ترجمان الأشواق
0

هل تؤمن بالحب من النظرة الأولى؟ سؤال غريب في بداية مقال يتحدث عن كتاب بحجم وقيمة “ترجمان الأشواق” ماذا عن العشق بعد لقاء أو اثنين؟ ماذا عن عشق شخص لم تعرفه ورأيته فقط لمرة أو مرتين! عشق خالص وصافي يصل إلى درجة كتابة الشعر والتفاني في وصف سمات المحبوب، أمر أثار العجب والحيرة خصوصاً أنه جاء من قبل الشيخ الأكبر والبحر الزاخر “محيي الدين بن عربي”.

نرشح لك قراءة: طوق الحمامة: أشهر ما كتب عن الحُبّ والهوى عند العرب

نعم، أتحدث اليوم عن “محيي الدين بن عربي”، المثير للجدل على الدوام، صاحب نظرية “الإنسان الكامل” التي اعترض عليها الكثير من فقهاء الدين. وهو أحد أشهر المتصوفين لقبه أتباعه وغيرهم من الصوفيين بالشيخ الأكبر؛ ولذا تنسب إليه الطريقة الأكبرية الصوفية.

من هو محيي الدين بن عربي صاحب ترجمان الأشواق؟

ترجمان الأشواق
محيي الدين بن عربي صاحب مفهوم خاص في لغة العشق والاشتياق.

هو محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي، ولد في مرسية في الأندلس في شهر رمضان عام 558 هـ  الموافق 1164 مـ قبل عامين من وفاة الشيخ عبد القادر الجيلاني. وتوفي في دمشق عام 638 هـ ودفن في سفح جبل قاسيون. وهو عالم روحاني من علماء المسلمين الأندلسيين، وشاعر وفيلسوف، كتب أكثر من 800 كتاب، لكن لم يبق منها سوى 100 مؤلف. أصبحت تعاليمه في مجال علم الكون ذات أهمية كبيرة في عدة أجزاء من العالم الإسلامي.

له نظريات شهيرة ومثيرة للجدل في دنيا الصوفية، أشهرها نظرية “الإنسان الكامل”، وفيها يفترض ابن عربي أن آدم هو الإنسان الكامل صافي الفطرة. وقد كانت هذه الفكرة شائعة جداً في الصوفية، لكن ابن عربي تعمق في تحليلها مستخدماً المراّة كاستعارة.

لو حاولنا تبسيط هذه الفكرة قليلاً سنقول إنه يقارن بين انعكاس كيان ما في عدد لا يحصى من المرايا، وبين علاقة الله مع مخلوقاته. حيث رأى أن جوهر الإله كامن في وجود الإنسان، أي أن الله هو الكيان والبشر هم المرايا، وبما أن البشر ليسوا سوى انعكاسات لله، فلا يمكن الفصل بين الاثنين.

ترجمان الأشواق
الصفحة الأولى من كتابه الأشهر “الفتوحات المكية.

أما عن أشهر مؤلفاته فهو كتاب “الفتوحات المكية“، وقد بدأه ابن عربي على هيئة رسالة يتحدث فيها عن التصوف وتوقف فترة عن كتابته، ثم عاد ليكمله ليصل عدد صفحاته إلى 4000 صفحة تقريباً.

كتاب ترجمان الأشواق

موضوعنا اليوم هو ديوان الشعر الذي كتبه ابن عربي الذي يؤمن فقط بدين العشق والحب، ومن أجل أن نبدأ في تناول هذا العمل العظيم المفعم بمشاعر ابن عربي الصادقة في الحب يجب أن نتحدث قليلاً عن جانب من فلسفته الخاصة في الحياة، التي تحدث عنها في أغلب مؤلفاته ومنها كتاب “ترجمان الأشواق”.

ترجمان الأشواق
كتاب “ترجمان الأشواق” عن لغة العشق والاشتياق.

فقد كان لابن عربي فلسفة خاصة جداً في الحياة تتبنى فكرة واحدة هي الحب، فقد كان يؤمن أن كل إنسان يحمل داخله انعكاساً لصورة الخالق مهما كان شكل أو لون أو دين هذا الإنسان، وعليه فإن طاقة الحب التي تمنحها لهذا الإنسان فأنت في الحقيقة تحب بها الله وتسمو بها إلى السلام والمودة. فقد حاول دائماً حل المشكلات الموجودة بين الديانات، إذ رأى أن الديانات لم تتغير كثيراً وأن فيها اختلاف أساسي يجعل الإنسان الذي هو المجلى الكامل للألوهية، ومحل الظهور أو التجلي الإلهي مختلف في اعتقاداته.

