أولًا وقبل الخوض بين سطور هذه المقالة، وجب لفت الانتباه لتعريف الثقب الدودي Wormhole قبل الولوج بعصب موضوعنا.

ما هو الثقب الدودي؟

الثقب الدودي: هو ممر تخيلي طويل الامتداد، شاسع المساحة، يوجد داخل الثقب الأسود، ومُحـتــَـوىً داخل نسيجي الزمان والمكان (الزمكان)، وإلى الآن لم يرصد بالفعل، ولكنه قُدِم كأحد أضلاع المثلث الثلاثة لنظرية النسبية العامة.

أول من استخدم هذا المصطلح هما الفزيائيان أينشتاين وروزن، حيث قدمَا هذه النظرية في عام 1935 للميلاد. وقد افترضا أنَّ الثقب الدودي هو جسر أو ممر طويل يوجد داخل الثقب الأسود، ومن المحتمل أن يكون هذا الثقب محل الحديث -الثقب الدودي- متصلًا بثقب أبيض من طرفه الآخر وهكذا دواليك، كما يطلق عليها أيضًا جسور أينشتاين-روزن.

اقرأ أيضًا: الثقوب البيضاء، الوجه الآخر للثقوب السوداء في مرآة أسرار الكون!

كيف ينشأ الثقب الأسود؟

من المفترض أن تنشأ الثقوب السوداء "Black Hole" جراء انهيار وموت نجمٍ ما وانتهاء فترة تواجده بالكون، لينشأ منه هذا الثقب الأسود، ولكن لا يقوم من تلقاءِ نفسِهِ بخلق ثقب دودي، وهذه الأخيرة تشرح مورفولوجيًا إلى أنها تحتوي على فمين كرويين (ناحيتين مفتوحتين) يصل بينهما ممر طويل ومستقيم، يلقبه بعض الفلكيين بالحنجرة، وهذا المسار(الخط) المستقيم يمكنه الالتفاف، وهناك بعض التخيلات التي تُعزى لهذه الثقوب البيضاء، فعلى سبيل المثال وعندما يتم شحن الثقب الدودي بكمية كافية من المادة الغريبة Exotic Matter فإن ذلك وبالتبعية يؤدي إلى إمكانية استخدام الثقوب البيضاء في إرسال إشارات ومعلومات ورسائل للمسافرين عبر الفضاء.

” إنَّ الـتَـفـْـرِقَةَ بَيـْـنَ المَاضِي والحَاضِر والمُسْتَـقـْـبــَــل لهِي وَهمٌ مُقيمٌ عَنيدٌ “
-ألبرت أينشتاين-

اقرأ أيضًا: هل حقًّا يوجد مياه على سطح القمر؟ وهل هي صالحة للشرب؟

المواد الكونية

ووجب لفت الانتباه إلى مصطلحٍ فلكيٍّ مهم، وهو المادة الغريبة Exotic Matter، وهو عبارة عن مادة كونية تمتلك كثافة سالبة للطاقة، وكذلك تتميز بامتلاكها لضغطٍ سالب، ويجب عدم الخلط بينها وبين المادة المضادة Antimatter وكذلك أيضًا المادة المظلمة Dark Matter.

المادة المضادة هي عبارة عن الشيء المعاكس للمادة الأصلية، فمثلًا البوزيترون يمتلك شحنة موجبة، بينما الإلكترون يمتلك شحنة سالبة، ولكن يشبه البوزيترون الإلكترون في كل شيءٍ آخر بخلاف الشحنة، فالبوزيترون موجب الشحنة، ولكن الإكترون سالب الشحنة، لذا البوزيترون مادة مضادة، وأما عن المادة المظلمة فهو الاسم الذي تمَّ اعطاؤه لتلك المادة التي تنفلتُ نتيجةً لتحليل منحنيات دوران المجرة.

اقرأ أيضًا: لماذا يدور كوكبا الزهرة و أورانوس عكس بقية الكواكب؟

الثقوب الدودية بين النظرية والخيال

كان التصوُّر القديم للكون لا يتحمَّل أيَّ انبعاج في النسيج الكوني، فمثلًا كان التصور القديم للكون والمجرات ينصُّ على أنه لا يمكن خرق وتبعُّج الكون، لأن هذا سيؤدي وبالتبعية لانتهاء العالم بأثره، مثل محاولة طيِّ لوح زجاجي رفيع، ومن ثمَّ سينكسر، هكذا التشبيه الدقيق على حدٍّ سواء.

بعد ذلِكَ جاء أينشتاين وقدَّمَ نظرية النسبية العامة، التي قال فيها إن الكون عبارة عن اتحادٍ بين الزمان والمكان، وأطلقَ عليه "نسيج الزمكان"، والذي ينص على أن الكون عبارة عن نسيج زمكاني مطَّاط يمكن تشكيله وخرقه كقطعة العجين بالضبط. ونصَّت النظرية سالفة الذكر على وجود عددٍ من الثقوب، هي السوداء والبيضاء، والدودية، والأخيرة ابتدأت كحل لمعادلات أينشتاين نظريًا أي أنها نظريًا موجودة بالفعل، ولكن عمليًا لا يوجدُ ما يؤكدُ وجودها.

لم تتمكن الأجهزة الاصطناعية البشرية إلى الآن من رصد أي ثقبٍ دوديٍّ، ولكن هناك تصوُّراتٌ خيالية فقط، ويُعدّ أهم تصوَّرٍ له هو نموذج أينشتاين-روزن -سَالـِـف الذِكْرِ بالسطورِ الأُولَى- والذي افترضا فيه أن الثقب الدودي عبارة عن ثقبٍ أسود يبتلع أيَّ شيءٍ يقترب مِنْهُ مهما كان، بما في ذلك الضوء بسرعته الخارقة، التي تبلغ 300,000 كم في الفراغ، وينتهي من الطرف الآخر بنوعٍ آخر من الثقوب يُسمَى الثقب الأبيض.

أما عن وظيفة الثقب الأبيض فهي عكس وظيفة الثقب الأسود تمامًا، كما وضحنا مسبقًا بالسطور الأولى، حيث إن وظيفة الثقب الأسود الرئيسية هي ابتلاع أيِّ شيءٍ يمرُ بجانبه، وعلى النقيض الثقب الأبيض يرمي أيَّ شيءٍ بداخله للخارج، مثل مشهد الانفجار العظيم بالضبط.

أهم ما يميز ما يحدث داخل الثقب الأبيض هو أن الزمن يسير بالاتجاه المعاكس السلبي، فبدلًا من أن يتقدم الزمن للأمام، فإنه يمر للخلف، وهذا يُعاكِس ويُضاد كل قوانين الفيزياء النظرية التي طُبِقَت في كوننا المُعَاش، وأيضًا في الكون المُعَاش هناك قانونٌ فيزيائيٌّ ومنطقيٌّ قبل أن يكون فيزيائي، وهو أن السببَ أو المُسَبِبَ يسبق النتيجة، والذي يُسمى قانون السببيَّة، ولكن في الثقوب الدودية -كما تصور أينشتاين وروزن- النتيجةُ تسبقُ السببَ أو المُسَبِبَ، أي بالعَكْسِ تمامًا!

النموذج الثاني الذي يتصوَّرُ الثقوب الدودية، هو نموذج يتبعُ نظرية الأوتار الفائقة، والذي يتبنى فكرة أن بعد وقتٍ قصيرٍ من الانفجار العظيم، حدثت مجموعة من التقلبات حصلت على المستوى الكمِّي من الجُسيمات، وهذه التقلبات كانت السبب وراء بناء عددٍ لا بأس به من الجسور عددها لا يمكن إدراكه تتواجد بين مختلف زوايا الكون.

الجسور المذكورة آنفًا هي عبارة عن خيوط رفيعة مربوطة ببعضها عن طريق أوتار سُمِيَت بالأوتار الكميَّة، وبعد الانفجار العظيم تبعثرت الكثير من الثقوب البيضاء نتيجة لقوى الانفجار العظيم، وأصبحت المسافات بينها تُـقَـاسُ بآلاف السنين الضوئية، ويقترحُ النموذج أنَّ الثقوب الدودية تُشبِهُ إلى حدٍ كبير الثقوب السوداء، بالشبه فقط، ولكن لا تتألف منها، لدرجة أننا وإن نظرنا إلى الثقوب الدودية من بعيد يُخَيَّل لنا أنها ثقوب سوداء ولكنها ليست كذلك.

الثقوب الدودية اصطناعيًا

حاول العلماءُ وبجديَّة ابتكارَ وصُنعَ ثقبٍ دوديٍّ في الفضاء، بعدما قالوا إن الثقوب الدودية من المستحيل تواجدها طبقًا للنظريتين أو التصورين سالفي الذكر، ولكن هذا وبالعلم يتطلبُ عددًا من الشروط، وهي؛ أن يكون الثقب الدودي يربطُ بين مكانين على مسافةٍ شاسعةٍ وكبيرة للغاية، وألا يحتوى على ما يُطلَق عليه أُفق الحدث، وهي المنطقة الموجودة في الثقب الأسود والتي بدروها مسؤولةٌ عن ابتلاع أيِّ شيءٍ يمرُ من خلالها، والشرط الثالث والأهم هو أن يمتلك هذا الثقب الدودي مساحة معينة تسمح ألا تكون جاذبيته كبيرة لدرجة قتل المسافرين من البشر عبر هذا الثقب الاصطناعي.

الزمن كبعد رابع بين الخيال والواقع… وهل هو موجودٌ بالفعل؟

الزمن ببساطة هو بعد رابع لثلاثة أبعاد أساسية، أو بالأدق وبعد نظرية النسبية لأينشتاين، هو رابع أربعة، يتحرك بهما الكون كله، وهي الطول والعرض والارتفاع، فمثلًا عندما نسير للأمام وللخلف فإننا نطبق بُعد الطول وإلى اليمين واليسار فإننا قد طبقنا بُعد العرض، وعندما نقفز للأعلى وللأسفل، فإننا قد طبقنا بُعد الارتفاع، ولكن ماذا عن الزمن؟ أحقًا هو موجود أم أنه خيال نسجه عقل أينشتاين الفذّ؟!

يُعرِّف الفيزيائي النظري الشهير كارلو روفيلي الزمن على أنه وهم، ويقول مُعلِقًا: "إدراكنا الساذج لتدفقه لا يتوافق مع الواقع المادي". وطبقًا له يُعرَف الزمن على أنه عملية تقدم الأحداث بشكل مستمر، بدايةً من الماضي، مرورًا بالحاضر، وحتى إلى المستقبل، وهو عملية لا رجعةَ فيها، ويتعذَّر إلغاء الزمن! إذن ما الذي يعتقد روفيلي أنّه يحدث حقًا؟ يفترض أن الواقع هو مجرد شبكة معقدة من الأحداث التي نعرض عليها تسلسلات الماضي والحاضر والمستقبل.

ورياضيًا يُعرف الزمن على أنه دالة في السرعة النسبية بين الأجسام، ولتبسيط هذا الكلام، يَجدر بنا تعريفُ السرعة أولًا، وهي معدل تغير المسافة بالنسبة للزمن (أي: معدل التغير في موقعه)، ومن هنا نقول إن الزمن وبالبديهة يقل كلما كانت السرعة بين جسمين متحركين يكادُ يقترب من سرعة الضوء، وينعدم الزمن ويتلاشى عندما يصبح الفارق بين سرعة الجسمين يساوي سرعة الضوء، وقتها يصبح الزمن صفرًا.

وقديمًا كان يُنظَر إلى الزمن على أنه أحد المطلقات، وهذا ما كان يتبناه عالِم الجاذبية نيوتن، ولكن في منظورٍ آخرٍ للفيزياء الحديثة الذي تبناه عالِم النسبية أينشتاين في نسبيته الخاصة، حيث أنزل الزمن عن عرش المطلقات، وقال إن الزمن ليس مطلقًا بل هو نسبي، ومِن ثمَّ فإن الزمن هو أحد مكونات مسرح كبير يسمى الكون، تجري فيه الأحداث، ومن هُنا أخذ لقب البعد الرابع، لذا وللإجابة عن سؤالنا، فإن الزمن ليس خيالًا وإنما واقع.

المراجع:

3،2،1، 4