إدغار آلان بو يعود للحياة مرة أخرى.. مراجعة فيلم The Pale Blue Eye

The Pale blue eye
ساندي ليلى
ساندي ليلى

8 د

لقد رافق الرعب البشر منذ بدء الخليقة، ومع تطور الحضارة والمعرفة أصبح الإنسان قادرًا على خلق الرعب بنفسه بطرق مختلفة، بداية عن طريق كتابة القصص والروايات التي أصبح بعضها من كلاسيكيات الأدب العالمي، بعد ذلك وعند اختراع السينما انتشرت أفلام الرعب التي أصبحت من ركائز السينما العالمية، إن البشر يحبون إرعاب أنفسهم بكافة الطرق،حيث يقول أديب الرعب الأمريكي الشهير إدغار آلان بو: "الوحوش الأكثر رعبًا هي تلك التي تكمن في نفوسنا".

في الواقع يعد بو مؤسس أدب الرعب الأمريكي، فقصصه أشهر من نار على علم وتعد رمزًا من رموز الثقافة العالمية حتى إن القصص التي كتبها لها تصنيفها الخاص بها، حيث إنها تندرج تحت مسمى الرعب القوطي إذإأن الرعب ليس نوعًا واحدًا، فهو كما الخيال لا حدود له وقد عاد اسم بو للظهور مجددًا بعد إصدار نتفلكس لفيلمها الجديد المستوحى من عوالم هذا الشاعر الحالم الغامض، فقد جاء هذا الفيلم كهدية من نتفلكس إلى مشاهديها في العام الجديد، حيث عرض عبر المنصة بعد عرضه في صالات السينما بفترة وجيزة، وسنقدم هنا مراجعة لفيلم الإثارة والرعب الجديد المستوحى من عوالم بو المرعبة الفريدة The Pale blue eye.


معلومات فيلم The Pale Blue Eye

فيديو يوتيوب
  • كتابة: سكوت كوبر
  • إخراج: سكوت كوبر
  • طاقم العمل: كريستيان بيل، هاري ميلينغ، جيليان أندرسن، توبي جونز
  • مدة الفيلم: 128 دقيقة
  • التقييم على IMDb هو 6.5/10
  • التقييم على Rotten tomato هو 68%
  • تاريخ العرض 23/12/2022 (في دور السينما) 6/1/2023 (عبر منصة نتفلكس)

قصة الفيلم، جرائم قتل طقسية غامضة في أكاديمية ويست بوينت

ذو صلة

تحذير بحرق أحداث الفيلم

اقتبست أحداث الفيلم من رواية للكاتب لويس بايارد، الذي دمج في أحداث روايته بين الخيال والحقيقة التاريخية لشخصية الشاعر الشهير إدغار آلان بو، ويبدأ الفيلم بعرض اقتباس لإدغار آلان بو يقول فيه :"إن الحدود التي تفصل الحياة والموت هي مبهمة وغامضة في أحسن الأحوال من سيحدد أين تنتهي واحدة وأين تبدأ الأخرى؟" تبدأ أحداث الفيلم عندما يتم استدعاء المحقق المخضرم أغسطس لاندور للتحقيق بجريمة وقعت في أكاديمية ويست بوينت العسكرية في نيويورك، لقد كان لاندور سابقًا أحد كبار المحققين في نيويورك لكنه الآن عبارة عن حطام إنسان، خاصة بعد وفاة زوجته والاختفاء الغامض لابنته، كما اشتهر بحدسه الاستثنائي وأسلوبه المختلف المتميز في التحري، وعلى الرغم من عدم إعجاب المؤسسة العسكرية بأسلوبه خاصة بعد ظهور مشاكل الشرب والثمالة عنده، لكنه كان الأقدر على حل جريمة القتل المروعة التي وقعت.

حيث وُجد أحد الطلاب مشنوقًا على إحدى الأشجار، في البداية ساد الظن أن هذا كان انتحارًا لكن تشريح الجثة أثبت أن قلبه انتزع من صدره بطريقة جراحية غريبة، فيقرر لاندور قبول القضية ويجد أول الأدلة الملموسة وهو قصاصة ورقية في يد الضحية.

وكي يستطيع كشف حقيقة ما حدث يستعين لاندور بإدغار آلان بو، وهو طالب في الأكاديمية عاشق للشعر وشاعر مبتدئ ذو شخصية غريبة حالمة، ذلك لأن طلاب الأكاديمية تعهدوا بالصمت ولن يتحدثوا مع لاندور إطلاقًا، فيجتمع الثنائي الغريب كي يحاول فك غموض هذه الجريمة، ومع تطور علاقتهما تبدأ الشكوك بأن مرتكب هذه الجرائم هو شخص متعصب دينيًا، لكن فجأة تظهر أدلة جديدة تربط الجريمة بطقوس سحر وشعوذة أي أن ما حدث لم يكن جريمة عادية بل هو شيء أكبر من ذلك.

بعد ذلك يتم اكتشاف جريمة قتل ثانية لطالب آخر بنفس الكيفية حيث إن قلبه أيضًا انتزع من صدره بوحشية، ثم اختفى طالب ثالث كان على صلة بأول اثنين، ربما لأنه اعتقد أنه سيكون التالي في سلسلة الجرائم، وتبدأ الشكوك تحوم حول بو نفسه، الذي عانى كثيرًا من إساءة الطلاب، بعد ذلك يلتقي لاندور وبو بعائلة الدكتور دانيال ماركيز الطبيب المقيم في الأكاديمية والذي قام بتشريح الجثث، ويذهبان إلى العشاء في منزله ليتعرفا على زوجته وابنه أرتيموس وابنته ليا الجميلة والعازفة البارعة التي تلفت انتباه بو منذ أول لحظة رآها فيها حيث إنه وقع في حبها من النظرة الأولى، وتكشف الأحداث حقيقة عائلة ماركيز الغامضة التي تبدو من بعيد عائلة لطيفة مثالية، لكن جميع أفراد هذه العائلة هم أبعد ما يكون عن السعادة، إنهم عائلة غريبة، حيث إن أرتيموس في الواقع مختل بغيض، أما ليا الجميلة فإنها تعاني من نوبات صرع مرعبة، بعد ذلك وفي أثناء تفتيش لاندور لمنزل عائلة ماركيز تبدأ أدلة جديدة بالظهور تربط العائلة بالجرائم، حيث نكتشف أنهم يمارسون طقوسًا خاصة بالسحر والشعوذة، فتصبح ليا وشقيقها المتهمين الرئيسيين في القضية.

لتستمر أحداث الفيلم في مزيج مميز من الإثارة والغموض والتوتر حيث إن الأحداث تدفع المشاهد إلى ترقب كل مشهد كي يعرف ما الذي سيكشف لاحقًا. على الرغم من أن الأحداث كانت بطيئة في الساعة الأولى من الفيلم إلا أنها تتسارع بشكل تصاعدي في النصف الثاني منه عندما تبدأ الحقائق المخيفة بالظهور تباعًا.

إن هذا الفيلم هو حكاية رعب قوطية تجمع بين شخصين منعزلين غريبين هما بو ولاندور في قضية تزداد تعقيدًا مع استمرارية الأحداث، كما أن أجواء الرعب والقلق الطاغية طيلة الفيلم، تدفع المشاهد إلى الترقب وتوجيه شكوكه إلى جميع الشخصيات، ومحاولة معرفة هوية القاتل الحقيقي، لقد كان الفيلم حزينًا كئيبًا حالمًا، تمامًا مثل بو الذي كان حضوره طاغيًا وواضحًا في الفيلم، ليس كإحدى الشخصيات فحسب لكن بأجواء القلق والسوداوية التي عرف بها أسلوبه الشعري.


معالجة حديثة لشخصية إدغار آلان بو استنادًا إلى حقيقة تاريخية

إن إدغار آلان بو هو ودون أي شك هو واحد من أبرز شعراء أمريكا ليس فقط بفضل قصص الرعب الشهيرة التي تركها خلفه مثل "القلب الذي كشف السر والقط والأسود والحشرة الذهبية" بل كذلك قصة حياته المؤلمة وحبه الأسطوري لزوجته أنابيل التي فارقت الحياة بسبب السل والتي خلد ذكرها في قصيدة مليئة بمشاعر الألم والخسارة. لقد استند الفيلم إلى حقيقة تاريخية واقعية هي أن إدغار آلان بو كان طالبًا بالفعل في ويست بوينت في ثلاثينيات القرن الماضي، فكان إدخاله ضمن أحداث القصة هو مزج ذكي بين التاريخ والخيال. إن هذا الفيلم ليس سرداً لحياة بو أو لسيرته الذاتية بل هو تقديم مختلف للشاعر الذي غير وجه الأدب بعقله الحاد وموهبته الفطرية فلم يصور كما هي عادة بقية الأفلام كرجل كئيب محبط بل كان حزينًا غريبًا مميزًا كما يمكن لنا أن نتخيل بو. لقد كان الفيلم إهداء خاصًا له حتى إنه امتلأ برمزيات تخص بو كالغراب الذي يشير إلى قصيدته الشهيرة.

وبالطبع فإن إضافة مثل هذه الشخصية المميزة إلى فيلم يحمل طابع الرعب القوطي الذي اشتهر به بو أصلًا كان حركة موفقة خاصة مع أداء هاري ميلينغ الرائع لشخصية الشاعر الحالم غريب الأطوار


أحداث مرعبة في أجواء تاريخية تحمل ألوانًا قاتمة باردة في فترة الثلاثينيات

إن أفضل ما قدمه الفيلم هو تلك الأجواء الغريبة التي سيطرت عليه، حيث إن الألوان الباردة الباهتة تشعر المشاهد طيلة الوقت بالبرد والتوتر والقلق كما أن الفترة التي دارت فيها الأحداث جاءت ملائمة للغاية، فهذه القتامة المقبضة لا يمكن تحقيقها في عالم الحداثة والهواتف المحمولة والسيارات. إن أحداث الفيلم بحاجة إلى الأحصنة والقناديل والثلوج الكثيفة كي تظهر طابع الرعب والحزن والمأساة، وهو كل ما أبدع المخرج فيه إضافة بالطبع إلى وجود شخصيات شبيهة بهذه البيئة زادت من جمالية الصورة العامة للفيلم. إنه قصة إنسانية خالية من الدفء أكثر مما هي قصة رعب وجريمة، ويمكن القول إن أجواء الفيلم كانت كأجواء قصص بو باردة مرعبة خالية من أي أمل وتبعث شعورًا بالكآبة والعزلة، المشاعر التي صاغت شخصية بو في الحقيقة ونجح التصوير السينمائي للفيلم في إضفائها على مشاهده كافة.


طاقم عمل استثنائي وأداء مميز من الثنائي كريستيان بيل وهاري ميلينغ

لربما يكون أفضل ما في هذا الفيلم هم الممثلون الذين جاء اختيارهم موفقًا، فلم يكن تركيز القصة على الجريمة والرعب المحيط بها فحسب بس ركزت كذلك على الشخصيات الثانوية والرئيسية على حد سواء مثل عائلة ماركيز التي تبدو من الخارج عائلة هادئة مسالمة، لكن أداء الزوجين توبي جونز وجيليان أندرسون جعل المشاهد قادرًا على الإحساس بوجود سر ما داخل كل هذه المثالية المزيفة.

وبالطبع لا يمكن إغفال الأداء الرائع لكريستيان بيل الذي أبهرنا كعادته بإتقانه المبدع لشخصية لاندور المحطم الثمل التعيس الذي يخفي تحت غطاء من الفظاظة والوقاحة الظلام القابع في داخله والألم الكبير الذي يعانيه من فقدان ابنته الشابة.

أما مفاجأة الفيلم الحقيقية فقد كان هاري ميلينغ الذي عهدناه سنين طويلة بدور ددلي درسلي المتنمر المدلل السمين وابن خالة هاري بوتر في سلسلة الأفلام الشهيرة، لكن ميلينغ استطاع الخروج من عباءة ددلي التي لازمته سنوات عديدة ليقدم أداء مبهرًا لشخصية مبهرة بدورها هي إدغار آلان بو، لقد أعاد ميلينغ الحياة إلى هذا الشاعر، إلى الرجل الحزين الذي سيكبر ويقدم للعالم بأسره حكايات مؤرقة خيالية حتى في رعبها، كما أن ميلينغ كوّن انسجامًا جميلًا مع كريستيان بيل كشخصين منعزلين محبطين ساعيين إلى كشف الحقيقة، لكن لكل منهما أسراره وظلامه الفريد.
كل هذه الأسباب التي ذكرناها جعلت من الفيلم تجربة سينمائية فريدة من نوعها.


بعض الانتقادات التي طالت العمل، ثغرات في الحبكة ولغز غريب غير منطقي

لا يخلو أي عمل من بعض الانتقادات التي لا بد أن توجه إليه مهما كان طاقمه مميزًا فالفيلم الذي سيثير إعجاب جميع الناس دون استثناء لم ولن يصنع. لقد توجهت الانتقادات بشكل عام إلى حبكة الفيلم، حيث وجد البعض أن طول مدة الفيلم البالغة ساعتين كانت أكثر من اللازم، الأمر الذي جعل بعض الأحداث محشوة بلا داعٍ إضافة إلى وجود الكثير من الشخصيات الثانوية التي لا يوجد لها دور حقيقي في الأحداث، حيث إن الفيلم ركز على تقديم الشخصيات والعلاقات فيما بينها أكثر مما ركز على الجريمة نفسها الأمر الذي اعتبره البعض نقطة ضعف في الحبكة.

كما أن تقديم اللغز كان بطيئًا وأخذ الجمهور في متاهات مسدودة النهاية، فكلما ظننت أنك وجدت الحقيقة تجد أن البساط سحب من تحت قدميك وأنك كنت مخطئًا. لقد بدأ الفيلم بداية قوية مشحونة بالغموض والإثارة، لكن التطويل الزائد أدخل الفيلم والمشاهد في حالة توهان وضياع على الرغم من جمالية الصورة والإضاءة والألوان، إلا أن بعض النقاد وجدوا أن اللغز كان مفككًا غريبًا قدّم نهاية غير مرضية بل ومتوقعة للغاية.

إن هذا الفيلم بجوهره هو تحية إجلال وحب لرجل عاش ومات في البؤس والألم غير عالمٍ أن الحكايات التي أبدعتها روحه القلقة المختلة ستشكل حجر زاوية لأدب الرعب لاحقًا. لقد كان الفيلم معالجة مميزة رائعة لإدغار آلان بو الحقيقي، لكن في إطار جريمة طقسية غامضة مع أجواء مقبضة يائسة باردة كما كانت حكايات بو تمامًا

وأنت عزيزي القارئ هل شاهدت الفيلم؟

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات