العمارة الإسلامية والبيئة: إضاءة على أشهر طرزها ومميزاتها
0

تعتبر الحضارة الإسلامية واحدة من الحضارات التي اعتمدت وابتكرت حلولًا هندسيةً معمارية، كما أنّ الطرز المعمارية في العمارة الإسلامية متنوعة تنوع البيئات التي تم إنشاؤها بها، وقد صنّف الباحثون العمارة الإسلامية ضمن عدة مدارس، وقد تطورت جميعها وفقًا للمعطيات جغرافية ومناخية التي نشأت فيها.

واليوم سنتحدث عن هذه الطرز، مستعينين بكتاب تحميل كتاب العمارة الإسلامية والبيئة: الروافد التي شكلت التعمير الإسلامي، لمؤلفه يحيى وزيري.

العمارة الإسلامية والطراز الأموي في الشام والأندلس

العمارة الإسلامية - الطراز الأموي في الشام والأندلس

حكمت الدولة الأموية العالم الإسلامي لحوالي 89 عامًا من 41-132 للهجرة، 661-749م، لذلك فقد ورث الأمويون الفنون المعمارية للحضارات السابقة وتأثروا بها، لكن سرعان ما أسسوا لفن العمارة الإسلامية بطريقتهم الخاصة، ليتفرع هذا الفن لطرز معمارية مختلفة لكنها جميعًا بقية ضمن المعمار الإسلامي، والبيئة التي نشأ فيها الفن المعماري الأموي وأسس طرازًا معماريًا إسلاميًا، هي بيئة بلاد الشام، وهي بيئة غنية بالحضارات التي مرت عليها خلال قرون عديدة.

لقد استفاد الأمويون من الموارد البيئية الموجودة في بيئة بلاد الشام، فاستخدموا الحجارة والخشب بشكل كبير في مبانيهم، كما أنهم جلبوا مواد أخرى وأدخلوها في عمائرهم كمادة الرخام، كما استخدموا الفسيفساء في تزيين هذه العمائر. لقد استخدموا الحجارة التي على شكل مداميك، كما استخدموا العقود المحمولة على أعمدة في تشييد هذه المباني.

الطراز الأموي المغربي

العمارة الإسلامية - الطراز الأموي المغربي

بعد تأسيس عبد الرحمن الداخل للدولة الأموية الثانية في عام 139 هجري، في 756 ميلادي، وجعل عاصمتها مدينة قرطبة؛ بهذه الفترة بدأت تظهر طرز العمارة الإسلامية في الأندلس. فقد احتفظ الفن الأموي الغربي ببعض أساليب العمارة الأموية في العصر الأول، مع خلوها من التأثيرات المحلية لمنطقة بلاد الشام، لكن أضيف على هذه الطرز بعض الأساليب الأوروبية المطورة كالعقود ذات الطابقين.

كما في مسجد قرطبة، كما تأثر في الفن القوطي الغربي، كما استغل المسلمون الحجارة والمواد الأخرى، واستخدموا الأعمدة ذات الطرز المختلفة، أما بالنسبة للعقود فقد استخدموا العقد على هيئة حدوة الحصان.

الطراز العباسي في العراق

العمارة الإسلامية - الطراز العباسي في العراق

أدى انتقال مقر الخلافة من دمشق إلى بغداد، لتغير واضح في الطرز المعمارية. حيث بدأت تظهر ملامح فنية للعمارة مستوحاة من الفن الأخميني والساساني، حيث بدأوا باستخدام الآجر المشوي بدلًا من الحجر. كما استخدمت الأكتاف بدلًا من الأعمدة، كما اعتمدت الزخارف الجصية بدلًا من الزخارف الحجرية، واستخدم التخطيط المستطيل للمباني.

أما بالنسبة للمدن التي تأثرت بمفهوم العمارة الإسلامية فقد ظهر التخطيط الدائري. حيث أنشأ أبو جعفر المنصور مدينة بغداد وجعلها عاصمته الجديدة. والتي صممها مهندس فارسي، حيث استخدم في بنائها قوالب الطوب واللبن، وبلغ حجم الطوبة الواحدة ذراعًا مكعبة، واستخدم البوص كرابط بين المداميك وهي طريقة عراقية قديمة.

الطراز الفاطمي

الطراز الفاطمي للعمارة الإسلامية

تأسست الدولة الفاطمية في المهدية في تونس عام 303 هجري، 890 ميلادي، فيما بعد استطاعوا فتح مصر لينقلوا عاصمتهم من المهدية إلى العاصمة الجديدة التي شيدها جوهر الصقلي وأسماها القاهرة. لقد تأثر الفاطميون أحيانًا بالطرز العباسية ومفهوم العمارة الإسلامية المختلفة مجملًا. كاستخدام الأكتاف بدلًا عن الأعمدة، وأحيانًا بالطراز الأموي.

كما استخدموا الحجارة المنحوتة لأول مرة بديلًا عن الطوب، وزينوا الواجهات بالزخارف المحفورة على الحجر، واستخدموا المقرنصات لأول مرة في واجهات بعض المساجد. وغطوا أروقة المساجد بقباب منخفضة محمولة على مثلثات كروية من الآجر، أما بالنسبة لمنازل الفسطات -وهي منطقة في القاهرة حاليًا- أثبتت الحفريات أنها مشابهة للطراز العباسي، من خلال استخدام الأفنية الداخلية والأواوين المطلة عليها.

الطراز العثماني

العمارة الإسلامية - الطراز العثماني

تجلت العمارة العثمانية وأخذت طرزها المميزة بعد فتح القسطنطينية من قبل محمد الفاتح، فقد بنيت المساجد على طراز آية صوفيا التي كانت كنيسة قبل الفتح، أي أنها تأثرت بالعمارة البيزنطية، ويعتبر المهندس سنان أهم معماري في الفترة العثمانية، حيث بنى أهم صرح العمارة الإسلامية وقتها.

بسبب وقوع معظم المدن الإسلامية في مناطق صحراوية حارة لجأ المسلمون لاتباع معالجات تخطيطية عدة وذلك لمواجهة قسوة المناخ والظروف البيئية غير المواتية. ومنها:

– الحل المتضامن للمباني: أي تقارب مباني المدينة بعضها من بعض بحيث تتكتل وتتراص في صفوف متلاصقة، لمنع تعرض واجهاتها للعوامل الجوية كأشعة الشمس والرياح المحملة بالرمال، والتي تؤدي لرفع حرارة المبنى.

الاختلاف في ارتفاع المباني المتجاورة: يؤدي لتظليل أجزاء كبيرة من أسقف هذه المباني وحمايتها من أشعة الشمس، فالبيوت في دمشق القديمة بيوت متلاصقة، لا فسحة بين الدار والآخر. إن اتباع الحل المتضام في إنشاء المدن أدى إلى اللجوء للشوارع الضيقة وتقليص المساحات الخارجية المكشوفة. ولتعويض ذلك فقد اتبع أسلوب تفريغ كتلة مباني في العمارة الإسلامية يا أعزائي، وذلك عن طريق الأحواش والأفنية الداخلية أو الفسحات السماوية، والتي توفر التهوية الجيدة، والإضاءة الطبيعية للمبنى، إضافة للخصوصية التي توفرها لأصحاب المنزل.

تقليل الضوضاء في المدن الإسلامية: تم عزل الأسواق وأماكن التجارة عن المناطق السكنية، أي تم الفصل الوظيفي للشارع التجاري عن الحارة السكنية، كما تميزت بسماكة الجدران من أجل العزل الحراري وتقليل الضوضاء،

الشوارع الضيقة: وهذا إضافة إلى أنها متعرجة وتنفتح على مجازات في بعض الأمكنة الواسعة، وذات نهايات مغلقة تكون وظيفتها تلطيف هذه الشوارع من خلال تخزين الهواء معتدل البرودة في الليل. كما أن الشوارع الضيقة التي تجاورها بعض الأبنية المرتفعة تساعد في ازدياد كمية الظلال. إضافة لذلك فالشوارع المتعرجة الضيقة هي طريقة لكي لا تتحول هذه الشوارع لأنفاق للرياح الشتوية الباردة، أو الرياح الساخنة المحملة بالرمال.

– سقف الشوارع وبروز الواجهات: لجأ المعماري المسلم لإيجاد حلول للحماية من أشعة الشمس وعوامل المناخ وخاصة في الأسواق؛ منها سقف الشوارع التجارية أو استخدام السابطات. فبعض الشوارع كانت أسقفها مسطحة وبعضها بني على هيئة أقبية من الآجر، وعليها عرائش من العنب. كما استخدمت الأقبية الحجرية في مدن كبرى كحلب، وبعض الأسواق سقفت بالكامل وذلك للحماية من أشعة الشمس كسوق مكة المكرمة. وبعض الأسواق استخدم القماش في تغطيتها، كسوق القفصيات في القاهرة، وحوانيت التفاح عند دار التفاح في القاهرة، وفي بعض مدن الصعيد.

أما السابطات ومفردها السابط، وهي عبارة عن ممر مسقوف بين دارين او جدارين؛ إنها معابر علوية. وفي كثير من الأحيان تكون على هيئة جسور معلقة تعلو فراغ الفناء حيث تربط جناحي المسكن، فهي تحمي من التعرض المباشر من أشعة الشمس وتوفر الخصوصية.

بروزات الواجهات، ابتكرت العمارة الإسلامية أسلوبًا معماريًا لإضفاء المزيد من الظلال على الشوارع الضيقة غير المسقوفة، وذلك من خلال اعتماد أبنية ذات طابقين بحيث يكون الطابق السفلي مبني على كامل قطعة الأرض المخصصة له. بينما تبرز واجهات الطابق الثاني عن الأول وبذلك يسبب هذا البروز ظلال على المبنى نفسه وعلى أرضية الشارع الذي يطل عليه.

نقاط عامة حول العمارة الإسلامية

اعتمد المعماري المسلم في تصميم الأبنية على وضع فناء داخلي ضمن هذه الأبنية، أو فتحة سماوية، كما استخدم ما يعرف بالإيوان، وهو عبارة عن فراغ معماري على هيئة حجرة واجهته مفتوحة بالكامل على الصحن أو فناء البيت.

كما تميزت بعض البيوت الإسلامية بما يعرف بملاقف الهواء وهي عبارة أبراج مرتفعة عن سطح المبنى لها فتحات من كل الجهات، وهي خاصة بالمناطق الحارة. وهي عبارة عن مداخل تقوم بتهوية المباني مع وجود مخارج للهواء، فإذا ما اندفع تيار الهواء داخل الغرفة ولم يجد له مخرجًا فإن هذه الغرفة سرعان ما تمتلئ بالهواء الذي يصبح بحالة سكون. لذا فقد استخدم الفناء الداخلي مع الملقف لإتمام حركة الهواء داخل الغرفة. وتستخدم الملاقف للحصول على هواء نقي نسبيًا من الأتربة، وتوفير التهوية للمباني التي لا توجد فيها منافذ خارجية، وتلطيف درجة حرارة الهواء داخل.

كما زودت المدن والمنازل بشبكات صرف صحي، وزودت بشبكات المياه العذبة، وفي بعض المنازل حفرت آبار الماء بحيث تكون بعيدة عن الصرف الصحي حتى لا تتأثر بها.

أما بالنسبة المواد المستخدمة في البناء الخاص بكوكبة العمارة الإسلامية مجملًا، قد حرص المسلمون على استخدام المواد المتوفرة والملائمة للطقس والمناخ الحار، ومن هذه المواد:

  • الطوب أو اللبن: وهو عبارة عن طين مع مواد أخرى كالتبن يشكل ضمن قوالب، ويجفف تحت الشمس، وتستخدم في المناطق الجافة والحارة والتي تكون فيها نسب تساقط الأمطار قليلة.
  • الآجر: ويعرف في العراق بالطابوق وفي مصر بالطوب الأحمر. وهو عبارة عن طين ممزوج بالماء يترك ليجف ثم يحرق في أفران خاصة، فيتحول لمادة صلبة تقاوم تأثير الماء.
  • الحجر: وهو من أهم مواد البناء التي استخدمت في العمارة، ويستخدم بسماكة كبيرة ليوفر العزل الحراري الجيد. ومن أهم الحجارة المستخدمة الحجر الجيري، وذلك للونه الفاتح، الذي يعكس قسم كبير من أشعة الشمس الساقطة على البناء، وهو عازل جيد للحرارة بسبب كثافته الكبيرة.
  • الخشب: كمادة مساعدة في بناء الجدران، حيث استخدم كعتبات للنوافذ والأبواب، كما استخدم في صناعة مشربيات الغرف، والتي تعمل على تبريد الهواء الداخل للغرف.
  • الجبس أو الجص: وذلك بسبب قدرة هذه المادة على امتصاص رطوبة الهواء، فقد استخدم الجص الأبيض في طلاء جدران المباني وخاصة في المناطق ذات درجات الحرارة والرطوبة العالية، وهو يعمل كطبقة عازلة تحمي الجدران من المطر.

ومما سبق سنجد أنّ للبيئة والمناخ دور كبير في تمايز هذه المدارس عن بعضها.

مع العلم أن البيئة قسمها الباحثون إلى:

  1.  البيئة طبيعية: وتشمل العامل الجغرافي والمناخي، والتي يتأثر بها الإنسان وجميع الكائنات الحية الأخرى.
  2. البيئة الاجتماعية: وهي العوامل الاجتماعية التي تحكم العادات والتقاليد والسلوك والقيم، وهي مرتبطة ارتباطًا عضويًّا بعلاقة الإنسان وسلوكه وعلاقته بالآخرين. فالعامل الاجتماعي له تأثير كبير في العمارة عمومًا، والعمارة الإسلامية خصوصًا. لذلك عند دراسة أي نموذج معماري علينا أن نفهم بشكل جيد الحالة الوجدانية والعادات والتقاليد التي تسود هذا المجتمع، كما يضوي تحت مفهوم البيئة الاجتماعية العديد من العوامل، كالعامل الثقافي، والعامل الحضري، والعامل السياسي.

في الحقيقة، عندما يتم إنشاء أي مبنى يصبح هذا المبنى جزءًا من البيئة المحيطة به، وله دور في تشكيل المنظر العام.. كما يتأثر بنفس الوقت بالعوامل الطبيعية كالشمس والمطر والرياح، وبقدر استطاعة هذا المبنى مقاومة العوامل المناخية وخلق جو مناسب لحياة الإنسان وتوفير الراحة له؛ يكون هذا المسكن مناسبًا للعيش فيه. فقد استطاعت العمارة الإسلامية ابتكار أفضل الأبنية المتناغمة مع البيئة، والتي قاومت الظروف الجوية الجافة ونجحت في تخفيفها على قاطنيها.

0

شاركنا رأيك حول "العمارة الإسلامية والبيئة: إضاءة على أشهر طرزها ومميزاتها"