روبرت فروست وقصيدة “ترميم الجدار”.. نظرة شاعرية للحدود والمسافات بين البشر

فروست
0

لو أن السطور التالية هي مقدمة رواية ما، لقلت أننا على أعتاب عصر جديد، يضع قواعده وينص قوانينه، حيث كل شيء قد تغير حتى البديهيات. رواية من روايات الخيال العلمي تفترض أن العلاقات بين البشر ستكون بداية النهاية. زمن جديد مبني على العزلة وتحديد المسافات وإقامة الحدود.

حالياً كثرت حملات #خليك_في_البيت فكلما فتحنا بعض قنوات التلفزيون نجد بعض الفنانين والمشاهير الذين ينصحونا بالبقاء في المنزل. ونجد الكثير من الإعلانات التي تنصحنا بالابتعاد عن الناس بقدر الإمكان. التصافح ممنوع، حتى أن أحد المذيعين المشهورين نصح المشاهدين بوضع أيديهم في جيوبهم طوال فترة تواجدهم في الشارع، لا تلمس أي شيء في الشارع!!

الأمر الذي سبب نوعًا من الهوس للبعض، فهذه النصائح على الرغم من بساطتها إلا أن تطبيقها والالتزام بها طوال الوقت يعتبر أمراً بالغ الصعوبة.

والأمر الأسهل حالياً هو الالتزام بالحدود ووضع المسافات بيننا بالقدر المستطاع. والحدود هي مصطلح جغرافي يصف خطوطاً وهمية تفصل بين الدول، خطوط نراها فقط على الخرائط لكنها غريبة جداً على أرض الواقع! فمثلاً هناك مقهى شهير جداً قائم على الحدود بين بلدتين في هولندا وبلجيكا هناك خط مرسوم على الأرض بجانب المقهى ليفصل بين البلدين!

في بيوتنا أيضاً نحن نرسم حدودنا الخاصة التي لا نسمح أن يتجاوزها أحد، حدود تحمي خصوصيتنا وممتلكاتنا الخاصة، في تعلم الرسم علينا أولاً أن نبدأ بالخطوط التى تحدد الرسمة.

الآن وصلنا إلى الوقت الذي يجعل الحفاظ على الحدود هو الخطوة الأهم في الحفاظ على الحياة.

كلما حافظت على المسافة بينك وبين الآخرين كلما ازدادت فرصتك في الحفاظ على صحتك وحياتك.

روبرت فروست وقصيدة “ترميم الجدار”

الحدود

تحضرني الآن قصيدة “روبرت فروست” الشاعر الأمريكي الشهير “ترميم الجدار”. كتب روبرت فروست تلك القصيدة على خلفية قصته مع جاره الذي كان يردد أن الجدران أو الأسوار الجيدة دائماً تصنع جيراناً جيدين!

تدور فكرة القصيدة حول جارين يفصل بين بيتيهما جدار يهتم كلاهما بترميمة إلى درجة الهوس، فيهرع كلاهما لتصليحه فوراً وسدّ فجواته مهما صغرت وبدت غير مؤثرة.

في مجملها، تعتبر هذه القصيدة من قصائد فروست اللاذعة، فهو وإن كان يسخر من جاره المزارع التقليدي العنيد الذي اعتاد على فعل الأشياء بطريقة معينة لا لشيء سوى أنه تلقاها بهذا الشكل، فهو كان يسخر من حالنا جميعاً، حال المجتمع كله الذي يسارع في وضع الحدود و تحديد المسافات بين أفرادة خوفاً من انتهاك الحريات واقتحام الخصوصيات. والسبب الموجود دائماً لدى الجميع هو (إن الجدران الجيدة -المتينة- دائماً ما تصنع علاقات جيدة وجيراناً جيدين).

في القصيدة كان فروست يتعجب دائماً من الأسباب التي تؤدي إلى تصدع الجدار، ويتسائل عن السبب في عدم بقاء الجدار بحالة جيدة على نحو دائم. فيقول في بداية القصيدة.

الحدود

شيء ما لا يحب الجدار
يرسل هزة متجمدة من تحته
يسكب الصخور المتجمعة، في الشمس
ويصنع فيه فجوات،
يمر من خلالها حتى اثنان يمشيان جنباً إلى جنب.
أما عمل الصيادين فهو حكاية أخرى:
جئت من بعدهم ورممت وراءهم
هناك حيث لم يتركوا حجراً على حجر،

لكنهم أخرجوا الأرنب من جحره
ليرضوا كلابهم النابحة،
تلك الفجوات أقصد،
التي لم يرهم أو يسمعهم أحد وهم يصنعونها،
لكننا نجدها هناك دائماً، في الربيع – فصل الترميم.
أدعو جاري ليرى من خلف التل
وفي يوم آخر نجتمع لنمشي على خط الجدار
ونقيم الجدار بيننا مرة أخرى
نبقي الجدار بيننا هكذا بينما نمضي كل في ناحيته.

هنا يتحدث فروست عن العلاقات بين البشر التي تذوي وتضعف لأغرب الأسباب وعن مجهودات البعض في بناء الجدران ووضع الحدود بينهم وبين بعض بدافع الحفاظ على الخصوصية والدفاع عن الحرية، دون أن يلاحظ البعض أنه أثناء قيام كلا الطرفين بوضع هذه الحدود فهو يقيم علاقة مشتركة طيبة أساسها الحفاظ على حقوق الطرف الآخر كما هي الحفاظ على حقوقك، وأنه أثناء هوس البعض في الحفاظ على هذه الحدود فهو يحافظ على نشاط مشترك دائم لا يمكن القيام به بشكل فردي.

كما وضح فروست في قصيدته أن هذا الجدار المبني في الأساس بغرض العزل والانعزال، ما هو في الحقيقة إلا سبباً من أسباب التعاون المشترك والعلاقة الجيدة الطيبة القائمة في الأساس بغرض البناء والإصلاح وليس الهدم والإفساد.

كتب روبرت فروست هذه القصيدة عام 1914 ونشرت في العام نفسه كالقصيدة الثانية من ديوانه “شمال بوسطن”، ولاقت وقتها وحتى هذه اللحظة استحساناً جماهيرياً عالياً لأنها كغيرها من قصائد فروست اعتمدت على لغة شعرية بسيطة وصورة عالية، فأصبحت من أهم الأعمال الشعرية التي يدرسها طلاب الأدب الإنجليزي الحديث حول العالم.

نبذة مختصرة عن روبرت فروست

روبرت فروست شاعر أمريكي ولد في مارس عام 1874، وعلى الرغم من أنه نال شهرته في وقت متأخر جداً حيث أنه كان قد شارف على الأربعين من عمره عند نشر أول دواوينه الشعرية، إلا أنه يعدّ من أشهر شعراء أمريكا، فقد حصل خلال حياته على أربع جوائز “بوليتزر”، كما اختاره الرئيس الأمريكي “جون كيندي” ليكون ضيفه الخاص في افتتاح فترته الرئاسية.

قصيدة “ترميم الجدار” تعتبر مثالاً جيداً في الظروف الحالية، حيث تساعدنا الحدود والجدران في الحفاظ على حياتنا وحياة الآخرين. الحدود والمسافات الآن لم تعدّ مجرد خطوط وهمية أو جدران صخرية لحماية الخصوصية وملكية الأراضي، بل أصبحت أحد أسباب الحفاظ على الحياة، وكلما حافظت عليها كلما ازدادت فرصة حماية حياتك وحياة من تحب من أجل مستقبلٍ أفضل، وعلاقات قوامها التعاون المثمر في المستقبل.

0

شاركنا رأيك حول "روبرت فروست وقصيدة “ترميم الجدار”.. نظرة شاعرية للحدود والمسافات بين البشر"