الزخرفة الإسلامية
2

يُعتبر الفن من أهم دلائل انبعاث الأمم ونهوضها، وسمة من سمات التطور وأحد مفرزات الحضارة، فبقدر ما تعيش المجتمعات حالة من الحراك السياسي والاقتصادي والحضاري يكون تطورها الفني، فالعلاقة جدلية ومتبادلة ما بين التطور الحضاري والفني.

لكل أمة من الأمم فنونها الخاصة التي تعبر من خلالها عن هويتها الحضارية والروحية والأخلاقية، فقد استطاعت الحضارة الإسلامية التعبير عن مكنوناتها الروحية والثقافية من خلال العديد من المجالات وأهمها الفنون بكل تنوعاتها، سواء كانت العمارة أو الخط أو الأعمال اليدوية وبكل هذه المجالات دخل مفهوم فني دمج بين هذه المجالات كلها ليقدم لنا فيما بعد خلاصة فنون الحضارة الإسلامية، وهذا الفن هو فن الزخرفة.

في الحقيقة يعود فن الزخرفة إلى عصور ما قبل الإسلام، ولكن مع انتشار الدين الإسلامي بدأ هذا الفن يأخذ منحىً مختلفًا أكثر جمالية وتميزًا وأكثر ديمومة وروحانية، فمع الإسلام أصبحت الزخرفة هي الموضوع الأساسي لجميع الأعمال الفنية بعد أن كانت على هامش اللوحات الفنية ومحصورة بإطارات ورسوم، إذ أن فن الزخرفة هو فن يصور روح الموجودات وجوهرها متجاوزًا مظهرها الخارجي وكتلتها المادية، كما يحاكي حركتها التي جسدها بالخطوط اللامتناهية، فالفن الإسلامي يحاكي جوهر الطبيعة وهو تعبير عن خلق مستمر لمخلوقات متشابهة لكنها غير متطابقة.

أقسام الزخرفة

تنقسم الزخرفة الإسلامية إلى أربعة أنواع:

الزخرفة الهندسية

الزخرفة

تعتمد في أسسها على قواعد رياضية هندسية تشكل من خلالها أشكال هندسية مختلفة، كما تعتمد بهذه التشكيلات على الأشكال الهندسية الأولية كالدائرة والمربع والمستطيل والمثلث، وتعتبر الأشكال النجمية وخاصة الثمانية التي تتألف من ثمانية رؤوس هي أشهر الزخارف الهندسية.

الزخرفة النباتية

الزخرفة

هي أشكال مستوحاة من أوراق وسيقان وبراعم النباتات، ويعتمد هذا الأسلوب من الزخرفة على أنواع خاصة من الزهور ترسم بشكل مبسط يتكون من خطوط ومساحات لونية، يسمي البعض الزخرفة النباتية بفن التوريق، وذلك بسبب اعتماده على الأشكال المحورة لأوراق النباتات كوحدة زخرفية أساسية ضمن الوحدة الكلية للوحة.

الزخرفة الحيوانية

التي استخدمت فيها أشكال حيوانية وطيور بشكل مبسط جدًا لدمجه مع بقية الخطوط الزخرفية النباتية اللينة، إنّ استخدامها قليل بشكل عام.

الزخرفة الكتابية

الزخرفة

وهي عبارة عن كتابه تكون بصيغة من صيغ الخط العربي كالكوفي المورق “الفاطمي” والثلث والذي يكتب بأغلب الأحيان ضمن شريط زخرفي نباتي، وخط الديواني، وخط الجلي، وقد تكون نتيجة تداخل الحروف العربية بحسب نوع الخط الذي يكتب فيه الشكل الزخرفي، فمثلًا الخط الكوفي يكتب على شكل خطوط مستقيمة وقد يتضمن بعض الدوائر بالإضافة لبعض التحويرات الخطية أو الزخرفية.

خصائص الزخرفة

التكرار: تبدأ بوحدة زخرفية سواء كانت هندسية أو نباتية لينة، لتتكرر هذه الوحدة إلى عدد كبير آخر من الوحدات مشكلة في النهاية لوحة زخرفية، تدل فكرة هذا التكرار على مفهوم فلسفي وهو استمرار الخلق الذي تكلم عنه بعض الصوفيين.

  • التناوب:ويتم من خلال تناوب العديد من العناصر الزخرفية سواء من خلال الشكل أو اللون.
  • التشابك:تتشابك فيها الوحدات الزخرفية وتلتف حول بعضها البعض بشكل مغزلي، قد تكون عملية التشابك بشكل جدائل أو بشكل متعاكس.
  • التناظر والتماثل:وهي أن يتطابق نصف الشكل الزخرفي على نصفه الآخر سواء من خلال المساحة أو من خلال العناصر، وقد يكون هذا التناظر أو التماثل متساويًا بحيث يكمل كل قسم الآخر:
  • التوازن:بحيث يتم توزيع كل العناصر الزخرفية بشكل متوازن وذلك من خلال رسم الوحدات الزخرفية بأحجام متماثلة وفراغات متوازنة.
  • الإيقاع الفني:كما يجب أن يكون إيقاعها اللوني منسجمًا ما بين العناصر والفراغ، فالإيقاع هو الذي يحول حالة كل مساحة من الاختلاف في الشكل إلى حالة الانسجام في الجوهر، وهذه المساحة تسمى المساحة المتحركة وتكون نتيجة عمل الفنان في مناطق أو مساحات ذات أشكال متشابهة ومتقاربة وموزعة بإيقاع ضمن أسلوب محدد، بحيث يضفي على اللوحة الزخرفية جمالًا وحيوية.
  • الامتلاء والفراغ:اعتبر بعض الباحثين انتشار ظاهرة الزخرفة الإسلامية بكل أساليبها، هي ظاهرة سببها الخوف من الفراغ، لكن هذا الكلام في الحقيقة غير دقيق أبدًا، فتجاور المساحة المملوءة مع المساحة الفارغة هي تجاور انسجامي تجانسي وليس تناقضي، فتحقيق هذا التجانس يتم من خلال ما يسمى بالعناصر المتحركة والتي تكون هي صلة الوصل بين المساحات المملوءة والفارغة، وتأتي هذه العناصر بأشكال مختلفة ومتنوعة.

تطبيقات فن الزخرفة الإسلامية

أدخل الفنان المسلم العامل الزخرفي بأغلب جوانب الإنتاج الحضاري لثقافته ومنها:

العمارة

فن الزخرفة في قبة الصخرة في المسجد الأقصى

أدخل الأعمال الزخرفية في هذا المنحى ليضفي عليه جمالًا وفخامةً وأبهة، مثل بلاط القيشاني الذي زُينت به واجهات الأبنية، حيث كثر استخدامه في الفترة الصفوية والعثمانية، بالإضافة لزخرفة قباب المساجد، كما نُحتت الأشكال الزخرفية على أحجار المباني، وحفرت الأشكال الزخرفية على الجص وكثر هذا الفن في فترة الحضارة الأندلسية.

الصناعات التطبيقية

الزخرفة

أُدخلت الزخرفة في المعادن مثل الأواني النحاسية وعلى الخزف والخشب، كما انتشرت الزخرفة على الأعمال النسيجية وبالأخص السجاد “الكليم”.

المخطوطات

الزخرفة

لقد زينت أغلب المخطوطات في العصر الإسلامي ومن أبرزها القرآن الكريم.

وأخيرًا استطاع الفنان المسلم أن ينتج فنًا متميزًا عن باقي الفنون والحضارات السابقة واللاحقة، فمن خلال فن الزخرفة قدّم واقعًا جميلًا ذو صبغة روحانية، بعيدًا كل البعد عن الفنون التي اتخذت منحى مادي فصورت الأشكال كما هي سواء كانت كائنات حية أو نباتية، إذ اتبع الفنان المسلم منحى التحريف والتحوير متجاوزًا بذلك كثافة المادة، سابحًا بروحانية الوجود منتقلًا معبرًا بذلك عن قيمة ثقافية عالية، ومن خلال فن الزخرفة ألغى العلاقة بين الأشياء المرئية ودلالاتها، فهو يترك لنا حرية التفسير بحيث يعطي قيمة ذوقية لا حدود لها لفن الزخرفة.

المصادر:

الحياة التشكيلية العدد 59-60، بنية فن الزخرفة ومنطلقاتها الفكرية، للكاتب غازي مكداشي.

مصدر 2

مصدر 3

2

شاركنا رأيك حول "فن الزخرفة.. نتاج فكري ثقافي للحضارة الإسلامية"