كيف تصبح مستمع جيد
0

 تكلم حتى أراك

مقولة سقراط الشهيرة التي يعرفها القاصي والداني، والمترجَمة إلى كل لغات العالم، فالمرء مخبوء تحت لسانه، وكل منا يحتاج إلى أن يتحدث حتى يتعرف عليه الآخرون، وتتضح أفكاره ومشاعره ومعتقداته المختلفة.

ولكن تخيل يا عزيزي للحظة معي أن كلًّا منا يعرف جيدًا كيف يتحدث ومتى وأمام من، ولا أحد منا يعرف أو يحاول أن يتعلم كيف يكون مستمعًا جيدًا لمن حوله، ستصبح عقولنا خاوية بلا شك وسيتوقف علم كل شخص ومعرفته عنده، وسنصبح أمة هشة الفكر مفككة، إذ يُقال أننا خُلِقنا بأذنين حتى نسمع أكثر مما نتحدث، فنكتسب المعلومات والخبرات المختلفة من كل اتجاه، ونصبح أشخاص أسوياء يمتلكون معرفة غير محدودة، ونصبح علي دراية ومعرفة بكل ما يدور في العالم حولنا من علوم ومهارات ومعارف مختلفة.

لماذا يجب عليك أن تكون مستمعًا جيدًا؟

مستمع جيد

سؤال قد يراود فكرك بعد هذه المقدمة، فقد يقول لك عقلك يكفيك يا سيدي أن تستمع فقط لمن حولك.

في الواقع على الرغم من عدم معرفة الكثير منا بأهمية أن تكون مستمعًا جيدًا، إلا أنه أمر هام وسيغير مجرى حياتك ومعتقداتك في شتى أمور الحياة، فالاستماع الجيد هو من المهارات الاجتماعية الفعالة التي لو تعرفت عليها وعلى جوانبها، وبدأت في تطبيقها في أمور حياتك، ستلاحظ الفرق في شخصيتك وأفكارك، وترى بنفسك نتائجها وكيف ستتحول من الانطوائية إلي الاجتماعية، وكيف ستتغير أفكارك من الجمود إلي التنوع والتعرف علي ثقافات متعددة، وكيف ستتخلص من العصبية والتسرع وتتعلم الهدوء وتقبل الآخرين بمجرد محاولاتك الأولى، كما أنه سيفيدك بالطبع في مجال عملك خصوصًا لو كان متصلًا بالإعلام أو التدريس وغيرها من الوظائف التي تحتاج إلى امتلاك  هذه المهارة بفاعلية.

من هو المستمع الجيد؟

هناك العديد من الخطوات والقواعد التي تميز المستمع الجيد عن غيره:

مستمع جيد
  • المستمتع الجيد هو الذي لايظهر أي نوع من أنواع التشتت عندما يستمع إلى غيره: فمثلًا: لا يتحدث في الهاتف ويقطع المحادثة مع من يتحدث أمامه، والمستمع الجيد أيضًا لا يشتت نفسه بتصفح وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وهو يستمع للطرف الآخر.
  • أن لا ينصب اهتمامك على الاستماع بغرض الرد: انتظر يا سيدي حتى يفرغ المتحدث من حديثه كاملًا وبعد ذلك فكر جيدًا في الرد المناسب، ولا تتسرع في أن ترد عليه سريعًا فذلك يجعلك تفقد المعلومات الكاملة حول قضيته، ليس ذلك فقط بل لن تعرف أيضًا أن تحدد مشاعره وعواطفه بشكلٍ جيد.
  • أظهر اهتمامك: بالطبع عندما تستمع لغيرك بدون أي تشتت يتشكل نوع من الاهتمام الواضح لدى المتحدث، لكن في بعض الأحيان تصبح مستمعًا صامتًا وملولًا، ويشعر المتحدث أنك ربما تكون شردت بخيالك بعيدًا، ولذلك من الضروري أن توجه للمتحدث عدة أسئلة للتتعرف على أبعاد الموضوع، وأن تحافظ على التواصل البصري بينكما، وأن تؤكد له دائمًا على أنك تسمعه بحرص من خلال الإيماء برأسك وغيرها من الإشارات الجسدية التي تدل على أنك حريص كل الحرص لتستمع له.
  • تجنب السخرية تمامًا: مهما كان يبدو لك ممن تسمعه أنه لا يحمل أي مشاعر سلبية تجاه سخريتك منه، لا تسخر من حديثه أبدًا أو مشاعره أو أفكاره تجاه المواقف المختلفة، فثق بي هذا آخر ما يحب أن يشعر به المتحدث، بالإضافة إلى أنه لن يكمل حديثه معك ولن يكررها مجددًا مهما كانت الدوافع والظروف.
مستمع جيد
  • لا تقارن تجاربك بتجارب الآخرين: لا يليق بك كمستمع جيد أن تقلب اتجاه  الحوار ليصبح عن تجاربك السابقة، فعندما يتحدث اليك أحدهم عن تجاربته وتكون مررت بها لا تقاطعه، وتحاول أن تلقي عليه عصارة خبراتك وتتحدث عن معاناتك وبذلك لا يكمل الطرف الآخر حديثه ويكتفي بالاستماع لك، ناهيك عن أن المواقف قد تختلف من شخص لآخر ويمكن أن تكون تجربته في وضع وظروف مخالفة تمامًا لك، إلا إن كان المتحدث يعرف أنك مررت بهذه التجربة وطلب منك النصيحة، ولكن أيضًا في بادئ الأمر استمع له جيدًا ثم قل له نصيحتك موضحًا ظروفك وموقفك المختلف عنه.
مستمع جيد
  • تخلَّ عن غرورك: اجعل شعارك الداخلي أنك تستمع لتتعلم، مهما كان من تستمع له صغيرًا في السن أو قليل الخبرة، قد تتعلم منه الكثير وتتعرف على جوانب مختلفة في الحياة ومعلومات جديدة قد تفيدك، فالمعرفة لم ولن تجتمع في شخص واحد إلى قيام الساعة، فتخل عن غرورك مهما كانت خبراتك ومعلوماتك واستمع لغيرك بكل إنصات وتركيز.
مستمع جيد
  • الثقة والخصوصية: يجب أن تتعلم كيف تكون مخزنًا لأسرار غيرك، هذه من أهم الخطوات لتكون مستمعًا جيدًا، فلا تتحدث عن مشكلة صديقك أو جارك أو أيا كان مع غيره، حتى لو كان الطرف الآخر على علم بالمشكلة لا تتحدث بها إلا أمام صاحب المشكلة وعندما يطلب هو منك ذلك، ولكن في غير ذلك احفظ السر يا سيدي كما يقولون وخذه معك إلى قبرك، فهكذا يجب أن يكون المستمع الجيد أمين على مشاكل من حوله.
مستمع جيد
  • الانتباه إلى الإشارات الخفية: لا يكفيك سيدي أن تسمع بأذنك فقط، بل يجب أن تسمع بأذنيك وعينيك، من المهم أن تتنبه للغة جسد المتحدث، حركة عينيه، توتره، نبرات صوته المتغيرة، حتى يمكنك التعرف على مشاعره وأفكاره كاملة وتربط بينها وبين ما تسمعه.
  • تقديم الاقتراحات: من منا يحب أن يتحدث إلى شخص مستمع كأنه جهاز تسجيلات، يستمع إليك جيدًا ويمكنه إعادة الحديث ألف مرة ليبرهن على استماعه الجيد، ولكن دون أن يقدم إليك أي مقترحات أو يتفاعل معك! حتى لو لم تناسبك الاقتراحات ولكنك كمتحدث من المؤكد أنك تحب الاستماع إلى كافة الاقتراحات والخبرات الخاصة بمشكلتك.
  • تفهّم مشاعر وعواطف من يحدثك: مهما كانت مشاعر من يحدثك بالنسبة إليك أكبر من الموقف، أو مبالغ فيها بصورة ما، صدقني هذا شعورك أنت فقط إنما من يتحدث إليك يشعر بحق بأن هذه المشاعر بهذه الدرجة، فتعلم كيف تتفهم مشاعر الآخرين وتحترمها ولا تضع نفسك في موقف الحاكم والقاضي فهذا ليس دورك، احترم غيرك وقدر مشاعره هذا المطلوب منك فقط.
مستمع جيد
  • تعلم كيف تحترم ذاتك قبل كل شيء: فكيف ستجبر غيرك على التحدث إليك باحترام إذا كنت أنت لا تعرف كيف تقدر وتحترم ذاتك.
مستمع جيد
  • لا تهاجم الشخص الذي أمامك بمجرد أنه يتبنى فكرة أو رأيًا مخالفًا لرأيك ومعتقداتك: أو ربما لأنه يتبنى تفكيرًا خاطئًا أو عنصريًّا، تعلم أن تجد ردًّا لبقًا وملائمًا للموقف تبين من خلاله رأيك وعدم قبولك لهذا النوع من التفكير.
  • ضع نفسك دائمًا مكان من يتحدث: وبدون أدني شك ستتوصل إلى الطرية المثالية في التعامل معه، فلو كنت تحب أن تتم معاملتك هكذا أو السخرية منك في هذا الموقف أو غيره فافعل ذلك، ولكنك بالطبع ستحب أن تتم معاملتك بطريقة لبقة تحمل كل ود واحترام، فعامل غيرك كما تحب أن تُعامل.

نصيحتي الأخيرة لك: “كن مستمعًا جيدًا لتكون متحدثًا لبقًا“، فالاستماع الجيد لا يعود عليك فقط بفوائده، بل يغذي عقلك لتكون متحدثًا لبقًا ملمًا بالعالم الخارجي، يعلمك كيف تتحدث ومتى تصمت ومع من تشارك أفكارك وإلى أي حد، كل ذلك يحدث تلقائيًا لك دون أن تشعر وأنت فقط تحاول اكتساب مهارة الاستماع الجيد.

0

شاركنا رأيك حول "حاوِر بطريقة احترافية ولا تكن آلة تسجيل فقط: كيف تصبح مستمعًا جيّدًا لمن هم حولك"