه نظرهِ.

جُنَّ جنون إيفان الابن عند سماعه بالخبر، لذا استجمع قواه وتوجه نحو غرفة أباه الملكية ليحل الأمر معه، اندلع نقاش على وتيرة عالية، الأول اتهم أباه بالتدخل بحياته الشخصية فقد رحّلَ القيصر من قبل زوجتين لابنه، أما الثاني فقد اتهم ابنه بحياكة مؤامرة ضده، بين هذا وذاك وكلمة وأخرى، وفي لحظة غضب حمل القيصر الصولجان النحاسي الذي  كان مركونًا بجانبه وضرب به رأس ابنه ليسقط مُضرجًّا بدمائه.

كانت هذه الضربة القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد أنهى حياة ابنه ووريثه وقضى على سلالته للأبد؛ فبعد وفاة إيفان الابن تسلم أخاه فيدور الذي كان يعاني من اضطرابات عقلية مما جعله مجرد حاكم اسمي، ومات هو أيضًا بلا ذرية.

لازم إيفان سرير ابنه المُحتضر لأربعة أيام، وبعد وفاته اعتكف إيفان في الكنيسة لثلاثة أشهر، لتزداد بعدها وحشيته ودمويته ويتحول إلى طاغية مُستبد، وبعد عامين أصاب جسده مرض غريب أودى بحياته.

لوحة إيفان الرهيب وابنه

لوحة إيفان الرهيب وابنه

يمكنني أن أجزم بأن هذه القطعة الفنية استطاعت أن تصور لنا الحقيقة بطريقة لن تقدر عليها وسائل التصوير الحديثة في يومنا هذا، فعندما أتأمل هذه اللوحة، يتوقف قلبي عند رؤية عيني إيفان الرهيب، هذا الرعب والعذاب الواضح، لن نرى إيفان الرهيب الوحش الذي تحدثنا عنه، وإنما أمامنا رجلٌ عجوز مرعوب مما فعل بقدر الرعب الذي نشعر به نحن، يحتضن ابنه المُضرَّج بالدماء وكأنه يقول له كل شيء على ما يرام يا بني لا تقلق.

لقد قيِل إن العيون نواطقُ، ففي هذه اللوحة، تنطق عينا إيفان الرهيب لتعترف بكل ما فعل، استطاعت ريشة ريبين العبقرية أن تجعلنا نشعر بمعاناة إيفان الأب وكل ما يشعر به من ندم ولوعة وفجع، بينما نرى الصدمة على عيون ابنه وكأنه يقول ماذا فعلت يا أبي؟

يمكننا ملاحظة يد إيفان الابن مستندة على الأرض أي لم يسقط بعد، ويده اليمنى تبعد ذراع والده اليمنى، وكأنه لا يريد أن يقترب والده منه، بينما ذراع والده اليمنى تحاول طلب السماح وتقريبه منه، وأصابع يده الأُخرى تغلق الجرح ويأمل في إيقاف الدم والتخلص من أهوال ما تسبب به.

براقة الألوان في الأسفل قد تشير إلى الجنة المُشرقة التي تنتظر إيفان الابن، أو قد تشير إلى النار المشتعلة والتي يريد ريبين أن يصف حال روسيا آنذاك. وقد يبدو جليًّا لمعظم الناس التناقض بين لون لباس إيفان الرهيب الأسود والابن الأبيض، فكما نعرف يعكس اللون الأسود الظلام والشر، بينما اللون الأبيض النقاء والبراءة، يمكننا معرفة طبيعة شخصياتهم ببساطة حسب لون ملابسهم.

تفاصيل الغرفة الملكيّة

النافذة في الزاوية اليسرى العلوية من الغرفة هي المصدر الضوء الوحيد في الغرفة، هي موجودة على الجانب الأيسر فربما تشير إلى الغرب، أي أوروبا، كمصدر للخلاص بالنسبة لروسيا، أو النقطة الأخرى التي قد تخبرنا بها هذه النافذة، هي أن المشهد يجب أن يكون قد حدث أثناء النهار، يريد أن يوصل لنا ريبين أنه رغم قوة الملوك وثروتهم، إلا أن أفراد العائلة المالكة محاصرون في قلعتهم المظلمة بينما يتمتع عامة الشعب بأشعة الشمس.

