بلوتو الكوكب الطريد
2

تخيل أنك ولدت ذات يوم، لتجد نفسك تنتمي لعائلةٍ ذات حسبٍ ونسب، ولها أصولٌ ملكية وتتمتع بنفوذ كبير. ليس هذا وحسب، بل إنك الابن الأصغر أو آخر العنقود مع ما يعنيه هذا المنصب من امتيازات ودلال يكاد لا يكون محدودًا.

تبدأ حياتك في هذا الجو المنعَّم وتكبر لتدخل مرحلة اليفاع، فتغدو بعدها شابًا منطلقًا مفعمًا بالطموح والأحلام التي تجد أن تحقيقها قاب قوسين أو أدنى. لكنك ودون سابق Yنذار تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن كل ما تنعمت به أضحى سرابًا وأنك لم تعد ابنًا لهذا الأسرة الكبيرة، وأنك طريدٌ شريد. بل إنك من البداية لم تكن منهم وإنما كنت ابنًا بالتبني!

هذا هو تمامًا ما حدث مع الكوكب الطريد بلوتو الذي أُقصي من عائلة كواكب المجموعة الشمسية الراقية، ليتحول إلى مجرد كوكبٍ قزم لا حول له ولا قوة.

لكن ما هي قصة حياة هذا الكوكب؟ كيف أمضى شبابه وقبلها طفولته المنعمة؟

اقرأ أيضًا: هل تساءلت من قبل: كيف يكتشف العلماء والفلكيون الكواكب والعوالم البعيدة ؟!

بلوتو ما قبل الاكتشاف

البدايات كانت في أربعينات القرن التاسع عشر، حيث استخدم الفلكي أوربان لو فيرييه Urbain Le Verrier ميكانيك نيوتن للتنبؤ بموقع الكوكب الذي يسبب اضطراباتٍ في مسار كوكب أورانوس. حمل هذا الكوكب بعد اكتشافه اسم نبتون.

لكن وفي أواخر القرن ذاته، بدأ الفلكيون بملاحظة أن مسار أورانوس لا بتأثر بالكوكب المكتشف مؤخرًا وحسب، بل يوجد تأثيرٌ لجرمٍ آخر جنبًا إلى جنب مع تأثير نبتون.

وقبل أن يحمل القرن التاسع عشر حقائبه مغادرًا أسس بيرسيفال لويل Percival Lowell، وهو أحد أثرياء مدينة بوسطن الأمريكية، مرصدًا فلكيًا في أريزونا. وفي العام 1906 أطلق حملةً للبحث عن الكوكب الذي يؤثر على مسار أورانوس، متحمسًا بالنجاح الذي حققه الفلكيون من قبل بتوقع مكان نبتون اعتمادًا على تحليل بيانات مسار أورانوس، وأُطلق على ذلك الكوكب اسم الكوكب المجهول Planet X. ذلك أن الحرف X في اللغة الإنجليزية يرمز للمجهول غير المعروف القيمة، لهذا نستخدمه في المعادلات الرياضية للدلالة على المجهول المُراد حساب قيمته. ولعل هذا هو منشأ الخرافات والأساطير التي تنتشر كل فترةٍ وأخرى حول اكتشاف كوكبٍ غامضٍ يسمونه Planet X ويحيكون حوله القصص التي لا يقبلها عقل. في حين أن كل المقصود في الأصل من التسمية هو الإشارة إلى كوكبٍ مُتوقعٍ اكتشافه وليس له اسمٌ محددٌ بعد، لهذا سُمي بالكوكب المجهول أي Planet X.

نعود لموضوعنا الرئيسي، وقصة حملة البحث عن الكوكب. فقد امتدت هذه الحملة لسنوات دون أن يتمكنوا من التقاط أثرٍ له. كانت تقديرات الفلكيين الأولية تُشير إلى أن ذلك الكوكب تبلغ كتلته سبعة أضعاف كتلة الأرض. وقد حدد لويل بمساعدة الفلكي ويليام بيكرينغ William H. Pickering عدة مواضع محتملة لرصد الكوكب.

توفي لويل في العام 1916 دون أن يتمكن من رصد الكوكب. لكن تبين فيما بعد أن مرصده التقط صورًا أولية خافتة للكوكب، لكنهم ما استطاعوا تمييزه في حينها. ويعود تاريخ تلك الصور إلى التاسع عشر من آذار/ مارس والسابع من نيسان: أبريل من العام 1915. ليس هذا وحسب، بل تبين أن صورًا أولية بلغ عددها 14 سبق التقاطها ذلك التاريخ، ويعود أقدمها إلى العشرين من آب/ أغسطس للعام 1909.

بعد وفاة لويل ودخول أرملته في صراعٍ قانوي مع إدارة المرصد توقفت عمليات البحث عن الكوكب المفقود فترةً، واُعيد استئنافها في العام 1929. تسلم الرصد الفلكي الشاب كلايد تومبو Clyde Tombaugh.

كوكب بلوتو

شرع تومبو بالتقاط أزواجٍ من الصور للسماء. وطفق يقارن بين صورتي كل زوج ليكشف عن وجود انزياحٍ لأحد الأجرام الموجودة، فهذا الانزياح يشي بالحركة، ويدل على تغير موضع الجرم. وبعد جهدٍ حثيثٍ استمر ما يقارب العام تكلل هذا الجهد بالثمرة. فاستطاع تومبو في أواخر شباط / فبراير من العام 1930 تمييز جرمٍ تغير موضعه بين صورتين التقطتا في الثالث والعشرين والتاسع والعشرين من كانون الثاني/ يناير من العام نفسه. وبعد أن تأكد الاكتشاف عن طريق مقارنة أزواجٍ أخرى من الصور أرسل برقيةً إلى مرصد هارفارد في الثالث عشر من آذار/ مارس يعلمهم بالاكتشاف الجديد.

تسمية المولود

بعد أن ثبت اكتشاف ما كان يُعدُّ في حينه الكوكب التاسع وملأ الخبر وسائل الإعلام، بدأت مرحلة اختيار اسم له. ويمتلك المكتشف أو المؤسسة التي اكتشفت الكوكب الحق في اختيار الاسم المناسب. ولهذا بدأ المقترحات تتوافد إلى مرصد لويل. وتنوعت التسميات كثيرًا، وتجاوز عدد الأسماء المقترحة الألف اسم.

من بين تلك المقترحات، وصل مقترحٌ من فتاةٍ تبلغ من العمر إحدى عشرة سنةً. كانت الفتاة مهتمةً بالأساطير اليونانية والرومانية، ولهذا وقع اختيارها على اسم إله العالم السفلي: بلوتو. نقلت تلك الفتاة مقترحها إلى جدها أمين المكتبة في جامعة أوكسفورد خلال إحدى دردشاتهما، الذي بدوره أوصل المقترح إلى أستاذ علم الفلك في الجامعة، فأرسل الأستاذ برقيةً إلى زملائه بالاقتراح.

جرت عملية اختيار الاسم عن طريق اختصار قائمة الأسماء المقترحة إلى ثلاثة، ويحق لكل عضو في مرصد لويل أن يصوت على واحدٍ من أسماء القائمة المختصرة التي كانت تضم: منيرفا Minerva وكرونوس Cronus وبلوتو Plotu، وحاز الاسم بلوتو على أعلى الأصوات في الاقتراع السري، ويُعتقد أن من دوافع اختيار هذا الاسم أنه يتضمن أول حرف من اسم بيرسيفال لويل، أي PL، وبهذا اعتُمد اسمًا رسميًا للكوكب الفتي.

حظي هذا الاسم بانتشارٍ طيبٍ، ليس باعتباره اسمًا للكوكب فحسب، بل نال استحسان الكثير من الجهات التي رأت فيه اسمًا محببًا يمكن إطلاقه على العديد من الكيانات أو الشخصيات، حتى أن اسم الشخصية المرافقة لميكي ماوس التي أطلقها والت ديزني حملت اسم بلوتو. وتجدر الإشارة هنا إلى عدم وجود مصدر مُعتمد يؤكد أن سبب التسمية هو اكتشاف الكوكب، لكن الحدثين متزامنان. لكن المؤكد أن الكيميائي الأمريكي غلين سيبورغ Glenn T. Seaborg أطلق على العنصر المكتشف حديثًا في العام 1941 اسم بلوتونيوم Plutonium تيمنًا باسم الكوكب بلوتو جريًا على العُرف بتسمية العناصر بأسماء الكواكب مثل اليورانيوم والنبتونيوم.

اقرأ أيضًا:  ربما لم تسأل من قبل: لماذا تأخذ جميع الكواكب الشكل الدائري “تلقائياً” وليس شكلاً آخر؟!

التعريف بالكوكب الجديد

نبدأ برمز الكوكب. فجميع الكواكب لها رمزٌ خاص بها، ورمز بلوتو عبارةٌ عن دمج الحرفين الأولين من اسمه، أي الحرفين P و L، وهو رمز يحمل الرقم 2647 في الترميز الدولي للمحارف Unicode. ولهذا فإن كنت تستخدم محررًا للنصوص في الكتابة على حاسوبك (مثل MS Word) يمكن إظهار الرمز من خلال كتابة الرقم 2647 ثم الضغط على مفتاحي ALT+X فيتحول الرقم إلى الرمز ♇ الذي هو رمز بلوتو.

يقع بلوتو ضمن المنطقة المسماة بحزام كويبر، الممتدة لمسافةٍ كبيرةٍ على تخوم المجموعة الشمسية. ويعدُ بلوتو أول الأجرام المكتشفة في الحزام وأكبرها. ولهذا اعتُبر الكوكب التاسع في المجموعة الشمسية.

وعلى هذا البعد القصي عن الشمس، فإنه سيستغرق وقتًا طويلًا حتى يُتِم دورةً كاملة حولها. إذ تبلغ سنته، أي الفترة التي تستغرقها الدورة الواحدة حول الشمس حوالي 248 سنة، وهو لم يُكمل منذ تاريخ اكتشافه وحتى يومنا هذا سنة 2021 دورة واحدة في رحلته حول الشمس.

تبلغ المسافة ما بين الشمس وبلوتو في مداها الأقصى حوالي 49 وحدة فلكية أي تقريبًا 7.4 مليار كم. ويقترب من الشمس ليصل في أقرب نقطة إلى مسافة 30 وحدة فلكية أي ما يعادل 4.4 مليار كم تقريبًا. وبهذا فإن ضوء الشمس يستغرق وسطيًا حوالي خمس ساعاتٍ ونصف حتى يصل إليه.

استطاعت المركبة New Horizons المرور بالقرب منه في الرابع عشر من شهر تموز/ يوليو من العام 2015، وبذلك أصبحت المركبة الفضائية الأولى، والوحيدة حتى يومنا هذا، التي تصل إليه. تمكنت المركبة من التقاط صورٍ عالية الدقة له، كما أجرت العديد من القياسات والأرصاد له ولتوابعه.

يتكون بلوتو من الصخور والجليد مثل معظم أجرام الحزام، وعلى الرغم من أنه أكبر هذه الأجرام إلا أنه هناك من يفوقه كتلةً. وتبلغ كتلته ما يعادل سُدس كتلة القمر، وحجمُه ثُلث حجمِه.

يتبع بلوتو خمسةٌ من التوابع (التي يحلو للبعض تسميتها بالأقمار! مع أنه لا يوجد سوى قمرٍ واحد يدور حول محبوبته الأرض). توابع بلوتو هي كارون Charon أكبرها الذي يزيد قطره عن نصف قطر بلوتو بقليل، أما البقية فهي ستيكس Styx ونيكس Nix وكيربيروس Kerberos وهيدرا Hydra.

أقمار بلوتو

انحرافات الشباب

بعد أن أمضى الفلكيون زمنًا في دراسة الكوكب الذي بلغ في حسابهم منذ اكتشافه عمر الشباب، تبين لهم عدد من الحقائق التي جعلتهم يطيلون النظر فيه مع حكةٍ لرؤوسهم.

فمع قدوم عقد التسعينات من القرن العشرين بدأ الفلكيون باكتشاف أجرامٍ لها من الحجم ما يُقارب حجم بلوتو، وتقع في المنطقة عينها: حزام كويبر. وبهذا لم يعد بلوتو هو الجرم المتفرد في مداره، بل بات يشاركه في الوجود في المنطقة عينها أجرامٌ أخرى لا تصغره بكثير. بل حتى أن تابعه كارون ليس أصغر من بلوتو بكثير، الأمر الذي جعل الكثير من الفلكيين يعتبرون أن التوصيف الأصح هو أنهما (أي بلوتو وكارون) يدوران حول بعضهما البعض، وخاصةً عندما نعرف أن مركز الثقل المشترك لهما لا يقع ضمن بلوتو بل في مكانٍ ما بينهما.

أضف إلى ذلك مدار بلوتو المميز. فمن ناحيةٍ نجد أنه يميل عن المستوي الذي تدور فيه الأرض بزاويةٍ كبيرة تتجاوز السبع عشرة درجة. صحيح أن مدارات الكواكب لا تتطابق مع بعضها، أي أن الكواكب لا تدور في المستوي نفسه إلا أن الفروقات (أو ما يسمى زاوية الميل inclination) تكون صغيرةً.

تدور الكواكب حول الشمس في مدارات متطاولة عن الشكل الدائري، ويعرف هذا الشكل بالقطع الناقص. وهو شكل يشبه الدائرة لكنها متطاولة من جهة ومضغوطة من جهةٍ أخرى. ويمتاز عن الدائرة بأن له نقطتين نسميهما المحرقين بدلًا من المركز الوحيد للدائرة. أول من حدد شكل مدارات الكوكب كان الفلكي يوهانس كبلر Johannes Kepler، الذي وضع ثلاثة قوانين تحكم سلوك الكواكب، كان أولها أن مدارات الكواكب هي على شكل قطعٍ ناقص تحتل الشمس أحد محرقيه.

مدار بلوتو حول الشمس

ولا يشذ بلوتو في هذا عن بقية الكواكب. لكنه يتطرف به. بمعنى أن مداره متطاولٌ زيادةً عن بقية الكواكب. لهذا نجد أن بعده عن الشمس يتباين ليصل إلى 49 وحدة فلكية في أقصى بعد، ليعود ويقترب منها حتى يبلغ بعده عنها 30 وحدة فلكية، وهو بهذا يصبح أقرب من نبتون للشمس. أي أن بلوتو يكون حينًا أبعد الكواكب عن الشمس، وحينًا آخر يقترب من الشمس ليترك نبتون يواجه الفضاء خارج المجموعة الشمسية.

الطرد من العائلة الملكية

أثارت هذه الاعتبارات نقاشًا بين الفلكيين حول ما إذا كان من الصحيح اعتبار بلوتو كوكبًا أم لا. وانتهى النقاش إلى إقرار الاتحاد الفلكي الدولي IAU في آب/ أغسطس 2006 أن بلوتو يجب أن يخرج من عائلة الكواكب ويُعطى تصنيفًا خاصًا أطلق عليه الكوكب القزم dwarf planet. لم يكن بلوتو هو الوحيد الذي ينتمي لهذا التصنيف بل انضم إليه عددٌ من الأجرام الأخرى التي لم تنجح في تحقيق المعايير المطلوبة لينال الجرم شرف اعتباره كوكبًا. فقد حدد الاتحاد ثلاثة معايير استطاع بلوتو بلوغ اثنين منها، لكنه فشل في الوصول إلى الثالث.

وبهذا أسدل الاتحاد الفلكي الدولي الستار على حياة بلوتو كوكبًا كامل الأهلية، وطرده من عائلة الكواكب ليصبح كوكبًا قزمًا.

لم يرضِ هذا القرار الكثير من محبي بلوتو، وأبرز بعضهم اعتراضاتٍ على التصنيف الذي وضعه الاتحاد، وقدموا احتجاجاتٍ على عدم اعتباره كوكبًا، بل إن مرصد لويل رفع قضيةً للطعن بقرار الاتحاد.

لكن كل هذا لم يشفع لبلوتو ليعود إلى حضن العائلة الحنون. ومع ذلك لم يمتنع بلوتو عن إرسال قلب الحب لدى مرور مركبة نيو هورايزنز بالقرب منه كأنها رسالة الوداع.

اقرأ أيضًا: العرب إلى المريخ .. كل ما تودّ معرفته عن مسبار الأمل الإماراتي

2

شاركنا رأيك حول "بلوتو: تعرف على حكاية الكوكب الطريد من الاكتشاف وحتى الطرد من العائلة الشمسية"