أي أنه في السابق كان ينكر من يختلف عنه في الدين لكنه وصل إلى مرحلة من الشفافية جعلته يتقبل الجميع وقادر على أن يحب الإنسان بكل صوره وفي كل أماكنه، فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن، حتى الاعتقادات الوثنية أصبح يراها على أنها وسيلة للتقرب إلى الله الكامل والمتواجد في كل الموجودات. لذلك قال مقولته الأثيرة “أدين بدين الحب”، الذي يمكن أن نفسرها بطريقتين أولهما هي نظرته إلى الأديان باعتبارها تجليات متتالية للحقيقة الإلهية.

قد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ .. فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ

وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ .. وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن

أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ .. ركـائـبهُ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

والتفسير الثاني وهو الأكثر تعقيداً وهو البدء في فكرة الحب نفسها، ورصد الكيفية التي يرتقي بها الصوفي ليصل إلى هذا المستوى.

ومن هذه النقطة نصل إلى كتابنا “ترجمان الأشواق” فهو لما نزل بمكة كان عمره في الأربعينات، والتقى فيها برجل معروف اسمه الشيخ زاهر الدين ابن رستم الكيلاني، أصله من أصفهان وهو عالم في الحديث، وكانت له ابنة تسمى بـ “النظام”، ولما رآها أحبها حبًا عميقًا بحيث استطاع أن يصل به إلى التماس مع الوجود الحقيقي للأشياء. وهو وصفها فقال:

“بنت عذراء، طفيلةٌ هيفاءُ، تقيِّد النظر وتزيِّن المحاضِر وتحير المناظر، تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس.. ساحرةُ الطرفِ، عراقيَّة الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت، إن نطقت خَرِسَ قسُّ بنُ ساعدةَ، وإن كَرُمت خَنَسَ معنُ بنُ زائدة، وإن وفَّت قصَّر السموءل خطاه.. ولولا النفوس الضعيفة سريعة الأمراض سيئة الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفي خُلُقها الذي هو روضةُ المزنِ، شمسٌ بين العلماء، بستان بين الأدباء، حُقَّةٌ مختومة، واسطة عقدٍ منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها.. مسكنُها جيادٌ وبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامه، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه.. عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ”.

في الكتاب يعترف الشيخ الأكبر بحبه لـ “النظام”، ويكتب فيها الشعر ويتغنى بمحاسنها وينفذ من خلال شفافيتها إلى نور الأنوار الحق سبحانه وتعالى، مما يجعل الأمر يختلط على القارئ أغلب الوقت في ماهية المقصود بالأبيات.!

يقول المؤرخون أن الشيخ “ابن عربي” لم ير معشقوته سوى مرة أو مرتين، وكانت تصحبها عمتها العجوز التي كان يستمع إلى أدبها وحديثها، أو يراها بصحبة أبيها الشيخ “زهير الدين” الذي كان يحضر مجالسه. وهذا الأمر كان محل خلاف بين البعض حيث اعترضوا على فكرة أن شخص بعقلية جبارة مثله يقع في الحب بعد نظرة أو اثنتين. ومما قاله عنها في ديوانه:

طالَ شَوقي لِطَفلَةٍ ذاتِ نَثرٍ                وَنِظامٍ وَمِنبَرٍ وَبَيانِ

مِن بَناتِ المُلوكِ مِن دارِ فُرسٍ       مِن أَجَلّ البِلادِ مِن أَصبَهانِ

هِيَ بِنتُ العِراقِ بِنتُ إِمامي       وَأَنا ضِدُّها سَليلُ يَماني

هَل رَأَيتُم يا سادَتي أَو سَمِعتُم       أَنَّ ضِدَّينِ قَطُّ يَجتَمِعانِ

وفي شرح هذه الأبيات اجتهد بعض علماء اللغة العربية، فقالوا إنه لم يقصد بقوله عن نفسه (سليل يماني) وقولها عنها من “دار فرس” أنها هكذا ضدين لاختلافهما في النسب، كما قد يبدو من المعنى الظاهر من الأبيات، ولكنه كان يتحدث عن اكتمال خبراته الحياتية لأنه يكبرها في العمر وسبق له الزواج قبلها وهي بعد طفلة ولكنه يراها كبيرة ناضجة، فبهذا المعنى هما ضدين وليس لاختلافهما في الأصل والنسب. وقد اعتمد المفسرون لهذه الأبيات على الفلسفة الصوفية نفسها التي تعتمد دوماً على الجمع بين الأضداد وعلى التفريق بين الظاهر والباطن.

ولم يقتصر حبه لها على الجانب الحسي فقط، فحبه إن أحب ليس مثل الآخرين، ومثله النظام التي إذا عشقت فعشقها مختلف. الحب عندهما طريق وحيد لإدراك المعنى الكامن خلف الأشياء، ولكن حينما كثر الكلام على حبهما، اضطر إلى الابتعاد، وقال:

إِنَّ الفِراقَ مَعَ الغَرامِ لَقاتِلي       صَعبُ الغَرامِ مَعَ اللِقاءِ يَهونُ

والغرام في اللغة هو العذاب، ولذلك جاء في كتاب الله تعالى في وصف جهنم “إن عذابها كان غراما”، لقد كان صاحبنا في حالة توهج عند اللقاء، وصعب عليه الانقطاع، والأصعب من هذا هو رفض أتباعه وأعدائه لحبه للنظام، فعشقه تهمة كبرى. وهذا الرفض اتهام جاهز يدعو إلى الاستغراب، فيبدو أن الأشخاص الذين يرتقون بفكرهم يعيبهم الحب أو العشق في نظر العامة، لكن ابن عربي لم يضره هذا وعشق عشقاً حقيقياً، وكتب في هذا العشق ديوان “ترجمان الأشواق” أي المعبر عن الأشواق. وثار الخلق وقالوا الشيخ الأكبر أحب بنتاً صغيرة، ألا يخجل من نفسه؟ لكنه لم يتراجع حتى تكلل هذا الحب الخالص بالزواج.

ترجمان الأشواق
شرح كتاب “ترجمان الأشواق” عن لغة العشق والاشتياق.

والمثير والجدير فعلاً بشخص مثله هو أنه لم يلق بالاً أو اهتماماً بكل ما وُجه إليه من انتقادات بسبب وقوعه في الحب وتعبيره عنه، ولكن كل قلقه انصب على أن يخطئ البعض فهم بعض ما جاء في الكتاب أو يحاول البعض تفسير بعض الأبيات بشكل مختلف عما قصده هو، لذلك أعاد كتابته تحت عنوان: “ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق، ليوضح فيه بعض ما قد يستعصي على الفهم من الأفكار والمعاني التي وردت في كتاب “ترجمان الأشواق“.

معلومات قد تفاجئ البعض عن محيي الدين بن عربي

ترجمان الأشواق
محيي الدين الحاتمي ونظرته الخاصة لأمور العشق والهوى.

يروى أن علة قد ألمت بابن عربي في شبابه، فأردته طريح الفراش يصارع الحمى، فغلب عليه النوم فرأى في ما يرى النائم أثناء ذلك، نفراً مسلحاً يمثل أرواحاً شريرة وقد أرادوا الفتك به. لكن رجلاً جميلاً، صبوح المحيا، وقور المظهر، باغتهم على حين غرة فهجم عليهم وارتدوا عنه في غمرة تنفسه للصعداء، سأل ابن عربي الرجلَ عمن يكون، فقال له: “أنا سورة يس”، وحين استيقظ، وجد أباه يتلو عليه هذه السورة، فلم يمكث على حاله حتى تحسن وتعافى، فاعتقد بعد هذه القصة بفكرة أنه معد للحياة الروحية وأنه ينبغي عليه أن يسلك دربها إلى النهاية.

كان يؤمن بأن له مرشد سماوي هو من أوحى له بكتابة أكبر مؤلفاته وهو “الفتوحات المكية“. واستباح البعض دمه واتهمه البعض الأخر بالزندقة نظراً لبعض أفكاره ومعتقداته الخاصه بوصف السمات الإلهية.

في النهاية لا يسعنا إلا أن نقول أن كتاب “ترجمان الأشواق” اعتبره الكثيرون بالفعل من أعظم ما كُتب في الغزل والاشتياق والعشق. وأن شخصية كاتبه بكل ما تثيره من جدل دائم لا يهدأ كانت صادقة جداً في كل ما جاء فيه. لذلك فهو أحد الأعمال التي تستحق المطالعة مراراً والعودة إليها كلما تاقت النفس إلى المحبة والهدوء والسلام.

0

شاركنا رأيك حول "كتاب ترجمان الأشواق: نموذج فريد في لغة العشق والاشتياق"