قد يعكس الموقد الذي يوجد في الخلف، عامة الشعب في روسيا الذي تعرض لكل أنواع القمع والاستبداد في عهد إيفان والتي كانت موجودة دائمًا في الظل. أمور أخرى مميزة في الغرفة الملكية، السجاد المبعثر والكرسي المقلوب يدلان على شجار مُحتدِم قد جرى منذ برهة، وضع ريبين أمامنا سلاح الجريمة (الصولجان) بشكل واضح، بالإضافة لبقع الدماء هنا وهناك، التفصيل الأخير المثير للاهتمام هو الإطار المزروع على الجدار، يترك الفنان للمشاهد حرية الخيال بشأن هذا الإطار، في هذه الغرفة المظلمة والمرعبة هل هذه لوحة؟ أيقونة؟ أو مثلًا، مرآة لا تعكس ما حدث، أي إخفاء لأحداث الجريمة، حيث يوجد ظلال شاهد على الجريمة في المدخل بالكاد مرئية، فهو الذي سيقوم بإخفاء آثار ما شهد.

أصبح الآن لدينا صورة كاملة، لذا يمكننا ترتيب الأحداث في المشهد، أولًا ركل إيفان الكرسي التي كان يتربع عليها، ثم نهض، ليضرب ابنه بالصولجان الملكي الذي كان بيده أو مركونًا بجانبه، بعدها يسقط الابن أرضًا ليسحب السجاد المُرتب معه، يسقط إيفان الرهيب على ركبتيه، ويزحف باتجاه ابنه ليرفعه ويحاول إنقاذه من موته المحتوم.

لا يوجد ما هو أسوأ من قتل الأب لابنه، إن وجع القلب الذي يجب أن يشعر به إيفان الرابع في هذه الصورة هو أبعد ما يمكن وصفه، لقد جعل ريبين من معاناة هذا الرجل أيقونة.

إيليا ريبين

يجب أن أعترف أنني لم أكن أعرف الكثير عن ريبين أو حتى عن أعماله، لكن سرعان ما أدركت أنه أول فنان روسي يحقق شهرة أوروبية من خلال رسمه لشخصياتٍ روسية. على مدى حياته، رسم أيضًا أيقونات وصورًا ولوحات تاريخية حتى وفاته عام 1918. تُعرض العديد من أهم أعماله في عدة معارض ومتاحف، بما في ذلك أكثر لوحاته إثارة للجدل إيفان الرهيب وابنه.

استلهم ريبين فكرة اللوحة من سمفونية عنترة الشهيرة للفنان ريمسكي كورساكوف خلال الحفل الموسيقي الذي حضره آنذاك، بالإضافة إلى أن حادثة اغتيال ألكسندر الثاني كان لها دور أيضًا، ليجسد أبرز الأحداث والشخصيات الدموية في التاريخ الروسي، وبمجرد الانتهاء من لوحته أثارت الجدل على نطاق واسع، حيث لم تعجب قيصر روسيا آنذاك ألكسندر الثالث، فقام في عام 1885 بحظرها من أمام العامة وهي المرة الأولى التي يحدث فيها هكذا شيء في روسيا. ولكن، بعد ثلاثة أشهر تم رفع الحظر، وقام بافيل تريتياكوف بشراء اللوحة من ريبين ووضعها بغاليري تريتياكوف الوطني، وهي موجودة بهذا المعرض إلى يومنا هذا.

ومن المثير للاهتمام أيضًا، أن هذه اللوحة قد تعرضت للتخريب مرتين، أولها عام 1913، عندما قام شخص مختل عقليًا يدعى أبرام باشوف بشطبها عن طريق سكين في ثلاثة أماكن، والسبب أنه كان يعتقد أن لوحة ريبين كانت غير دقيقة تاريخياً.

الهجوم الثاني وقع في عام 2018، على يد شاب مَخْمُور يدعى إيجور بودبورين، والذي صرح بأن لا علاقة للكحول بذلك، فجسب ما صرح كان التخريب بدافع أيديولوجي لإنقاذ سمعة القيصر.

0

شاركنا رأيك حول "لوحة إيفان الرهيب وابنه… ما بين اللَوعة والندم"