رواية “غرفة مثالية لرجل مريض” هي إحدى روايات الكاتبة “يوكو أوغاوا”، وهي -كما خمنت من الاسم- كاتبة يابانية مهمة، صدر لها ما يزيد على العشرين رواية، وحاصلة على جائزة “أكوتاغاوا” سنة 1991؛ وهي جائزة يابانية نصف سنوية رفيعة الشأن. صدرت الرواية القصيرة “غرفة مثالية لرجل مريض” سنة 1988، ثم نشرتها دار الآداب منقولة إلى العربية سنة 2005 بترجمة “بسام حجار”.

غرفة مثالية لرجل مريض: تشريح نظري

غرفة مثالية لرجل مريض

يخبرك الناس ألا تنتظر الأحداث الكبيرة كالموت لتصحح لك مفاهيمك وتحملك على ضبط مسارك، والحقيقة أن النظر للأمور في الحال الطبيعية يستحيل أن يكون بنفس صدقه وتأثره واقعًا تحت الصدمات. ذلك أن الصدمات هي الوسيلة الوحيدة للخروج من سياق الحياة، والتخلص من علائقها، والوصول إلى تلك الحالة من التجرد السامح بتفكير صاف منعزل عن شهوات النفس ونوازعها الملهية.

الجزء الأكثر مأساوية أن التجرد كثيرًا ما يؤدي لازدياد الأوضاع سوءًا بدلًا من إصلاحها، فإن هذا الكشف يكون أحيانًا من الثقل بحيث يفقد ما سبقه معناه، وإذا وقع ذلك فإن المرء يخسر أساساته وكل بوصلة قد ترشده إلى الطريق السليم.

الأسلوب الهادئ والمختصر الذي اعتمدته “يوكو أوغاوا” مؤلفة رواية “غرفة مثالية لرجل مريض” ليس الغرض منه حملك على التعاطف مع المريض في الرواية، ولا أخته التي تشقى لاحتضاره، بل وضع الموت على الطاولة والدوران حوله دورانًا يعرضه من جهاته كلها.

لاحظ أننا في العادة لا نتعامل مع الموت من غير تأثيره المباشر الذي يأتي في صورة فقد قريب أو مرضٍ شديد، والنتيجة أن تحليله من زوايا موضوعية، وفهم معناه وأثره على المعرّضين له خصوصًا والبشر العائشين تحت ظله عمومًا، لا يحدث إلا بمناقشته من خلال رواية كهذه.

الرواية شيء بين التعرض الحقيقي ثقيل الوزن وبين التصور الخيالي الذي لا تجذبه أرض، بين الشعور راسخ الصدق والفكرة عديمة الأهمية. يبدو هذا خاليًا من النبل بعض الشيء؛ أن تحوز فهمًا لأبشع مآسي الآخرين دون اختبارها، كما في مرور القارئ بتجربة “غرفة مثالية لرجل مريض” دون أن يدخل الغرفة أو يصافح وجه المريض.

لكن المشكلة الأكبر أن هذا الفهم النظري لرواية “يوكو أوغاوا” قد يؤسس لتضعيفات من الأفكار تمد الإبداع بوقود وتؤدي إلى إنتاج مزيد من الروايات والصور الأدبية المتخيلة، لكني لا أحسبه يفيد المبتلى عمليًّا في التعامل مع المرض أو المرضى بحال.

فصول لانهائية من العدم

الكاتبة اليابانية "يوكو أوغاوا" صاحبة رواية "غرفة مثالية لرجل مريض".

المشاركة فعل شريف، غير أن الخلق يغفلون عن دقة المعنى الذي تنطوي عليه، فأن تشارك شخصًا آلامه يعني ببساطة أن تحصل على قسم من المعاناة دون أن تخفف عنه شيئًا يذكر. بالطبع نحب التخفيف المجازي ونسلم أن السرور الذي يمنحه المعين يقلل من حدة البلوى، لكننا نعلم في رواية “غرفة مثالية لرجل مريض” بالتأكيد أن وجود الأخت بجوار أخيها لم يبطئ الموت ولا أعاق هذا التقدم الحثيث للداء. نعلم على سبيل المثال أن الأخت قد فقدت شهيتها لدى فقدان أخيها شهيته، فهل أفاد من هذا شيئًا؟

لا أجادل في أن هذا المكسب يستحق التضحية، فإن المساهمات الضئيلة أقصى ما يملكه الإنسان إزاء مصائب بهذه الضخامة. إنما أقول إن التضحية نفسها هي المغزى من الرواية، لا من حيث كونها فعلًا إنسانيًّا طيبًا يُحتذى به، بل من حيث ما وجّهها وما أدت إليه. تعلم المرأة الشابة هنا أن أخاها الذي لا تجمعها به علاقة لم يبق له في الدنيا -طبقًا لكلام الأطباء- سوى عدة أشهر، فأي شعور وجدت في نفسها؟

فكر أولًا في موت أخيها الصغير الذي لم يجرب بعد الحياة ولا بدأ يعيشها على نحو معتبر، وموت الصغير يظهر لأي درجة الفناء أقوى من الحياة نفسها، إذ هي فصل عابر مضغوط بين فصول لانهائية من العدم. فالموت ليس فقط مصير كل إنسان، بل إن الفترة التي سيقضيها حيًّا لا تُقارَن لقصرها بالتي سيقضيها ميتًا من بعد، فضلًا عن تلك التي قضاها في العدم قبل أن يكون شيئًا. ربما أسمح لنفسي بكثير من التأثر لكني لا أعرف فعلًا -برغم كل ما كتبتُ- كيف يمكن تكديس هذه الصور الإنسانية شديدة الثراء في تسعين صفحة، أو كيف يمكن أن تنفذ إلي على هذا النحو.

أمور تافهة جدًّا

كل ما أعرفه عن اليابان أصله مشاهدتي القديمة للأنمي وعدة قراءات غير مُرضية للأخ “موراكامي”، وقد جعلت -أثناء قراءتي لهذا العمل- أُسقط الصور القديمة المخزنة في دماغي على الشخصيات. قد لا يبدو هذا مقنعًا لكن القرن بين شخصيات “غرفة مثالية لرجل مريض” ورسوم الأنمي ذات الأعين الواسعة والمرتبطة بلغة شبه مضحكة في رأسي قد حسّن تصوري للرواية وقابليتي للتحرك لمصابهم.

أشفقت على الأخت وأنا أرى كيف ينعكس هذا الحدث المتطاول على مفردات حياتها التي كانت حتى هذه اللحظة مفهومة محتملة. الموت يظهر المعدن الحقيقي للعلاقات ويضع الأشياء في نصابها، وهو، فوق ذلك، بحضوره السمج الثقيل، يظهر تفاهة الدنيا مقابله وانعدام قيمتها.

تريد أن تجعل المأساة صافية الإيلام لكنها مشوبة بكثير مما لا تتحكم به، فطبيعي أن موت القريب يزعزع أمانك الشخصي ويذكرك بأنك في كل لحظة معرض للمثل. تقول بطلة الرواية واصفة أخاها:

“إلى ذلك [الوقت]، كانت أمور تافهة جدًا هي التي تشغل باله. البيض أو قناني الكاتشب المتبقية في الثلاجة، وبطاقة العضوية في نادي السباحة التي حصل عليها مؤخرًا، وتصنيف الملفات التي طلبها منه المشرف على دروسه الجامعية. أمور كل يوم التي يمكن تأجيلها ليوم آخر. تُراه كان يعتقد أنه قد يتخلص من الأعباء الثقيلة والمفاجئة كمرضه وانقطاعه عن الدراسة وعودته إلى دياره، بسهولة رميه فضلات الثلاجة في سلة مهملات؟”

لا بد أن اختبار تفاهة الأشياء هذه قد وقع لها هي الأخرى، وكيف لا يقع وقد قابلت الموت الحقيقي بعد الموت اليومي الطبيعي المكرر الذي يُسمع في الأخبار ويجري على ألسنة القوم ويُرى كأنه تحرك السحب أو تناوب الليل والنهار. الموت الحقيقي الكاشف لعجزك عن فعل شيء اليوم أو بالأمس أو غدًا.

كل مشاعر الحب الممكنة

الغلاف الأصلي لرواية "غرفة مثالية لرجل مريض".

“غرفة المستشفى مطهرة تمامًا من منغضات الحياة كلها. وعندما أكون بصحبة أخي في تلك الغرفة، أشعر بأنني ملاك أو جنية. أحسب أنني قادرة على العيش بالحب الذي أكنّه له. لا أكثر.”

يأتي فقد الأخ بعد فقد الأم. ربما جاء موت الأخير نبيلًا أنيقًا من منظور مراقب بعيد، لكن موت الأم وقع على نحو عبثي مظهر لكل ما في الحياة من عشوائية، فضلًا عن كونه واقعًا بعد مرض ممتد مثير للحرج وخالٍ من كل زينة.

قد يبدو أن تكرار التعرض للمصيبة نعمة أو بشرى، إذ هو وسيلة لإتقان الحاضر من جهة واستعماله في تصحيح الماضي من بعد، لكنه في الحقيقة، ولأنه ليس ثمة نفع هنا للتمرين أو وجود للحلول، يضر ولا يفيد، يحيي الميت ويزيد على المآسي أضعافها. وبخلاف الموت نفسه الذي يفقرك لحياة، فإن الاحتضار الطويل الذي هو موت بطيء تدريجي، صورة تزهدك في العيش وتجعل الرحيل -على عسره- كل غايتك.

لكن الأخت تقاوم. يخبرها الطبيب ألا تفكر بشكل مجرد وأن تتعامل مع الآلام الملموسة، فتدلك لأخيها ظهره إذا شعر بألم وهلم جرًّا. تكتسب الأشياء معاني إضافية جديدة، فإلقاء القمامة يأخذ معنى التخلص من العنت، وعلاقتها بزوجها حتى أدق التفاصيل تتأثر بسيطرة حضور الموت المستمر على نظرتها للأمور. أما شراؤها العنب لأخيها الذي لم تعد معدته تقبل طعامًا آخر، فقد اكتسب صفاء نادرًا أضفى على الفاكهة المعتادة -لأن لكل الأشياء جوانب إيجابية في النهاية- نضارة بهيجة حتى صار مرآها في السوق يسرها بمحضه.

الغريب في رواية “غرفة مثالية لرجل مريض” لـ “يوكو أوغاوا” أن الموضع الوحيد الخارج عن هذا الوضع كان الغرفة نفسها؛ الغرفة النظيفة التي تداوي مشاكلها المزمنة المتعلقة بالقذارة، وحضورُ أخيها مفصولًا عن الأمس والغد، موضوعًا لتشعر نحوه بكل مشاعر الحب الممكنة، وتقدر كل جزء من تكوينه الإنساني الذي لم يتيسر لها من قبل تأمله.

اقرأ أيضًا للكاتب محمود أيمن: