تقول الأسطورة الإغريقية القديمة إنّ الملك "ميداس" كان يحول أي شيء يلمسه إلى ذهب. ربما تكون هذه ميزة، لكنها منعته من تناول الطعام الذي يشتهيه أو الانطلاق في الحياة بحُرية، كانت هذه الأسطورة ملهمة للخيميائيين، الذين سعوا لاستخدام العناصر المختلفة في تصنيع الذهب. وكان الحُكام والملوك يقربونهم من مجالسهم ويغدقون عليهم بالأموال، ليصنعوا الذهب من المواد الأخرى، فيزداد ثراؤهم، وهناك مَن سعوا إلى الخلود، وطلبوا من هؤلاء الخيميائيين تصنيع إكسير الحياة، الذي يشبه حجر الفلاسفة كما تحدثت "جوان رولينغ" في الجزء الأول من سلسلة هاري بوتر الشهيرة.

بالرغم من التطور الهائل، ما زالت الأعمار محدودة

الخلود

في صيف عام 1997، تُوفيت 3 شخصيات مشهورة حول العالم. هنَّ: الأميرة ديانا والأم تيريزا وجين كالمينت. ربما تكون الأولى هي الأشهر، كيف لا وهي أميرة القلوب، ووالدة ملك بريطانيا القادم! والثانية هي الأم تيريزا، واحدة من أشهر الأشخاص المعروفين بمساعدة الفقراء حول العالم، والأخيرة، سيدة فرنسية تُدعى "جين"، لكن مصادفة وفاة شخصيتين مهمتين مثل الأميرة ديانا والأم تيريزا، لم يحجب الضوء عنها، فقد شكّل حدث وفاتها ضجة عارمة. والسبب ببساطة هو أنها قد سُجّلت كأكبر مُعمرة في العالم، حيث تُوفيت عندما كانت تبلغ من العمر 122 عامًا و5 أشهر و14 يومًا.

يُعد هذا العمر قياسيًا، نقلًا عن موقع "Our World in Data"، نجد:

  • عام 1770، بلغ متوسط الأعمار العالمي 28.7 عامًا.
  • في 1800، كان متوسط الأعمار 28.5 عامًا.
  • عام 1850، وصل متوسط الأعمار العالمي 29.3 عامًا.
  • عام 1900، بلغ متوسط الأعمار 32 عامًا.
  • في 1950، وصل متوسط الأعمار العالمي إلى 45.7 عامًا.
  • عام 2019، بلغ متوسط الأعمار 72.6 عامًا.

من ذلك، يمكن ملاحظة ارتفاع متوسط الأعمار بمرور الوقت، ويرجع ذلك إلى تطور العلم وتحسين الحياة والمعيشة عمومًا في عدة نواحٍ، منها: التغذية والنظافة والإسكان والصحة، فضلًا عن الحروب والنزاعات التي راح ضحيتها كثير من الأبرياء.

الخلود

عند النظر في الحُقب التاريخية القديمة، نجد أنّ معرفة البشر لم تكن كما هي اليوم، وتظهر آثار هذه المعرفة فيما يلي:

  • سلامة الغذاء: أصبح هناك العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بسلامة الغذاء، التي تُقدم أفضل الطرائق للتخزين وحماية الغذاء من الكائنات الدقيقة الضارة أو الأجسام الدقيقة من الزجاج أو المعادن الثقيلة الخطيرة، وبالتالي صار بمقدور البشر الوصول إلى طعام صحي وطازج محمي من الأمراض، بتواريخ صَلاحِيَة تحدد جودة الطعام ومدى نفعه.
  • الاهتمام بالنظافة: النظافة سلوك حميد، يحرص أغلب الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم هذا السلوك، ليس فقط النظافة الشخصية، ولكن في الحياة عمومًا، ما يقلل فرص الإصابة بالأمراض والأوبئة الخطرة التي قد تتسلل للإنسان من خلال الطعام أو ملامسة الأسطح غير النظيفة وهكذا…
  • الصحة العامة: شهد الطب تطورًا واضحًا في السنوات الأخيرة، نتيجة الاكتشافات الحديثة وتطور الأدوات والتقنيات، ما ساعد في تحسين إدراك البشر للأمراض ومسبباتها، فأصبح التعامل مع الأمراض التي كانت قاتلة في السابق، مثل الالتهاب الرئوي مثلًا، أمرًا سهلًا، لا خوف منه. كما استطاع البشر تطوير اللقاحات بصورةٍ أسرع وأفضل من أي وقتٍ مضى، وبالتالي الاستعداد للأوبئة الفتاكة والتصدي لها بأقل خسائر ممكنة.

على نفس المقياس، تطورت حياة البشر في نواحي الحياة المختلفة. لكن مع ذلك، ما زالت الأعمار محدودة. وذلك ببساطة لأن:

شبح الشيخوخة يطاردنا

وهنا أذكر قصة "رابونزل"، كانت هذه الحسناء تعاني من امرأة خطفتها واستغلتها للحصول على مظهر شبابي والهروب من حقيقة كونها مسنة، بفضل القِوَى السحرية في شعر رابونزل. بغض النظر عن القصة، مع التقدم بالعمر، يصبح تزايد التجاعيد، وتصبح الأعضاء أكثر عرضة للأمراض، بسبب ضعفها إلى أن يحين وقت الوفاة، وهذه هي سنة الحياة. ومن هنا ننطلق إلى أدق التفاصيل عن الشيخوخة.

رابونزال

لماذا الخلود أمر بعيد المنال؟

ربما علينا التدقيق أكثر في مصطلح الشيخوخة علميًا، وهو يعني حدوث مجموعة من التغيرات الفسيولوجية خلال فترات حياتنا المختلفة، وهي تنقسم إلى نوعين، أحدها داخلي والآخر خارجي. أما عن الأول، فهو يحدث نتيجة العوامل الوراثية وطبيعة التحولات الطارئة على الجسم خلال النمو، والأخير بسبب البيئة المحيطة واختيارات الإنسان في حياته عمومًا، فيستهلك جسده ولا يهتم بصحته، ما يُعجل شيخوخته، حتى تأتي اللحظة الحاسمة، وهي الوفاة. حسنًا، لننظر إلى هذه العوامل بشيء من التفصيل…

هل تعرف أهرامات الجيزة الثلاثة؟ إنهم من عجائب الدنيا السبع، وهي ثلاثة أهرامات: خوفو وخفرع ومنقرع. يتكون كل هرم منها من عدد هائل من الأحجار، فمثلًا، هرم خوفو الأكبر، يتكون من نحو 2.3 مليون حجر، عدد هائل، أليس كذلك؟

تُعد هذه الأحجار بمثابة وحدات بناء الهرم، كذلك الخلايا في جسدك، فهي وحدات البناء لديك أيضًا، ولكن عددها أكبر من ذلك بكثير ويبلغ عددها عند الشخص البالغ في المتوسط نحو 37.2 تريليون خلية! بالطبع تزداد مع زيادة الوزن وبعض العوامل الأخرى، لكن هذا الرقم يمثل المتوسط. وهذه الخلايا دقيقة، لا تُرى بالعين المجردة. وفي داخلها مجموعة من العضيات التي تتحكم في العمليات الحيوية وفي حياتك أيضًا. وأحد هذه العضيات هي المادة الوراثية، التي تتألف من مجموعة من الجينات المترابطة مكونة ما يُعرف بالكروموسوم، هذا شكله👇

الكروموسوم

واستمر السعي نحو الخلود

في نهاية الكروموسوم، نلاحظ ما يشبه الغطاء، إنه القسيم الطرفي أو التيلومير "Telomere"، وهو جزء مهم يرتبط طوله بحياة الإنسان نوعًا ما، فكلما قصُر طوله، كان هذا مؤشرًا على الشيخوخة أو ظهور الأورام السرطانية أو الموت المبرمج للخلايا. وفي النهاية، تتأثر صحة الشخص. وعادةً ما يقصر طوله مع التقدم بالعمر، لكن تشير إحدى الدراسات إلى أنه يمكن الحفاظ على صحة التيلومير عند اتباع نظامٍ غذائي صحي وممارسة أنشطة بدنية مفيدة واتباع بعض العادات الصحية، مع ذلك، لن يحقق هذا للمرء الخلود، فهذه مجرد محاولات لإطالة عمر التيلومير لفترة زمنية مؤقتة.

فكر معي، كيف يمكننا الإبقاء على التيلومير بطريقة أخرى غير اتباع نمط حياة صحي؟ حسنًا، ربما تفكر في طريقة لتجديد التيلومير باستمرار. فكرة جيدة، لنرَ ما إذا كانت مفيدة حقًا.

هل تذكر هرم خوفو؟ لقد اعتقد المؤرخ اليوناني هيرودوت أنه بُني بواسطة 100 ألف عامل بناء، بينما يرى علماء المصريات المعاصرين أنّ هيرودوت كان مبالغًا بعض الشيء، واتفقوا على عدد يتراوح بين 20 إلى 30 ألف عامل بنوا هذا الهرم.

تمامًا مثل الأهرامات التي بُنيت بواسطة عمال، كذلك التيلومير، يُبنى بواسطة بروتين يسمى إنزيم التيلوميريز "Telomerase"، الذي اكتشفته ثلاث عالِمات وهنَّ: إليزابيث بلاكبيرن وكارول جريدر وجاك زوستاك، وحصل الثلاثي على جائزة نوبل في الطب والفسيولوجي عام 2009 بفضل هذا الاكتشاف الذي فتح الباب أمام تطوير علاجات الأمراض، وهناك من استهوته الفكرة لتحقيق حلم الخلود.

لكنه ليس إكسير الحياة المرغوب

في نوفمبر 2010، نُشرت دراسة في مجلة "Nature" العالمية، أجراها مجموعة من الباحثين في جامعة هارفارد في بوسطن. تقوم فكرة الدراسة على اختبار تأثير إنزيم التيلوميريز على نشاط الفئران، وبالفعل استخدموا فئرانًا مهندسة وراثيًا تفتقر إلى التيلوميريز وقسموها إلى مجموعتين:

  • المجموعة الضابطة: لم يُعَد تنشيط الإنزيم فيها.
  • مجموعة التجربة: أُعيد تنشيط الإنزيم فيها.

ولاحظوا أنّ المجموعة الأخيرة التي نشط فيها إنزيم التيلوميريز صارت أكثر نشاطًا واستعادت صحتها، وخلصت الدراسة إلى أنّ تعزيز نشاط هذا الإنزيم يساعد في علاج الشيخوخة المبكرة وبعض الأمراض، لكنه لن يمنع الشيخوخة عمومًا وإنما مجرد علاج مؤقت. بعبارة أخرى، لا مجال لفكرة الخلود.

في محاولة لخداع الموت

أبدى عدد من رجال الأعمال المليارديرات اهتمامهم بالأدوية التي قد تُطيل متوسط أعمار البشر فسيولوجيًا إلى 100 عام أو أكثر، كان منهم:

  • جيف بيزوس، مؤسس أمازون.
  • لاري بايج، أحد مؤسسي ألفابيت (أبرز منتجاتها جوجل).
  • لاري إليسون، مؤسس شركة أوراكل.

وغيرهم من رجال الأعمال الناجحين. وفي سبتمبر 2021، استثمر بيزوس بعضًا من ثروته الطائلة في شركة "Altos Labs" التي تعمل على تطوير الأدوية المضادة للشيخوخة. لكن لم يدع المشاكس المحبوب "إيلون ماسك" هذه الفرصة دون تعليق، وعندما نُشر خبر تدعيم بيزوس لمثل هذه الأدوية المضادة للشيخوخة، سخر منه ماسك، وعلق بأنّ بيزوس سيُقاضي الموت إذا لم تنجح الأدوية.

وأخيرًا.. هل تذكر أسطورة الملك "ميداس"، بالرغم من تمتعه بقوة خارقة ساعدته في تحويل أي شيء إلى ذهب، لكنه لم يكن سعيدًا بهذا القدر، فقد صار الأمر مملًا، حتى في رواية "هاري بوتر وحجر الفلاسفة"، رأى "فلامل"، ذلك الساحر الذي استخدم حجر الفلاسفة للخلود أنّ الأمر ممل وقرر عدم استخدامه مرة أخرى في نهاية القصة، أي سيستسلم لدورة الحياة الطبيعية وينام بسلام إلى مثواه الأخير مثل بقية المخلوقات.

المراجع: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12