الحيادية الجنسية
0

من قال أنّ الرّجال لا يتعرضون كذلك للتمييز والعنصرية، شأنهم بذلك شأن النساء؟ ومن قال إنهم لا يُجبرون على فعل أشياء لا يريدونها؟

صحيحٌ أنّ فئة النساء هي الأكثر تضرّرًا، لكنّ التفرقة بين الطرفين على حساب الجنس، أو ما يعرف بالعنصرية الجنسية- Gender discrimination، هو أمر يشملهما معًا ويقيّد حرية الاثنين في الحصول على فرصٍ متساوية.

من هذا المنطلق، ظهرت حركة الحيادية الجنسية Gender Neutrality Movement سنة 1960 والتي تقضي بأن يحصل الجنسان على نفس الفرص في مختلف المجالات، حتى أنها تشمل اللغة واللباس والأماكن العمومية كالمراحيض. فما تفاصيل هذه الأخيرة؟

اقرأ ايضًا: هاتي ماكدانيال: السيدة التي تمنينا رؤية وجهها في توم آند جيري!

عن الحيادية الجنسية Gender Neutrality: سياقٌ تاريخيّ

في سنة 1964، وضع الرئيس الأمريكي جون كينيدي قانونًا ضمن قوانين الحرية المدنية يعرف بـ: The Equal Pay Act، وينصّ على المساواة بين الجنسين في مجال العمل عند التوظيف والترقية والطرد، والأخذ بعين الاعتبار: المهارة، والمجهود المبذول، والمسؤولية، وظروف العمل لا غير.

فلا شك إذًا بأنّ الجذور التاريخية لظهور مصطلح الحيادية الجنسية عائدٌ أساسًا إلى التفرقة التي تتمّ بين الذكر والأنثى في مختلف مجالات العمل والدراسة.

وقد سمعتم سابقًا على سبيل المثال بجملة أنّ العلوم يجب أن تدرس من طرف الرّجال وأنّ اللغات هي الأنسب للنساء، والسّؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا توضع هذه الأطر لتحدّ من حرية الطرفين في اختيار ما يريدانه؟

دعونا نتتبع قبل ذلك السياق التاريخيّ والواقعيّ للتفرقة بين الجنسين ببعض الأمثلة:

  • كان حق التصويت ممنوعًا بالنسبة للنساء: إلى سنة 1911، كانت النساء ينادين بحقهن في التصويت في بريطانيا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1913، وفي ألمانيا سنة 1914، لتلحقها البلدان الأوربية الأخرى والعربية بدايةً من منتصف تسعينات القرن الماضي.

    الحيادية الجنسية
    نساء يطالبن بحق التصويت في بريطانيا.
  •  إبان الحرب العالمية الأولى ومع كثرة تجنيد الرجال في الحروب، اضطرّت النّساء إلى نيابتهم في العمل مع بذل نفس المجهود لكن براتب أقلّ؛ ليظهر كفاح النساء اللواتي يقمن بقيادة الترام والحافلات سنة 1918 من أجل راتبٍ متساوٍ، ولا يزال إلى اليوم فرق في بعض الدول الأوربية كإستونيا بنسبة 25% ومعظم الدول العربية.

    الحيادية الجنسية
    مقطع من جريدة يوضح حركة النساء السائقات للمطالبة بالمساواة في الأجور.
  •  في دراسة قامت بها جامعة Essex وجامعة Missouni Colombia ونشرت في صحيفة Plos One، فإنّ نسبة 40% من الرجال يشعرون بالتعرّض للتفرقة الجنسية في العمل، بينما في دراسة أخرى جرت في الولايات المتحدة الأمريكية على أكثر من 3000 منصب عمل، وجدت أن الرجال أكتر تعرّضًّا للتفرقة على حساب الجنس خاصة في المناصب التي تتحكم فيها النساء.

هذه الأمثلة التي سقناها لنوضّح أنّ التفرقة على حساب الجنس تمسّ الطرفين تجعلنا نستوعب جدوى ظهور الـحيادية الجنسية التي لا تهتمّ لأي جنس، مذكّرًا كان أو مؤنثًّا والتي ظهرت آثارها في مختلف المجالات.

احصائيات تبين نسب التفرقة بين الرجل والمرأة على حساب الجنس.
احصائيات تبين نسب التفرقة بين الرجل والمرأة على حساب الجنس.

الحيادية الجنسية في اللّغة

تعرف الحيادية الجنسية في اللّغة بأنها استعمال للغة غير محدّدة لجنسٍ معيّن، والهدف منها هو تجنب الانتقاء النّوعي للمفردات والذي سيحيل إلى نوعٍ من العنصرية؛ لذلك فإنّ استعمال لغةٍ حيادية تعدل بين الطرفين من شأنه أن يقلل من نسبة التفرقة الجنسية.

بدأ العمل على هذا الأمر منذ سنة 1980، وصولًا إلى سنة 2008، حيث كان البرلمان الأوربي هو أوّل المنظمات العالمية المتبنية للغة “حيادية” في جميع الوثائق، مهما كانت اللغة الأصلية (إنجليزية، ألمانية، عربية…) ونشرها في مختلف أماكن العمل، والمعاملات الرّسمية. وتتضمّن هذه الأخيرة:

  • أسماء الوظائف

بعض الأسماء في قواميس اللغة، تعطي للسّامع إيحاء بأنها حكرٌ على الرجال. العبارة القائلة “هذا عالمٌ للرجال فقط” لن تُكرّر مرّةً أخرى مع استعمال لغة حيادية، لذلك أقرّ البرلمان الأوربي استبدال الأسماء مثل: رجل إطفاء – Fireman ورجل شرطة – Policeman بعبارات مثل موظف إطفاء- Fireofficer وموظف شرطة- Policeofficer.

حسنًا! قد يبدو الأمر مستساغًا بالنسبة للغات التي تملك في قواعدها اللغوية ضمائرَ حيادية وضمائر خاصة بالجنس، لكن ماذا لو كانت اللغة محدّدةً لكل جنس عند الحديث كالعربية مثلًا، والألمانية؟

مقطع من تقرير للبرلمان الأوربي عن الحيادية الجنسية
مقطع من تقرير للبرلمان الأوربي عن الحيادية الجنسية.

عولجت هذه المشكلةُ عن طريق إدراج التسمية الخاصة بكل جنس دون أن تنوب واحدة عن الأخرى؛ فعوض أن نطلق لقب رئيس الدولة، أو دكتور ونحن نقصد امرأة، نناديها مباشرة بالصيغة المؤنثة لها، وعوض أن نقول رجل إطفاء قاصدين بذلك امرأة عاملة في هذا المجال، نقول امرأة إطفاء.

كما تمّ تفضيل استخدام المصطلحات التي تعني الجنسين خاصة في اللغة الانجليزية، مثل: Architect, Ambassador, Author عوض استعمال أسماء تحدّد جنسًا دون آخر.

  • الضمائر

استبدلت الضمائر المحددة للجنس مثل: His/her، أو he/she بضمير الجمع they الذي يُقصد به المفرد أيضًا. وقد أدرج كل من قاموسي Meriem Webstar و Oxford الضمير they في صفحاتهما كضمير يمكن اعتباره حياديًّا.

الحيادية الجنسية في الضمائر.
الحيادية الجنسية في الضمائر.
  • آنسةٌ أم سيدة

من المعروف في اللغة أن مصطلح السيد- Mr يطلق على الرجل في جميع الأحوال، سواء كان متزوجًا أو لا، في حين تخصّ المرأة بلقبي آنسة- Miss إذا كانت عزباء، وسيّدة- Mrs إذا كانت متزوجة، وقد تمّ إقرار منع استخدام مصطلح آنسة والاكتفاء بسيّدة في جميع الأحوال في إطار لغة الحيادية الجنسية.

الحيادية الجنسية في الأماكن العمومية

  • مراحيض محايدة

ظهرت في مختلف البلدان الأوربية كفرنسا والسويد وألمانيا مراحيض عمومية حيادية الجنس، يتمّ استخدامها من جميع الأطراف دون تحديد.

وعلى غرار كونها حسب ما أقرّته هذه الدول تعزز من مفهوم الحيادية، غير أنّها تساعد كذلك الأطفال وكبار السنّ عند الحاجة دون الاضطرار إلى البحث عن نوع معين من المراحيض.

كما أنّها خيارٌ يساعد المتحولين جنسيًّا- transgender أو الأشخاص ذوي الثنائية الجنسية- Hermaphrodits في إيجاد مكانٍ يمكنهم استعماله من غير التعرّض لحرج.

مدارس محايدة

تسعى بعض المدارس الموجودة في السويد إلى القضاء على التمييزات العنصرية بين الجنسين، إذ لا يتمّ استخدام لفظتي “طفل” أو “طفلة” بتَاتًا وعوض ذلك ينادى كل الأطفال بأسمائهم الأولى، إضافة إلى تصميم مساحات لعب كرة قدم ودمى بطريقة غير مميِّزة مطلقًا، لا في الأشكال ولا الألوان، حتى يشعر الأطفال بالراحة في لعب ما يريدونه دون حدود.

وفي حوار لمعلمة سويدية مع شبكة الـ CNN، قالت بأنّ السعي وراء تقليص الفوارق بين الجنسين مهمّ جدًّا وواجب على الأساتذة، فالمظاهر مثل مساندة فتاة وهي تبكي بصوت هادئ، والطلب من فتى يبكي ألا يفعل ذلك لأنّه فتى يجب أن تختفي نهائيًّا من المدارس.

مساحات لعبٍ محايدة

وهذا ما أشرنا إليه في النقطة السابقة، وذلك بتصميم ألعاب الأطفال بطريقة تناسب الجنسين، دون فصل في اللون والشكل.

الحيادية الجنسية في الموضة

ظهرت الحيادية الجنسية في الموضة مع اكتساب النساء لحق التصويت في بدايات القرن العشرين، عندما تغيّرت طريقة لباسها شيئًا فشيئًا، بداية من ارتداء سراويل كالرجال إلى ما نراه في يومنا هذا.

الحيادية الجنسية
الموضة المحايدة.

مع ذلك، يرى الكثيرون بأن الموضة المحايدة تشعرهم بالحرية في ارتداء ما يريدون، من غير أن يكونوا مقيّدين بجنسهم، وبنوع معيّن من الملابس التي يستطيعون ارتداءها. لم يعد اللون الورديّ خاصًّا بالنساء، ولا اللون الأسود حكرًا على الرجال، إذ اتجه المصممون المهتمون بهذا النوع من الموضة إلى تصميم ملابس تناسب الطرفين من غير فصل.

ولعلّ أشهر البرندات العالمية التي تعنى بهذا النوع من الملابس هي Telfar و Entire world.

الحيادية الجنسية في أماكن العمل

وهو المنطلق الذي بدأت منه كل نشاطات حركة الحيادية الجنسية، والذي تمخّض أساسًا عن قرارات التفاوت في الرواتب بين الرجال والنساء، وتخصيص وظائف معيّنة لكلّ من الرجل والمرأة، في حين تحاول هذه الأخيرة أن تكون هناك فرص متساوية بشكل كامل بين الطرفين، إذ يمكن للرجل أن يكون طباخًا أو حاضن أطفال، كما يمكن للمرأة أن تكون سائقة سيارة أجرة!

الحيادية الجنسية في الكتب

حتى في قصص الأطفال، تسعى المنظمات الناشطة في مجال الحيادية الجنسية إلى تقليص الفوارق بين الجنسين، في طريقة طرح القصص.

في ردّ لمبادرة Let books be books على دار نشر Buster book على القصص التي تقوم بنشرها بعنوان: قصص الأولاد، وقصص البنات، والتي تقوم على أساسها بالتفرقة بين مجالات الجنسين والحدّ منها، رأت المبادرة بأن هذا التمييز يشكل خطرًا على عقلية الأطفال فيما بعد، وأنّه يحصرهم في إطار واحد لا يستطيعون بعده الاهتمام بما سواه.

الفصل بين الجنسين في قصص الأطفال.
الفصل بين الجنسين في قصص الأطفال.

ألا يمكن للفتاة أن تقرأ عن قصة لفريق كرة قدم ناجح؟ ألا يمكن للفتى أن يقرأ عن الأميرة النائمة؟

اقرأ أيضًا:  الـ Feminism: من المطالبة بالحقوق السياسية إلى الثورة الجنسية ! – تقرير

ماذا عنكم أعزاءنا القرَّاء، هل ترون بأن الحيادية الجنسية بمختلف إجراءاتها تساهم في تقليص الفوارق بين الجنسين؟ 

0

شاركنا رأيك حول "قوم الحيادية الجنسية Gender Neutrality: لا للتذكير ولا للتأنيث نعم لأزياء ومرافق للجميع!"