نقد التصوف: السلفيون والمتصوفة في مصر
0

كان التصوف على مدار التاريخ الإسلامي محل خلاف فكري في الرأي بين متّبعيه ومعارضيه، بين المدافعين عنه وعن مميزاته وعن شيوخه وبين المهاجمين الرافضين له؛ الذي جعله قضية جدلية خلافية بين الفرق الإسلامية. فما هي رؤية الحركة السلفية للتصوف؟

موقف السلفيين المُحدثين من التصوّف: هل هو مرفوض تمامًا؟

لا يخفى على المتابعين للسجالات والخلافات بين الفرق الإسلامية -حديثًا وقديمًا- وجود معارك كلامية بين بعض الفرق والصوفيين؛ خاصة السلفيين المعاصرين، والذي يقرأ عن التصوف ومعاركه في التاريخ الفكري الإسلامي سيلاحظ أن هناك اتجاهين أساسيين، بينهما قدرٌ كبيرٌ من الاختلاف:

  • الاتجاه الأول عنوانه: الرفض المطلق والتام لفكرة التصوف من الأساس؛ لا فرق عندهم بين نوع أو طريقة أو فكرة صوفية وأخرى. ولا فرق عندهم بين ما يعرف بالتصوف السني الفقهي أو التصوف الفكري الفلسفي.
  • وأما الاتجاه الثاني: يقبل هذا الاتجاه التصوف ببعض التحفّظ؛ فقد اتخذوا الطريق الوسط في حكمهم على التصوف، فمدحوا جوانب منه وقدروها، ورفضوا جوانب أخرى وذمّوها، ولم يرفضوه مطلقًا ولم يقبلوه كليةً.

وبما أن الحديث يدور عن السلفيين وخاصة المعاصرين؛ فقد عرف عنهم أن رفضهم للتصوف هو الموقف الشائع بينهم، ونورد هنا رأي أحد أبرز مشايخ السلفية المعاصرة ورأيهم في فكرة التصوف ومذهب الصوفيين؛ وهما الشيخ المعروف محمد رشيد رضا، والشيخ محمد رشاد سالم.

محمد رشيد رضا والنظرة للمتصوفة: هل يمكن تقبل التصوف إسلاميًا؟

نقد التصوف - محمد رشيد رضا

يعتبر محمد رشيد رضا (1865-1965) أحد أبرز الأسماء السلفية المحدثة والذي تعتبر آرائه منهجًا يُرجع إليه في الجماعات السلفية. أما عن رأيه في التصوف والصوفيين؛ فقد كان رضا يتحفّظ وينتقد الكثير من المظاهر والأفكار العقدية والعملية في التصوف بشكلٍ عام. مثل: الغلو في تقديس الأولياء والصالحين ووضعهم في مكانة مقدّسة، والاستغاثة والاستنجاد بهم، وبناء المساجد على قبورهم وزيارتها، والاعتقاد بأنهم يملكون قدرة على التصرف والإعجاز.

محمد رشاد سالم ومواطن نقده للصوفية: هل يمكن أن نقبل الصوفية؟

نقد التصوف - محمد رشاد سالم

إذا انتقلنا إلى رأي آخر وهو الدكتور محمد رشاد سالم (1927-1986)، فنلاحظ أنه كغيره من أصحاب الاتجاه السلفي، ينتقد العديد من البدع والمخالفات عند الصوفية، ويشمل هذا النقد البدع النظرية أو الاعتقادية والبدع العلمية أو السلوكية.

نقد أغلب السلفيين المُحدثين للتصوف: لماذا يعتبر التصوف كفرًا؟

قد شمل هذا النقد شتّى قضايا التصوف وموضوعاته وأعلامه، بما في ذلك التسمية وسببها ومدى مشروعية التصوف، وهل له أصول إسلامية أم أنه وافد أجنبي ذو جذور خارجية. كما امتد إلى القضايا الأساسية التي تمثّل لب هذا العِلم وصميمه، مثل قضية الأولياء والكرامات، والعلاقة بين الشيخ والمريد، وأخذ العهد، إلخ.

وإذا بحثنا عن نقطة البدء التي انطلقوا منها في موقفهم الرافض للتصوف؛ فسوف نجدها متمثلة في نفيهم الحاسم لأي أساس شرعي له، وقطع أي صلة تربطه بالإسلام: عقيدة وشريعة. ورده إلى جذور أو أصول أجنبية. بمعنى أنه لم ينبثق من البيئة الإسلامية، ولم يُؤَسس على ثوابت شرعية تعتمد على الكتاب والسنة.

ما هي رؤية السلفيين للتصوف؟

نورد هنا نقد ورأي الشيخ حامد الفقي، باعتباره واحدًا من أبرز أسماء السلفيين في مصر؛ وقد قال في معنى لفظ التصوف والأصل الذي اُشتق منه. ومن المعروف أن هناك خلافًا كبيرًا بين الصوفية وغيرهم في معنى هذا المصطلح. لكن الفقي أعرض عن معظم هذه الآراء، مُرجحًا القول بأن التصوف كلمة أعجمية وليست عربية ولا إسلامية. فهي أولًا هندية ثم يونانية، ومعناها السعي إلى الحقيقة الأولى، أو الحقيقة الإلهية، وهي الأساس الذي قامت عليه عقيدة وحدة الوجود.

وأما أصول التصوف عنده ففارسية هندية يونانية، بل إنه ذهب إلى رأي لم يسبقه أحدٌ إليه؛ حيث رجّح أن كلمة التصوف والفلسفة هي مصطلحات تشير إلى معنى واحد، واللفظة كانت معروفة قبل العرب بآلاف السنين فضلًا عن الإسلام. وسارت مرة باسم الفلسفة ومرة باسم التصوف، ومرة بأسماء أخرى، كلها تجتمع عند نقطة واحدة، هي أن الحقيقة الإلهية بزعمهم الضال، هي الخلية والمادة الأولى، والنواة التي نبت منها كل هذا الوجود. كما ذكر في كتابه (التعليق على مدارج السالكين لابن القيم).

ويبدو أن كلام الشيخ حامد الفقي لا يخلو من نظر، لا سيما ما فيه من مبالغة وتعميم، وهو مبني على عدم التفرقة بين مراحل نشأة التصوف، وأحوال الصوفية الأوائل -ممن يصعب إثبات تأثرهم الجوهري بالفكر الأجنبي الوافد- وبين المراحل التي مر بها التصوف بعد ذلك، واختلط فيها بالفلسفات المختلفة.

جوانب نقد السلفيين للصوفية: ما هي أسباب الخلاف؟

نقد الجانب الاعتقادي عند الصوفية

قد بلغ نقد التصوف وعقائده مدىً بعيدًا عند بعض السلفيين المحدثين؛ حيث اتهموا التصوف بأنه هدم العقائد، وحطم العقول، واعتمد على الخرافات. ونظرًا لعدم تفرقة الكثير من السلفيين المحدثين بين غلاة الصوفية ومعتدليهم، أو بين أصحاب الاتجاه الفلسفي، وما يُعرف بالتصوف السني؛ فقد وسموا الصوفية جميعًا بأنها عقائد ضالّة لا يمكن لمسلم أن يقرّ بها مطلقًا.

كذلك نقدوا بشدة ما ذهب إليه أكثر الصوفية من التفرقة بين ما يُعرف بالظاهر والباطن، وبين الحقيقة والشريعة. ولا شك أن هذا التفريق مخالف للشرع، كما ترتبت عليه لوازم خطيرة أدت إلى الصراع الشديد بين الفقهاء والمتصوفة.

نقد التصوف - رقص صوفي

نقد الغلوّ في مكانة الأولياء والصالحين

وقد حظي هذا الموضوع بعناية كبيرة من سائر علماء الاتجاه السلفي، وشغل مساحة واسعة من كتبهم، ولعل ما آلت إليه أحوال التصوف في العصور المتأخرة من تقديس الأولياء والصالحين، والممارسات والأفعال المحرّمة التي تحدث عند أضرحتهم وموالدهم، هو السبب في غضب السلفيين عليهم؛ حيث انتشار البدع والأفعال المحرمة، والمخالفة تمامًا لأحكام الشرع ونصوص الكتاب والسنة.

نقد المعرفة الصوفية المعتمدة على الكشف والإلهام والرؤى

يتعارض هذا النوع من معرفة التصوف مع المنطق الذي تقوم عليه فكرة وقواعد الاتجاه السلفي؛ مثل اتباع الكتاب والسنة النبوية بشكل كامل، والاعتماد عليهما في تشكيل قاعدة أفكارهم؛ ولذلك رفضوا ما يسمى بالمعرفة الصوفية القائمة على فكرة الكشف والإلهام والرؤى المنامية وغير المنامية، وما يترتب على ذلك من التفرقة بين الظاهر والباطن من معاني الأشياء.

المقارنة بين موقف القدامى والمحدثين من التصوف: هل اختلف النقد للتصوف؟

لا شك أن من يتتبع كتابات السلفيين  المُحدَثين يلحظ اتفاقهم التام على الإعلاء من شأن أئمة السلف المتقدمين والثناء عليهم، والاعتماد على كتبهم في جُل قضايا العقيدة والمنهج، والحرص على نشرها ودعوة الناس إليها وكثرة الاستشهاد بها. ومن أبرز الشخصيات التي حظيت بالنصيب الأكبر من الاهتمام هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وآخرين. نظرًا للدور المهم الذين قاموا به في صياغة أصول المنهج السلفي وتوضيح آرائه والرد على مخالفيه.

رقص صوفي

ولكن من العجيب رغم اقتدائهم بالقدامى أنهم ضربوا عرض الحائط بآرائهم وحديثهم عن التصوف مجملًا؛ فنجد مثلًا في حديث القدامى بعضًا من الإنصاف والحكمة والنصح، أما عند المُحدثين نجد الشدة والغلظة. 

نجد أن الرأي الغالب على أصحاب الاتجاه السلفي الحديث هو الرفض التام لمفهوم التصوف كما ذكرنا سابقًا، لكن إذا انتقلنا لموقف الاتجاه السلفي القديم، ولا سيما عند ابن تيمية وتلامذته المشاهير؛ فسوف نجد موقفًا مختلفًا تمامًا من التصوف يا أعزائي. وهذا الموقف ينطلق من أساس منهجي قائم على التفرقة بين تصوف منحرف وآخر معتدل، والنظر إلى الصوفية كسائر الطوائف الأخرى باعتبار أن فيهم الصالح والطالح والطيب والخبيث، والميزان الحاكم لذلك كله هو مدى الموافقة والمخالفة لكتاب الله وسنة رسوله.

ابن تيمية بين الرفض والقبول للتصوف

هناك بعض النصوص الصريحة لابن تيمية يؤكد فيها على انقسام التصوف إلى مقبول ومرفوض، كما ينبّه إلى بعض الظواهر التي شاعت عبر مسيرة التاريخ الإسلامي. والمتمثلة في نظرة الانتقاص المتبادلة بين الفقهاء والصوفية مُبديًا رأيه في الحكم بين الفريقين بأن الكتاب والسنة هما فقط الحاكم الوحيد بين الفقهاء والمتصوفين. فما وافقهما من أي الفريقين فهو الصواب، وما خالفهما فهو ضال. فقد تبنّى موقفًا وسطًا من التصوف فلم يقبله كله ولم يرفضه كله، فإنما قبل منه ما وافق الكتاب والسنة وردّ منه ما خالف الكتاب والسنة.

واللافت للنظر هو مدحه لمنهج التصوف في أكثر من موضع من كتبه وحرصه على عدم الحكم على الصوفية جميعًا بحكم واحد، ومن نماذج مدحه للتصوف قوله: التصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي، وتزكية للنفس وتهذيبها، لتسعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبّه.

0

شاركنا رأيك حول "التصوف ونقده: السلفيون والمتصوفة في مصر"