رواية حياة صغيرة للكاتبة هانيا ياناجيهارا: صداقة وحُب والكثير من الألم

سلمى سلطان
سلمى سلطان

9 د

في عام 2015، وتحديدًا، يوم الاحد 10 من شهر مارس، صدرت رواية حياة صغيرة للكاتبة هانيا ياناجيهارا. حياة صغيرة ولكنها لمست حيوات كثيرة حول العالم، وبشكل عنيف وصادم أكثر منه مؤلم، وربما لذلك اُعتبرت الرواية من أكثر الروايات المثيرة للجدل والمثيرة للآراء المُتضاربة ما بين النفور والهوس الشديد.

تقول ياناجيهارا في إحدى المقابلات:


“أعتقد أيضًا أن هناك نقطة يصبح فيها الوقت متأخرًا لمساعدة بعض الناس: أن الوقت قد مضى وتصلب فيه الضرر الذي تعرضوا إليه تمامًا بحيث لا يمكن إصلاحه”.


رواية حياة صغيرة للكاتبة هانيا ياناجيهارا

من هُنا ولدت فكرة رواية هانيا ياناجيهارا، فلقد فكرت كثيرًا من قبل في أن أغلب أنواع الأدب والفن عمومًا تُركز على فكرة التعافي. وعلى لسانها تقول فيما معناه، أن كل الروايات أو الأعمال الفنية يبدأ فيها البطل/ة في نقطة ثم ينتهوا في نقطة مختلفة تمامًا. ولكنها كانت تسأل نفسها كثيرًا في تلك الفترة: “ماذا لو بدأ شخص ما من نقطة (أ) وفي النهاية ظل في نفس النقطة دون تطور؟”.

وبالفعل لعبت الكاتبة على هذه الفكرة، مما أثار امتعاض وغضب الكثيرين، ولكن أيضًا أثار تعاطف مجموعة أكبر من المُتلقين.

ذو صلة

البعض لقب الرواية بأنها تنتمي إلى فئة ال “Torture Porn” والتي تعني أن عمل ما يتمحور حول تصرفات ومشاهد سادية ومليئة بالعنف والتعذيب. والبعض الأخر يرى أنها نقلة في عالم الأدب ونوع جديد منه، يُناقش أفكار تجديدية وغير مألوفة.

ويمكن بسهولة للذين لم يقرؤوا الرواية أن يقتنعوا بالرأي الأول. فرواية حياة صغيرة هي عمل يجب قراءته حتى تستطيع كقارئ إصدار حكم عادل بشأنه. ولكن في ذات الوقت يجب أن تكون حذر عندما تُقرر الغوص في محتواه، لذلك سنحاول معًا تفكيك وإعادة ترتيب القصة سويًا من البداية لتتضح لنا الصورة.


حبكة رواية حياة صغيرة

رواية حياة صغيرة للكاتبة هانيا ياناجيهارا

غلاف رواية “حياة صغيرة” للكاتبة هانيا ياناجيهارا

تدور أحداث الرواية حول 4 أصدقاء وهم “مالكوم” و “جي بي” و “ويليم” و “جود” منذ بداية صداقتهم في فترة الجامعة امتدادًا إلى نهاية الرواية، فنُتابع تطور هذه الصداقات والتقلبات والتغيرات التي تطرأ عليها وعليهم كأشخاص.

تركز الرواية في بدايتها على على الأربع أصدقاء والتعريف بكل شخصية على حدا، من خلال فصول تتحدث فيها كل شخصية عن الأحداث من منظورها الخاصة. ولكن فيما بعد، نكتشف أنها تدور بشكل خاص حول شخصية “جود”، وهو الصديق المُحير الغريب والغامض، والذي يُعتبر نقطة تلاقي الأصدقاء الثلاث، وتقريبًا نقطة تلاقي كل شخصيات الرواية، فهو الطاولة التي تجمعهم جميعًا حول عشاءٍ واحد، وهو النجمة التي تسطع في سماء كل منهم، ولكنها لا تدلهم على الطريق، بل تُحيرهم وتُضلهم على مدار أعوام كثيرة.

لا يوجد زمن مُحدد للرواية، فلا تذكر الكاتبة أي زمن أو حدث مُعين يُعبر عن الفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث، ولكن تدور الأحداث بشكل أساسي في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.

ويمكن أن يكون ذلك لرغبة الكاتبة في ألا تؤثر أي أحداث خارجية على سير أحداثها روايتها، وألا تتطرق إلى أي حدث خارجي لمجرد أنه وقع في الفترة الزمنية التي تدور فيها الرواية، ليقتصر تركيزها على الحياة الصغيرة لشخصياتها. ويمكن كذلك أن يكون تعبير منها على أن هؤلاء الأشخاص وما يمرون به من أشياء، يمكن أن يحدث في أي زمن وليس بالضرورة في فترة زمنية معينة.

تسير الأحداث بأسلوب التنقل ما بين الماضي والحاضر، فنجد كل شخصية تعود ما بين ماضيها وحاضرها في سردها للأحداث.


الجدل حول الأدب الواقعي

الأدب الواقعي

لا شك بأننا جميعًا نبحث عن نوع من أنواع الخلاص من تقلبات الحياة من حين لآخر، سواء باللجوء للطبيعة أو لمن حولنا من أصدقاء وعائلة أو ببساطة بلجوءنا للفن. مقطوعة موسيقية أو لوحة فنية أول فيلم سينمائي أو كتاب.

ففي هذا العالم الذي يجعلك تفقد إيمانك في الإنسانية فقط إذا شاهدت الأخبار بشكل يومي لمدة أسبوع، نبحث بشكل مميت عن فسحة للهروب، بضع ساعات نُذَوب فيها أعباء الحياة وجنونها اللانهائي.

  • ولكن ماذا إذا احتوى الفن على ذلك الجنون الذي يدفعنا للهروب إليه؟ وماذا إذا تحول الفن إلى الواقع بذاته، فبدلًا من أن يُلحق بك بعيدًا عنه، يضعه في وجهك كما لم تراه من قبل؟

عندما يُفكر الإنسان في الواقع، فهو في الغالب، دون أن يعي، يُفكر في واقعٍ واحدٍ فقط، وهو واقعه. فكلمة واقع تعني شيئًا مغايرًا تمامًا إذا حاول تفسيرها شخصان مختلفان.

فمثلًا واقع الشخص اليتيم، مغاير لواقع الشخص الذي ولد في كنف أب وأم. وواقع الشخص الكفيف، مختلف عن واقع من ولد مُبصر. وواقع الشخص الذي مر بصدمة نفسية معينة، مختلف عن واقع الشخص الذي مر بصدمة مختلفة عنها، أو أقل منها حدةً.

إذًا لا يمكننا تمامًا الجزم بأن واقعية العمل الأدبي أو الفني ستلقي بالواقع الذي نتملص منه في وجهنا، لا، ليس في كل الأحوال. أحيانًا، تلقي بنا هذه الأعمال داخل واقع آخر، يزيد أو يقل في واقعيته وعنفه عن الواقع الخاص بنا.

وليس من الضروري أن يكون هذا شيء جيد أو سيء، ولكنه بالطبع يكشف عن حقيقة ما. ونحن فقط الوحيدين الذين نستطيع تحديد قيمة تلك الحقيقة.

كلمة واقع يمكن أن تأتي بالكثير من الأشياء في جعبتها ويمكن أن لا تأتي بشيء على الإطلاق إذا فشل الكاتب في نسج خيط رفيع يجعلنا نربط تلك الحياة البعيدة التي اختار أن يبني عالمه حولها ويجعلنا نعيش فيها لفترة معينة بحياتنا الخاصة.


دائرة الألم المُغلقة

مشهد لـ "جود" من المسرحية المُقتبسة عن رواية "حياة صغيرة".

مشهد لـ “جود” من المسرحية المُقتبسة عن رواية “حياة صغيرة”.

من البداية وبعد تعرفنا على كل من الشخصيات على حسب ظهورهم وفعالية دورهم في أحداث الرواية، نكتشف أن الكاتبة ياناجيهارا تُركز أولًا على الشخصيات الفرعية بعض الشيء، وتتخذ أسلوب البناء التصاعدي والبطيء قليلًا. فهي تعرفنا بكل شخصية شيئًا فشيئًا وبشكل تدريجي وغير متسرع تمامًا.

لذلك تؤجل -متعمدة- تعرفنا على الشخصيات الأساسية، وعندما تبدأ تعريفنا بهم نجد أنها تحوم حول بعض الأحداث والمواقف الغامضة وتتركها دون توضح، أيضًا بتعمُد منها. وذلك لكي تخلق بين المُتلقي والشخصيات علاقة وثيقة، وأيضًا لتترك مساحة من التشويق، خاصةً وأن الرواية مبنية على حبكة قد يظنها البعض مملة. فهي في النهاية تروي قصة حياة مجموعة من الأصدقاء بشكل تفصيلي ويومي مما يجعل مهمتها خطرة ومليئة بالتحدي.

بعد أن تتوثق العلاقة التي تعمل ياناجيهارا على خلقها وتوثيقها من البداية، تبدأ الأحداث في التصاعد وتبدأ الفكرة الأصلية بالتبلور، وتسقط القشرة التي تُغلف بذرة القصة لنراها بوضوح، ربما ليس تام، ولكنه كافٍ.

وذلك يعود بنا إلى ماتحدثنا عنه قبلًا: فكرة النقطة (أ).

اقرأ أيضًا:


فكرة النقطة (أ) وتطور الشخصيات 

يمكنك كمتلقي تصور فكرة التطور التي تُبني عليها أغلب الروايات التي دول حول الحياة اليومية لمجموعة من الأشخاص. فبالطبع الحياة اليومية تعني الكثير من التغيرات والتطورات سواءًا كانت في الأحداث أم في بناء الشخصيات أنفسهم، وبالفعل يحدث ذلك. ولكن ليس مع كل الشخصيات.

وتحقق الكاتبة من تلك المقارنة الخفية هدفها الأساسي، وهو أن تجعل المُتلقي يلاحظ كيف أن جميع الشخصيات في الرواية تتطور بشكلٍ أو بآخر ماعدا شخصية واحدة، وهي شخصية “جود”.

نعم يتطور جود من ناحية الزمان والمكان، ومن ناحية المادة أيضًا، ولكن يعجز عن التطور والنمو المعنوي والعاطفي. فمعنويًا وعاطفيًا بدأ جود من نقطة (أ) وعادت به الطرق إلى ذات النقطة في النهاية، ليدور في نفس الدائرة المغلقة من الألم والخزي والعار والخوف.

وهو ما أثار غضب الكثير من القُراء واتهموا ياناجيهارا بأنها أرادت لهم أن يتعلقوا بجود، وأرادت أن تستغل معاناته وعجزه في أن يتطور، ويتخطى دائرة الألم المغلقة للتلاعُب بمشاعرهم، ولكن هذا يحيد تمامًا عن الهدف الحقيقي من حياة جود الصغيرة.

الحقيقة هي أن كل ما أرادته الكاتبة هو أن تطرح سؤالًا واحدًا ليتأمله كل مَن وضعت الصدفة روايتها في يده: “ماذا لو لم يذهب الألم في النهاية؟”.


لماذا لا يمكن للصداقة أن تكون كافية؟

فريق عمل المسرحية المُقتبسة عن رواية "حياة صغيرة".

فريق عمل المسرحية المُقتبسة عن رواية “حياة صغيرة”.

يسأل جود نفسه هذا السؤال مرارًا.

أهم ما يميز رواية حياة صغيرة هي الصداقات والعلاقات العائلية والأسرية، ومفهوم ال “found family” وهم الأشخاص الذين لا تجمعهم صلة دم أو قرابة، ولكنهم يكونوا عائلة خاصة بهم لشعورهم بالألفة والانتماء سويًا. وهذا الجانب هو من أهم جوانب الرواية التي تُبني عليها الكثير من الأحداث المحورية.

وتطرح من خلاله ياناجيهار أيضًا فكرة أخرى، وهي فكرة الاكتفاء العاطفي والمعنوي من خلال علاقات الصداقة والعلاقات الأسرية بعيدًا عن العلاقات الرومانسية أو العلاقة الزوجية.

فهي تخلق في عالمها عائلة كبيرة ومتشعبة مبنية في أساسها على الحُب الغير مشروط والمُعتمد فقط على رغبة هؤلاء الأشخاص في أن يظلوا متواجدين في حياة بعضهم بعضًا دون أن تُجبرهم على ذلك أي صلة دم أو قرابة.

وبالطبع جذر ومركز هذه العائلة هو جود، فبشكلٍ خفي نكتشف أنه هو الخيط الرفيع الذي يجذب كل منهم إلى الآخر بشكلٍ مستمر.

وفي حين أن جميعهم بالطبع لديهم حياة أخرى موازية لتلك الحياة التي يشاركونها مع بعضهم بعضًا، مع أزواجهم وزوجاتهم وحبيباتهم، يجد جود نفسه مكتفيًا بحياته الصغيرة الواحدة التي يشاركها معهم في الكثير من الأحيان.

وبسبب معاناة جود الداخلية، وعدم تطور شخصيته بشكلٍ طبيعي بالتأكيد تقترب فكرة الارتباط العاطفي من كونها فكرة مستحيلة.

وفي حين أن الجميع يستحثون جود على أن يخلق لنفسه روابط عاطفية أخرى بعيدة عن الصداقة والعائلة، يتساءل جود، لماذا؟

لتطرح ياناجيهارا سؤالًا اخرًا: لماذا لا يمكن للصداقة أن تكون كافية؟.


ما بين ويليم وجود

مشهد بين ويليم وجود من المسرحية المُقتبسة عن رواية "حياة صغيرة".

مشهد بين ويليم وجود من المسرحية المُقتبسة عن رواية “حياة صغيرة”.

بلا شك مع مرور الأحداث نكتشف أن كلًا من جود وويليم تجمعهم علاقة وصداقة خاصة مختلفة عن باقي الصداقات، وحتى عن صداقتهم بمالكوم وجي بي. ومن خلال تلك الصداقة تكسر ياناجيهارا الكثير من التابوهات الموجودة في المجتمعات الغربية والشرقية.

ففي إحدى مقابلاتها علقت على العلاقة بين جود وويليم بأنها علاقة تكسر الكثير من القواعد المتعارف عليها في الصداقات ما بين الذكور. فالنساء والفتيات لديهم كامل الحرية في الحديث عن كل شيء تقريبًا فيما بينهم دون خجل أو حذر. بينما نجد أن العلاقات ما بين الذكور في أغلب المجتمعات تقريبًا تحتوى على الكثير من الخطوط والتابوهات التي لا يمكن تجاوزها والكثير من المواضيع التي لا يمكن التطرق إليها.

وبالفعل، عندما نرى علاقة جود وويليم نشعُر بأنها أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، على الرغم من واقعية كل شيء أكثر من اللازم، إلا أن الرابط الذي يجمع بينهما يندر وجوده بشكلٍ فعلي في مجتمعاتنا وحياتنا اليومية، مما يخلق بداخل القارئ حنين خفي للوصول إلى ذلك الرابط أو رؤيته فيمن حولنا من أشخاص وأصدقاء.


تحدي الذكورية السامة

لنصل إلى الفكرة ثالثة وهي ال “toxic masculinity” أو “الذكورية السامة” التي تغرق فيها ليس فقط المجتمعات الشرقية بل المجتمعات الغربية أيضًا. من خرافات مثل “الرجال لا يبكون” إلى “الرجل الذي يظهر مشاعره رجل ضعيف”.

فلم تخجل ياناجيهارا من إظهار شخصياتها من الرجال في ضوء جديد، وأن تخلق لهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم بحرية كاملة وأن تجعلهم يبكون عندما يتطلب الأمر ذلك أو يناقشوا مشاعرهم بكل أريحية عندما يتطلب الأمر ذلك بل وأن يظهروا جوانبهم الضعيفة أمام بعضهم بعضًا دون الحاجة إلى الاختباء أو التظاهر بعكس ذلك، مُتحديةً المفهوم العام لما هو “مُتاح” و”مقبول” في ذلك النوع من الصداقات.

على الرغم من كل ما تطرحه الرواية من رؤية جديدة وأفكار ناقدة للمجتمع ومؤثرة سواءً على المستوى الإنساني أو الاجتماعي، إلا أنها تتطلب الكثير من الشجاعة والكثير من الاتزان النفسي حتى يتمكن المُتلقي من افتراسها أو حتى الانسجام معها. لذلك لا يُنصح بقراءة الرواية لمن هم يمرون بأزمات نفسية شديدة بمختلف أنواعها أو من لديهم تاريخ مع الاعتداء والاستغلال الجنسي أو الجسدي أو العاطفي لأنها لربما تُثير وتفتح هذه الجروح مرة أخرى.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة