العلاج الإدراكي السلوكي
0
نشأ لدى معظمنا صورة ذهنية عن الممارسة الطبية، وفيها يكون المريض طرفًا سلبيًا، يحكي للطبيب مشكلته الصحية، ويحللها الطبيب ليفهم الأسباب والأعراض، ويبدأ بوصف العلاج. لم يختلف الأمر كثيرًا في حالة الطب النفسي، إذ انقسمت الممارسات الشائعة في الطب النفسي إلى نوعين رئيسيين، أولهما أن تُقام جلسة معالجة نفسية يحكي فيها المريض للطبيب ما يشكو منه ويقوم الطبيب بالتحليل النفسي، أو يصف الطبيب للمريض أدوية مضادات الاكتئاب أو القلق أو غيرها من الاضطرابات النفسية.

إلى أن قدم لنا الطبيب النفسي الأمريكي آرون بيك مقاربته الفريدة في التعامل مع الاضطرابات النفسية، مطلقًا عليها العلاج الإدراكي/ المعرفي السلوكي. تعتمد هذه المقاربة من العلاج على التوجه النفسي الاجتماعي، بهدف تحسين الصحة العقلية للفرد. وتركز في مقاربتها للاضطرابات النفسية على ارتباط كل من المشاعر والأفكار والسلوك ببعضهم البعض في حلقة يؤثر كل ركن منها في الآخر. نشأت تلك الحركة في البداية كمحاولة لعلاج الاكتئاب، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى عدد من الاضطرابات النفسية الأخرى مثل القلق والإدمان والمشاكل الزوجية واضطرابات الأكل.

اقرأ أيضًا: 10 أشياء تعيق تقدمك في الحياة ووصولك إلى أهدافك: سيطر عليها وابدأ زمنك

ينابيع العلاج الإدراكي السلوكي

يقول الطبيب آرون بيك في دليله الأول لعلاج حالات الاكتئاب: «يمكن إرجاع الأصول الفلسفية للعلاج الإدراكي إلى الفلاسفة الرواقيين». اعتمدت الفلسفة الرواقية في أطروحتها على تحويل النظر الفلسفي إلى العمل الفلسفي؛ بمعنى أنها اهتمت أن تتحول الفلسفة إلى ممارسة عملية. وكانت دعائم اعتقاداتهم أن رؤية الإنسان لها جانب كبير في شعوره بواقعه. فالأشياء ليست سيئة أو جيدة بذاتها بقدر ما يضفي عليها العقل قيمة.

مد الطبيب آرون بيك هذا الخط الفلسفي وبلوره في شبكة محكمة من الممارسات الطبية في مجال الطب النفسي. لقد أدرك بيك أن نفسية الإنسان ترتبط بصورة أساسية بأفكاره ومشاعره، وأن الأفكار والمشاعر ليست مجرد مواد كيميائية قد نغيرها باستخدام الأدوية كما يحدث في الأمراض العضوية، كما أن المريض إنسان وليس مجرد آلة ستشكو مما يؤرقها ويعالجها الطبيب.

نوع جديد من التحليل النفسي؟

ظهر التحليل النفسي بصورة واضحة على يد المحلل النفسي النمساوي وطبيب الأعصاب سيجموند فرويد. تتمحور فكرة التحليل النفسي حول تحليل لاوعي الفرد، للكشف عن أسباب العصاب والاعتلال؛ أي أن التحليل النفسي يرجع مشاكل الفرد النفسية حاليًا إلى حوادث سابقة في الطفولة، أو مشاعر دفنت في اللاوعي تؤثر على الذات الآن وتؤدي بها إلى مجموعة معينة من الأفعال.

أما في حالة العلاج الإدراكي السلوكي، فينصب الاهتمام على المشاكل الحالية، ولا يفسرها الطبيب المعالج سوى بأسباب حالية. لا يعتمد العلاج الإدراكي السلوكي في وسائله على آليات تاريخية غامضة كالفخ الذي وقع فيه التحليل النفسي. ومع الإقرار بتأثير حوادث الطفولة وضغوطات المجتمع والحضارة على الإنسان وتشكيل نفسيته، فإن العلاج الإدراكي السلوكي يهتم بعلاج تلك المشاكل بالنظر إلى الوسائل الحالية الفعالة، وليس إرجاعها للتاريخ فحسب. إنه يهتم بالنظر للخلل الحالي المسبب للاضطراب، وكيف يمكن تغييره وعلاجه بصورة إيجابية.

ركائز العلاج الإدراكي السلوكي

يعتمد العلاج الإدراكي السلوكي على التقاط ما يُطلق عليه بالـ«تفكير الأوتوماتيكي»، ويعني به تلك الحالة التي تسبب سيطرة بعض الأفكار وتكرارها على الذهن بصورة آلية. فإذا أردنا التبسيط؛ يعمل العلاج الإدراكي السلوكي من خلال الكشف عن مواطن التفكير المشوه، الذي لا يلائم الصحة النفسية والعقلية للإنسان، ما يؤدي إلى تغيير تلك الأفكار وبالتالي تغيير الطريقة التي يشعر ويسلك بها المرء. يقول البعض إن العلاج الإدراكي السلوكي لا يهدف إلى تشخيص الحالة باضطراب نفسي ما، بقدر أنه ينظر إلى الشخص كإنسان كامل.

العلاج الإدراكي السلوكي

التشوه الإدراكي

يُعتبر التشوه الإدراكي نمطًا غير عقلاني أو مبالغًا به في التفكير، ويتسبب هذا النمط في حالة مرضية كالاكتئاب أو اضطراب القلق. لا يعتبر كل تفكير خاطئ تشوهًا في الإدراك، لا يُطلق في الطب النفسي على حالة ما تشوهًا في الإدراك إلا عندما تدفع صاحبها إلى إدراك الواقع بصورة غير سليمة.

طبقًا لآرون بيك، فإن التشوه الإدراكي يشمل التعميمات غير المنطقية والمبالغ بها، والنظر للواقع نظرة سلبية، مؤديًا بالذات إلى حالة من الخلل العاطفي وفقر السلامة الذاتية بصورة عامة. تنص نظرية بيك على أن المعنى الذي يعطيه الفرد إلى تجربته، أو تفسيره لها، يحدد بصورة كبيرة تأثير تلك التجربة عليه، هل ستصيبه بالاكتئاب الحاد، أو سيعاني بسببها من نوبات طويلة من الاكتئاب.

تشمل أنواع التشوه الإدراكي الأساسية كل من:

  • التجريد الانتقائي: ويعتمد على استخراج النتائج من خلال عدد قليل من العناصر والمواقف.
  • الشخصنة: إلقاء المسؤولية على عاتق الذات من كل المواقف السيئة.
  • التهميش: إهمال الأفكار الإيجابية والتقليل من أهميتها.
  • الاستدلال الاعتباطي: استخراج النتائج دون أدلة كافية.
  • التعميم المتسرع: إطلاق الأحكام العامة دون سند إحصائي.

مهارات التعايش المعطوبة

يهتم العلاج الإدراكي السلوكي بتغيير الطرق المعطوبة التي يسعى من خلالها الشخص للتكيف أو التعايش مع واقعه. من تلك الطرق أن يتحول المرء تدريجيًا إلى حالة من الانعزال الاجتماعي كوسيلة للتكيف مع أحداث تؤذيه بالخارج. يسعى العلاج الإدراكي السلوكي في هذا الصدد إلى تحدي طريقة تفكير الفرد والطريقة التي يتفاعل بها ويكون العادات والسلوكيات.

العلاج الإدراكي السلوكي في العيادة

مراحل العلاج

التعرف على المواقف المؤرقة للفرد، وتشمل المشكلات الطبية أو الأمراض العضوية، الطلاق أو الأسى على شخص راحل، الغضب، وغيرها من الأعراض الشائعة عن الاضطرابات العقلية. ثم ينتقل المعالج والحالة إلى معرفة الأفكار التي تدور في ذهن الفرد عن تلك المشكلات، كالحديث الذي يخوضه مع نفسه عندما يفكر بها وتفسيره لمعناها.

تتحول الجلسة بعد ذلك للتركيز على التفكير السلبي. وتبدأ بالتعرف على هذا التفكير وتأثيره على السلوك؛ إذ يتشكل التفكير السلبي من مجموعة من الأنماط التي تكرر نفسها وتتحول إلى عادات للتفكير، ويترتب عليها سلوكيات ومشاعر مؤذية. ثم نصل إلى مرحلة التنفيذ، وإعادة هيكلة التفكير السلبي، ومع التدريب والممارسة يحل التفكير المثمر مكان التفكير السلبي ليتحول إلى عادة.

اقرأ أيضًا: إعادة صياغة أنماط التفكير السلبي: لأن عواطفك تتبع أفكارك تمامًا كما يتبع البط الصغير أمه

نماذج حية من العلاج الإدراكي السلوكي

علاج الاكتئاب

أظهرت توصيات الرابطة الأمريكية للطب النفسي في عام 2000 أدلة واضحة أن العلاج الإدراكي السلوكي والعلاج النفسي الشخصي يمثلان طفرة في علاج اضطراب الاكتئاب السريري. يرجع آرون بيك الاكتئاب إلى ميل الشخص إلى الأفكار السلبية والتفسيرات المتشائمة عن الواقع. ويرى أن تلك السلبية نابعة من اختصارات سلبية اكتسبها من الحياة. يسمي بيك تلك الحالة بالثلاثي الإدراكي؛ أي النظرة السلبية إلى النفس وإلى العالم والمستقبل. يقول الشخص المكتئب تبعًا لبيك: لن أبلي حسنًا في أي عمل، لن يكون المستقبل مشرقًا في أي حال. ويعتمد العلاج في تلك الحالة على تبيان خطأ تلك المعتقدات وإقناع الفرد بالأفكار الإيجابية والعقلانية.

علاج اضطراب القلق

أظهر العلاج الإدراكي السلوكي تقدمًا واعدًا في علاج اضطراب القلق. ويستخدم في هذا الإطار ما يُطلق عليه العلاج بالمواجهة. يتعامل العلاج الإدراكي السلوكي مع مرضى اضطراب قلق ما بعد الصدمة بمواجهة الواقعة التي تسببت في إصابتهم بهذا الاضطراب. وكذلك المرضى الذين يشعرون بالقلق من التواصل الاجتماعي، يعرض عليهم المعالج مواجهة هذه المخاوف عبر إلقاء خطبة.

اقرأ أيضًا: التحليل النفسي: علم أم علم زائف؟

0

شاركنا رأيك حول "العلاج الإدراكي السلوكي: عندما يتشارك الطبيب والمريض بالعلاج"