الأندلس من جديد: مدرسة زرياب وحياة فنية غنية بالتفاصيل!
0

عرفت الأندلس الأثيرة في جانب من جوانب قيامها حياة أناقة وذوق وترف ورونق، وانتشر ذلك بصفة طاغية ليشمل جميع الأركان ويجعل منها مضرب المثل في الجمال. ولعلّ أبرز روّاد مدرسة الجمال تلك هو أبو الحسن بن نافع، المعروف بزرياب. والذي كانت الأندلس بالنسبة إليه منحة في طيّات محنة تعرّض لها في بلاده بغداد.

فما تفاصيل كلّ ذلك؟ وما عادات الأندلسيين في الأزياء والجنائز والأعراس؟

زرياب: رائد مدرسة الفنّ والجمال ومعلّم الإتيكيت في الأندلس

الأندلس مدرسة زرياب - العود

أبو الحسن بن نافع الذي ولد عام 789م في بغداد، والذي نشأ في الموصل؛ كان شجيّ الصوت، أسمر اللون، فاكتسب على إثر ذلك لقب زرياب -نسبةً إلى طائر يحمل المواصفات ذاتها- ليبقى ذلك اللقب علامته الواسمة إلى الأبد. وقد تتلمذ على يديّ إسحاق الموصلي، رائد الفن والموسيقى في الشرق الأوسط آنذاك، في عصر الدولة العباسية.

بعد إتقانه لفن الغناء، وقف لأول مرة في بلاط هارون الرشيد بمرافقة أستاذه، وأدهشه بصوته العذب ونوبته القائلة:

يا أيها الملك الميمون طائره

هارون راح إليك النّاس وابتكروا

لكن موهبته تلك حلّت كاللعنة عليه، إذ لم يحتمل أستاذه فكرة أن يسرق تلميذه الأضواء منه، فأمره بمغادرة العراق وهدّده بالقتل عند الرّفض. فشدّ زرياب رحاله إلى شمال أفريقيا في البدء ليستقرّ بعدها في الأندلس تحت ضيافة أميرها عبد الرحمن الثاني. ثم شهدت حياته بعد ذلك تطوّرًا كبيرًا، فاكتسب شهرةً ومكانةً خاصةً عند جميع الأندلسيين، حتى لقّب بالمعلم؛ اللّقب الذي لا ينال شرفه إلّا الأكابر والعلماء.

وقد كان هذا الفذّ -فضلًا عن براعته في الموسيقى- أنيقًا نظيفًا، وعرف عنه ابتكاره لمزيل العرق عن طريق خلط نبات السفراج بالماء، حتّى لا تترك أثرًا في اللباس. وعرف عنه استخدامه لعطر الغالية، باهظ الثمن آنذاك، والمصنوع من العنبر والطيب.

كما كان أوّل الذين أدخلوا لعبة الشطرنج، وأيضًا الحمّام إلى الأندلس في عهد الأمير عبد الرّحمن الثاني، ليصبح عدد الحمامات في قرطبة وحدها 306 حمّامًا في عهد الخليفة المستنصر بالله، وكان كل حيّ ينفرد بحمّام خاص به.

الحمامات العربية في الأندلس
الحمامات العربية في الأندلس القديمة.

وكان زرياب فوق كل ذلك رائد فنّ الإيتيكيت في الأندلس بشكلٍ عام، وقد سبق ذكرنا في مقال الأندلس بعد الفتح: الأعراق والأطعمة وعشرات الأشياء بالمنتصف! تقسيمه لوجبات الطعام عند التقديم بناء على أنواعها، كما وضع مناديل مخصّصة لمسح كل عضو في أعلى الجسم، من الفم إلى الجبين، إلى اليدين.

صمّمَ الأزياء وفقًا للمناخ، فكانت الثيابُ ذات الألوان الحارّة والمبهجة خاصةً بالصيف، وكانت الثياب المصنوعة من الصوف والفراء للشتاء، كما عرف عنه كثرة ارتدائه للون الأبيض.

وقد كان أوّل من أضاف وترًا خامسًا لآلة العود، ويرجع له الفضل بالمساهمة في ابتكار موسيقى الفلامنكو ذائعة الصيت بإسبانيا. وأسّس بعد ذلك سنة 825م دار المدنيات في قرطبة، أوّل معهد موسيقي بالأندلس قاطبة. والتي اعتمد فيها مع تلامذته طريقة تلقينية لا تزال تطبق إلى يومنا هذا. يتم فيها الضغط على البطن، وكتم الأنفس، مع فتح الفم، والنوم بقطعة خشب بين الأسنان، لتحسين الطبقات الصوتية عندهم.

وكذلك إضافةً إلى ابتكاره لحلوى الزلابية التي تنتشر بكثرة في الشرق، والتي قيل إنّ أصلها زريابية. الأندلس فعلًا مهولة جدًا، وبمثابة حديقة فولكلورية غنّاء.

الأزياء في الأندلس من العمامة إلى القلنسوة

أزياء أهل الأندلس زمن دولة بني نصر
أزياء أهل الأندلس زمن دولة بني نصر.

الاندماج الذي جاء في الأندلس نتيجة لتعايش الأعراق بعضها مع بعض انعكس على الملابس كذلك. فقد جاء العرب بعادة لبس العمائم من المشرق، لكن سرعان ما تلاشت هذه العادة شيئًا فشيئًا، واقتصرت على القضاة والعلماء، وتوجّه الناس بعدها إلى ارتداء القلنسوة الإسبانية.

يقول المقريّ صاحب كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب:

أما الأجناد وسائر الناس فقليل من تراه بعمامة في شرق منها أو غرب.

وقيل إن الأمير عبد الرحمن الأوسط -وحاجبه عيسى بن شهيد- كانا يرتديانها كذلك. أمّا الأمازيغ، فقد اشتهروا بلبسهم العمامة حتى لقبوا بأصحاب العمائم، كما أحضروا معهم من أوطانهم البرانس التي ذاع صيتها خاصة في عهد الموحدين والمرابطين.

وكان أهل الأندلس يضعون ما يسمى بالغفارة، وهي رداء رأس طويل يصل إلى الرقبة، كان يوضع تحت العمامة في الأصل، ثم اعتمد وحده، وقد كان يلقّب بميزة العلماء، وانتشر في ذلك مثل شعبيّ مشهور:

ثلاثة من الناس ما يلباس غفارة، صياد بصنارة وميار بحماره وجنام بخطاره.

وهذا إشارةً منهم إلى أنّ الغفارة سيمة النخبة. وقد كانت تصنع بألوان ثلاث: الأخضر والأصفر والأحمر، وكانت الصفراء منها خاصةً باليهود.

كما انتشرت بين الرجال في الملابس عادة سمّيت بالوشي، حيث يتم فيها تطريز الملابس وتزيينها وتذهيبها بالأبيات الشعرية والحكم، واقتصر فعل ذلك على الطبقة الحاكمة والأغنياء من القوم.

أمّا عن ملابس النساء فقد عرف عندهم ما يسمى بالإتب، وهو ثوب يصل إلى الساق ويكون مشقوقًا في المنتصف، إضافةً إلى الشال الفارسيّ الذي يوضع على الكتفين، والإزار.

نموذج عن لباس الأندلسيين
نموذج عن لباس أهل الأندلس.

ولعلّ أهم لباس نسوي لا يزال محتفظًا بسيمته وأثره إلى يومنا هذا هو لباس الحايك، المنتشر بقوة في بلدان المغرب العربيّ والذي قيل إنّ أصله هو الأندلس الأثيرة. ثمّ انتقل منها إلى شمال أفريقيا، وأصبح يمثل هويّة المرأة هناك. وقد اشتهرت نساء حيّ القصبة العريق بالجزائر بارتدائهنّ له، إضافة إلى نساء تطوان وشفشاون بالمغرب. وقد شبّه ابن الخطيب نساء الأندلس اللواتي كنّ يرتدينه؛ بأسراب الحمام. ويتم صنعه من الصوف أو الحرير.

لباس الحايك ذو الأصل الأندلسي
لباس الحايك ذو الأصل الأندلسي.

عادات الجنائز والأعراس

الجنائز

كان الإعلان عن الميت في الأندلس يتمّ عن طريق مئذنة المسجد، بقراءة آيات من القرآن الكريم ثم ذكر اسم الميت وموعد جنازته. وقد بنيت قبور مخصصة لكل طبقة، وكانت مقبرة الطبقة الحاكمة تعرف باسم مقبرة الروضة، وهي تابعة لقصر قرطبة.

ومن العادات المتبعة عند تشييع الجنازة المشي بتثاقل وبطء، وخروج النساء لتشييعها مع الرجال، ثم زيارة القريبات منهن للقبور إلزامًا أيّام الجمعة والأعياد. كما يلتزم جيران أهل الميت بتحضير الطعام للمعزين، وفي اليوم السابع يتم توزيعه على الفقراء. وأيضًا والاستعانة بقارئ لتلاوة القرآن الكريم على القبر. وقد انتشر في عصر الأمويين لباس الأبيض في الجنائز لمخالفة العباسيين في المشرق، وجاء في ذلك بيت شعريّ يقول:

إذا كان البياض لباس حزن

بأندلس فذاك من الصواب

الأعراس

من بين الطرق التي يتمّ فيها اختيار العروس على غرار المعرفة أو التصادف في السوق، وجود نساء مسنات تتكفلن بأنفسهنّ بعملية الخطبة، إذ جاء في كتاب طوق الحمامة لابن حزمٍ الأندلسيّ:

فإنّك ترى المرأة الصالحة المسنّة وأحب أعمالها إليها وأرجاها للقبول سعيها في تزويج يتيمة وإعارة ثيابها وحليّها إلى عروس مقبلة.

ومن أشهر عاداته يوم الحمام، الذي تذهب إليه العروس مع رفيقاتها قبل يوم العرس، كي يتمّ تجميلها من طرف ماشطة خاصة. والجهاز الذي يوجب على الولي شراء الأزياء والحليّ للعروس، ولو كلفه ذلك الاستدانة من الآخرين، لما عرف عنهم التكلّف والتباهي بالجهاز أمام العائلات الأخرى. وقد كان العرس يستمر لمدة أسبوع كامل، تتخلله الولائم وجلسات العزف على العود والضرب على الدف، ورقصات النساء.

لطالما اكتسبت الأندلس جوّ بهجة وفرح ومرح، واحتفلت إلى جانب أعيادها الدينية بأعياد أخرى كثيرة مرتبطة بالفصول والمواسم، لكن هذا الاحتفال الصّاخبَ كان يبدو في فترة من فتراتها شبه مستحيل بسبب أحداث فوضوية سمّيت بفتنة قرطبة، فما ميزات الأعياد في الأندلس ككل؟ وما حكاية الفتنة؟

للحديث بقية في الجزء القادم… انتظرونا!

0

شاركنا رأيك حول "الأندلس من جديد: مدرسة زرياب وحياة فنية غنية بالتفاصيل!"