أطياف كاميليا: رواية تخاطب روح التمرّد بداخل كل أنثى

رواية أطياف كاميليا للكاتبة نورا ناجي
0

صدرت مؤخرًا رواية “أطياف كاميليا” للكاتبة الشابة نورا ناجي، عن دار الشروق المصرية، تحديدًا في يناير الماضي، أثناء فعاليات معرض الكتاب لعام 2020. ليتم إدراج الرواية سريعًا ضمن الروايات الأكثر مبيعًا للدار، بعدما حصلت على مراجعات إيجابية كثيرة، وإشادات من الجمهور والنّقاد على السواء حتى الآن.

روايات بانا الجدار بنات الباشا
الروائية “نورا ناجي” تكتب إلى الروح مُباشرةً.

“لا شيء كالكتابة يقودك مباشرة إلى الروح، إنّ الصوت قد يكذب، وقد يُحبط الخيال، لكن الكتابة تفتح عالمًا برّاقًا من السحر والرومانسية”

عبارة قالها العظيم “د. أحمد خالد توفيق” في إحدى قصصه المُوجهّة للشباب، والتي كانت “نورا ناجي” واحدة منهم، فهي تعتبر إحدى قرائه المُخضرمين، وساعدها الحظ على كونها تعيش في نفس المدينة -طنطا- التي يسكنها د. أحمد خالد، على أن تتمكن من لقائه، ويرى فيها الكاتبة الموهوبة التي ستكونها في المستقبل، وهو ما كان له أكبر الأثر في مشوارها القصير، والمُبهر حتى الآن في الأدب.

صدرت أولى روايات نورا ناجي “بانا” عام 2013، تلاها رواية “الجدار” عام 2016، أمّا روايتها ما قبل الأخيرة “بنات الباشا” التي وصلت للقائمة القصيرة لشباب الأدباء وكتّاب السيناريو، لجوائز ساويرس الثقافية، فقد صدرت في عام 2018، مع احتفاء كبير جدًا بها.

في هذا المقال، وبعد قراءة أحدث روايات نورا ناجي وهي “أطياف كاميليا”، أحاول تقديم انطباعي الخاص عن الرواية، ببعضٍ من التحليل، والذي يتضمن بالتبعية بعضًا من كشف الأحداث، لذا لا أنصح من لم يقرأ الرواية بعد بالاستمرار في القراءة، بعد جزئية التعريف بالرواية في السطور التالية.

أطياف كاميليا عن الأوهام التي قتلت صاحبتها

مرّت على قراءة رواية “أطياف كاميليا” ذات الـ 170 صفحة بسلاسةٍ كبيرة، أنهيتها في جلسةٍ واحدة، وأنا في حالة من الرضا والإعجاب. انسابت الرواية أمام عيناي بلطفٍ كالشلال الرقيق، ذاهبة بي من السطح إلى الأعمق فالأعمق، لداخل عالم “كاميليا” وأسرتها، هذا العالم الذي تراءى لي رويدًا رويدًا، حتى استطعت أن أرى النور الساطع في الأعماق، كاشفًا كل ما هو مخبأ في نفوس هذه العائلة.

تدور الرواية حول “كاميليا” العمّة، الني نراها بعيون “كاميليا” ابنة الأخ، كلتاهما بطلتي الرواية، نفس الاسم والشكل والروح، نفس التحدي البادي في العيون، نفس الإصرار على التحليق بعيدًا، عن نفس الغرفة التي عاشا فيها طفولتهما. تدور الأيام دورتها، وتختفي العمّة بلا أثر تقريبًا، سوى ما قالته “كاميليا” ابنة الأخ من كلامٍ لا يُصدّق، عن رؤيتها لعمّتها وهي تختفي داخل مرآة الغرفة بلا رجعة.

“كاميليا” التي كانت يومًا ما محطّ أنظار الكل، ليس لجمالها فحسب، ولكن لكونها تضجّ بالحياة، تلهث وراء كل ما يبعث السعادة في نفسها، ترسم، تكتب، تلتقط صورًا حقيقية لبشرٍ حقيقيين، لا يعنيها أن تبدو الصورة جميلة، قدر ما يعنيها أن تكون صادقة. هكذا كانت “كاميليا”، روح حرة، صمّمت على أن تحيا سعيدة، وعندما غابت عنها السعادة، رفضت الحياة بأكملها. اختفت كاميليا، وبدأت الرواية..

عقدة كاميليا

بمجرد دخولك في أجواء الرواية والتعرف على شخصياتها، تجد نفسك وقد ذُبت في عالم “كاميليا” الصغيرة، الذي تقودك الكاتبة من خلاله إلى عالم أرحب وأوسع، عالم “كاميليا” العمّة، الذي يُشبه عالم أغلبنا، عالم بسيط لأسرة متوسطة الحال، يعود بنا إلى زمن التسعينات الحبيبة، ويستمر حتى بداية الألفية.

تُخاطب الكاتبة “نورا ناجي” في الرواية، روح التمرد بداخل كل أنثى، تُخاطب جذوة النار المشتعلة بداخل قلوبنا نحن الفتيات، والتي يصر المجتمع على أن يُخمدها، لنبقى بلا روح. ندرس، نعمل، نتزوج، نُنجب، نُربي الأولاد، حتى تفرغ منّا الحياة نفسها، بدون أن نفرغ منها نحن.

الاغتراب، خيبات الحاضر، والحنين الممضِ إلى الماضي، كانت هذه هي عُقدة “كاميليا”. تلك الأفكار التي سيطرت على عقلها وقلبها معًا، هي ما قادها إلى أن تتقاذفها أطياف الماضي الذي لم تعشه، جاعلةً من الواقع ألمًا لا ينتهي.

“أشعر أنّ الزمن يُحيط بي من كل جانب، يُطبق على صدري، ويقلق مضجعي، الزمن شاغلي الأول والأخير. تخيّل كل الأشياء التي يُمكن أن تتغير في حياتي إن تمكنت من العودة بالزمن إلى الخلف. تخيّل حياتنا معًا كيف كانت ستتغير”

عبّرت “نورا ناجي” عن هذه الأفكار بإحساس مُرهف، ظهر في أسلوبها العذب، الذي يظهر في صورته الأفضل حينما تتحدث عن المشاعر على لسان أبطالها، فهذه كما أرى نقطة قوتها الحقيقية، فهي إن صحّ التعبير “تشعر جدًا” وتُعبّر بما يتناسب مع هذا الشعور.

نورا ناجي أطياف كاميليا
الكاتبة الشابة “نورا ناجي” تلتقط صورة تذكارية مع أحدث روايتها “أطياف كاميليا”.

خطيئة كاميليا

أتساءل بعدما انتهيت من الرواية:

  • ما هي خطيئة “كاميليا” التي أودت بها إلى هذا المصير البائس؟
  • هل كانت تستحق سنوات المعاناة التي سبقت ذلك؟
  • لماذا لم تتخطّ “كاميليا” قصة الحب الفاشلة التي عاشتها في مُقتبل عمرها، كما يفعل الجميع على الأغلب؟

انكسرت “كاميليا” كما انكسرنا نحن عشرات المرات، ولكننا عشنا، وبحثنا عن الحب مُجدّدًا، أمّا كاميليا، فلم تستطع أن تعيش في هذا العالم، رفضت أن يكون لها وجود فعلي في حياة هزمتها مرتين، مرة عندما سلبت منها حبها، ومرة عندما أجبرتها على أن تعيش حياة لا تُريدها.

“القيود حول عنقي ويدي.”

كانت خطيئة “كاميليا” في محاولتها للتتحرّر من هذه القيود، القيود التي كبّلتها بها عائلتها، المُكبّلة أصلًا بقيود المجتمع، وهي قيود العقول التي توارثتها الأجيال على مدار السنين.

“اللا انتماء إلى الزمان والمكان.”

اغتربت “كاميليا” عمّن حولها، اغتربت عن الزمان والمكان، وصارت لا تنتمي سوى للماضي السعيد، وللبلد الذي امتلكت فيه أثمن ما قد يمتلكه أي انسان، الحب والحريّة معًا.

“بدء أي حياة جديدة أمر غاية في السهولة رغم كل شيء، لكن الأصعب هو قدرتك على التخلي عن حياتك القديمة، على طمس ذكرياتك، وحذف أجزاء منها.”

أطياف كاميليا - رواية نورا ناجي
رواية “أطياف كاميليا” للكاتبة “نورا ناجي”: عن قصة امرأة اختفت داخل مرآتها.

نهاية كاميليا

بينما أقترب من نهاية الرواية، وأنا أرقب التحول الذي حدث لبطلتها “كاميليا”، والذي جعل منها جسدًا بلا روح، ورد على ذهني ظاهرة التكيّف، وهي الظاهرة الطبيعية، والتي لولاها، لاندثرت مخلوقات الأرض جميعها، بما فيها الإنسان، وتوصلت إلى أنّ “كاميليا” اختفت لأنها ببساطة لم تتكيّف مع ما استجدّ من أمور في حياتها.

“كانت الكارثة في صدمة انسياب الزمن الذي لا يتوقف، والذي لا يُمكن منعه أو مقاومته.”

عَلَقْت “كاميليا” بالزمن، توقفت حياتها عند نقطة بعينها من الماضي. وحينما مرّ الزمن، تلاشت “كاميليا” واندثرت.

برغم المُفردات الحالمة التي كتبت بها “كاميليا” مُذكراتها، ومثلّت شخصيتها المُتفردّة، إلا أنّ نهايتها كانت واقعية. فالحقيقة أنّ الواقع هزم “كاميليا”، ولكنّه انتصر لـ “نادية” المتواضعة الأحلام. فالفارق بينهما كما وصفته “نورا”، كالفارق بين طائري مالك الحزين وأبو قردان. الأول ثمين ومُتفرّد في جماله، لذا فلا يتركه الصيّادون لحاله أبدًا، أمّا أبو قردان فلا قيمة له، مما يجعله حرًّا طليقًا، وفي مأمنٍ من الأذى.

“أحيانًا تكون اللاقيمة ميزة، تضمن الحياة، والنوم، والاستمرارية، اللاطموح مسعى جيد في حد ذاته.”

ما آلمني أكثر من نهاية “كاميليا”، هو أطيافها الكاذبة التي رافقتها لسنواتٍ عديدة، والتي كانت تحيا على أمل أن تعيشها حقيقةً. أفزعني وأفزع “كاميليا” اكتشافها المذهل، وهو أنّ ما قررت أن تُفني عمرها فيه عن طيب خاطر، لم يكن إلا سراب اختلقه قلبها الذي خدعها طوال هذه الفترة.

“حزنت لانتهاء حياتي كما كنت أعرفها، وشعرت بخواء كبير يسيطر على عقلي وقلبي، وكأنني غير مُدركة لما حولي، لا أعرف إلى أين ينبغي عليّ الذهاب، ولا ما لذي يجب عليّ فعله في سنين حياتي القادمة.”

تلاشت “كاميليا”، ولم يكن اختفاؤها مفاجئًا في الحقيقة، فكاميليا اختفت منذ سنواتٍ عديدة، ولم يتبقى منها سوى جسد يتحرك بالغريزة، حتى ذاب هو الآخر، ولم يبق له أثر.

كاميليا الصُغرى التي تعلمت الدرس

في بداية الرواية وحتي ما بعد المنتصف بقليل، بدت شخصية “كاميليا” ابنة الأخ، كخيال “كاميليا” العمّة، أو كإنعكاس لصورتها في المرآة، يتحرك مثلها تمامًا ولكن بفارق زمني واضح، ولكنّ كلما اقتربنا من النّهاية، كلما أثبتت “كاميليا” الصغرى أنّها أكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على التكيف مع واقعها، من عمّتها، بل إنّها استطاعت في النهاية أن تُطوّع الأمور لصالحها، لتنعم بحياتها أخيرًا بنفسٍ راضية.

“كان العالم من حولها يتغير، وهي وحدها السبب في ذلك.”

لا ننكر كون “كاميليا” الصُغرى سعيدة الحظ، لكونها استطاعت دخول عالم “كاميليا” الأكبر من خلال أوراق مُذكراتها، رغم أنّها لم تعش بنفسها تلك الأجواء الحزينة للقصة، ولأنّها فيما بعد استطاعت أن تكشف حياة عمّتها، بأعين أقرب النّاس إليها، وبأكثر من منظور، منظور الأب، والأخ، وزوجة الأخ، والزوج. كل هذه الشخصيات التي حكت نفس القصة، أعطت الصورة الكاملة التي نادرًا ما نَلُّم بها، لأنّ الحياة غالبًا ما تمنحنا منظور واحد فقط لنرى من خلاله الأشياء، وبفضل ذلك، أصبحت “كاميليا” الآن كحكيم البلدة، الذي رأى كل شيء، وعرف كل شيء، وأعطته الحياة سرّها، فلم يشقى بعدها أبدًا، لتصبح فيما بعد “أطياف كاميليا”.

0

شاركنا رأيك حول "أطياف كاميليا: رواية تخاطب روح التمرّد بداخل كل أنثى"