مراجعة مسلسل Maid أراجيك علي عمار
0

في زخم الإنتاج السينمائي والدرامي، واحتدام المنافسة، وشحذ الطاقات لتقديم محتوى يجذب الجمهور من مختلف أصقاع الأرض، فإن الحالة الإبداعية هي الفيصل بين السينما والتلفزيون، رغم اختلافهما في قواعد ومعايير الصناعة، يشتركان في هدف إثراء المحتوى الفني.

أنت كمتلقي في خضم زحمة ما يُنتج ويُقدّم، تصعب عليك عملية الانتقاء، أو أن يقع بين يديك عمل إبداعي يستحوذ على عقلك وعاطفتك، وخصوصاً المسلسلات الدرامية كونها تحتوي على ساعات متعددة من الفرجة، على عكس السينما. لذلك تتمنى أن لا يذهب اختيارك سداً،  بالأخص إذ كنت مثلي لا تشاهد التريلر الخاص بالمسلسلات، ولا تبحث في غوغل أو أي وسيلة أخرى لمعرفة القصة العامة لهذا العمل أو ذاك.

العنف ضد المرأة مشكلة مستديمة

رغم اختلاف الثقافات وطبيعة المجتمعات حول العالم، وآلية تفكيرها، تبقى القضايا الإنسانية قاسماً مشتركاً بين الدول المتطورة والنامية- إلا ربما من ناحية تعاطي القانون معها في كل بلد- لكن على الصعيد الإنساني تكاد تكون المشاكل هي نفسها، بما فيها قضية “العنف ضد المرأة”.

أفلام ومسلسلات تُعد فلا تُحصى عربياً وعالمياً، تناولت ومازالت تتناول باستمرار قضية العنف ضد المرأة بأشكالها المتعددة، قضية شائكة مستديمة لا يمكن أن نجد لها حلًّا جذريًّا. أما الذكورة التي لا تمت للرجولة بصلة فتزداد فحشاً وعنجهيةً وغطرسةً، فالعنف لغة الضعيف، والإنسان غير السوي. بالمقابل هناك أعمال طرحت وتحديداً في عالمنا العربي وكأنها كانت تقوم بالتطبيع مع التعنيف ضد المرأة، وتحجيم وجودها لصالح الذكر، وهي التي لها دور كبير في عملية الخلق والتكوين على هذه الأرض، كما أمر ربي بذلك.

في هذا المقال سنتحدث عن مسلسل جديد من إنتاجات Netflix الأصلية، يتناول قضية العنف المنزلي ضد المرأة، عمل بعنوان “Maid” يرفع الصوت عالياً ويقمع السكوت.

قصة مسلسل Maid / الخادمة

إقرأ أيضا: معلومات عن يوم المرأة العالمي

العنف وحش مفترس لا يمكن السيطرة عليه، لذلك من الحكمة أن تتخذ القرار بالابتعاد عنه، وهذا بالفعل ما عمدت إليه بطلة حكايتنا أليكس “مارغريت كواللي”، بعد تعرضها لأحد أنواع العنف المنزلي “العنف النفسي” من قبل حبيبها ووالد ابنتها شون “نيك روبنسون”، لتقرر التمرد على واقعها، ومغادرة مقطورتها التي تسكن فيها، بعد أن تعرض لها بالإيذاء اللفظي والعاطفي، بسبب الحالة الهيستيرية التي يصاب بها بعد معاقرته الكحول.

تجد أليكس نفسها وحيدة، مكسورة، مهزومة، مشردة، تمتلك فقط بضع دولارات، لا تحل لها أزمة. وهي امرأة شابة تبلغ من العمر 25 عاماً، وتحمل على عاتقها مسؤولية طفلة صغيرة لم تتجاوز العامين والنصف. لا سند لها في الحياة، والدها انقطعت سبل الإتصال به منذ زمن، ووالدتها أنانية تسيرها أهوائها، لا يمكن الاعتماد عليها.

تذهب بطلتنا لتطرق أبواب الحكومة طلبا للمساعدة، ولكن لا تجد نفسها تلائم المعايير النمطية الموضوعة، كونها لم تتعرض للتعذيب الجسدي. هي في خانة المعنفات نفسياً، وفي بلدتها لا تعترف الحكومة بذلك.

لم تردْ المرأة تشويه االحقائق للحصول على سكن انتقالي، مادامت لا ترغب في إلحاق الأذى بوالد مادي، بادعاء شيء لم يحصل. تساعدها الأخصائية الاجتماعية في تأمين عملٍ لها كخادمة في شركة “فاليو لخدمات النظافه”، ولاحقاً في تأمين مسكن في ملجأ العنف المنزلي، حيث تبذل مجهوداً للنجاة، وتحاول البدء من جديد والاعتماد على نفسها، على حبها للحياة، على أمومتها.

تكافح، تكابد، وتعاند ظروفها القاسية، كلما ظنت نفسها شارفت على الاستقرار، ينهار عالمها في لحظات. تحدث انتكاسة نتيجة لحظة ضعف ليست بالحسبان، تفقد توازنها، تستسلم لشون اللطيف أحياناً، والسيء كثيراً في أوقات أخرى. لكن إصرارها في النهاية على المضي قدماً، والخروج من تلك الحفرة، من أجلها ومادي، وإنقاذها من جحيم عايشته لسنوات والدتها، تفوز في النهاية.

حوارات ملأى بالعاطفة والمشاعر المختلطة.. وصور سينمائية ممتعة

قصة الخادمة مستوحاة من مذكرات “Maid: Hard Work, Low Pay, and a Mother’s Will to Survive” للكاتبة “ستيفاني لاند”، قدمته لنا درامياً من خلال الشاشة “مولي سميث ميتزلر”، في قالب سردي شيق وممتع، ضمن حوارات غنية ملأى بالعاطفة، ومشاعر الإنسانية من غضب، ألم، معاناة، حب، أمل… حياة.

نص ذكي حاول التركيز على إثبات وحدة الحال كظروف اجتماعية وتقاطعها لسكان أمريكا، بين مختلف الطبقات والأعراق. فنشاهد على سبيل الذكر أصحاب البشرة الداكنة أثرياء، والبيض كحال أليكس في فقرٍ مدقع. يسلط الضوء على عبثية النظام الحكومي، وفرضه قوانين جائرة لا إنسانية في بعض المطارح تجاه الأمهات العازبات المعنفات، ومصير من تعوزهن المهارات العملية والشهادت. يوجد بطء في بعض الحلقات، لكنه لا يدفعك للتململ.

تناوب على إخراج “Maid” عدة مخرجين، لم نشعر بفارق بين حلقة وأخرى، وكأن المخرج واحد لجميع الحلقات. تم تقديم صور سينمائية ممتعة وكادرات ملفتة، كما تمت ترجمة خيالات أليكس في بعض المشاهد بطريقة تناسب تفكيرها ككاتبة درامية. أيضاً عملية الحساب الذهني الذي كانت تجريه في عقلها، وظهر لنا ذلك على الشاشة. التعاطي مع لقطات الفلاش باك كان جيد، في إلقاء نظرة على ماضي الشخصيات وأسباب وصولهم إلى ما هم عليه اليوم.

شخصيات نسائية داعمة.. وعلاقة عاطفية مرهقة بين الأم وابنتها

مسلسل Maid

إقرأ أيضا: صرخة من أجل العدالة: 5 كتب توضح قوة الحركات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية

الشخصيات النسائية في العمل مميزة ولها وقع خاص على سير الأحداث، فكانت أليكس طوال الوقت محاطة بنساء داعمات، سهلن عليها رحلة الكفاح لتنجو بنفسها إلى بر الأمان، بدءاً من الأخصائية الاجتماعية، إلى رئيسة الملجأ دينيس “بي جي هاريسون” وحضورها المميز بدورها وصوتها الملائكي، وريجينا “أنيكا نوني” المرأة الثرية بين الجفاصة واللطافة.

تؤدي مارجريت الشخصية بمثالية مثيرة للإعجاب، تقتنص فرصتها ومساحتها البارزة بإتقان، تقدم أليكس بتلقائية وحيوية، رغم صغر سنها إلا أنها مدركة أمومتها. علاقتها مع بولا “آندي ماكدويل” والدتها ملفتة تشعر وأن أليكس أمها وليس العكس، بولا عانت من العنف المنزلي وأنقذت طفلتها كذلك الأمر. لكن لا يمكن إنكار نرجسيتها وأنانيتها. امرأة دائمة البحث عن الحب لذلك يستغلها الرجال.

مجنونة وعصبية ومزاجية، ربما ذلك يترجم شخصيتها كفنانة تشكيلية ويفسرها، لكنها تعاني من مرض عقلي. أمومتها ترهق أعصابها، لكن في داخلها بركان عاطفي. بالمناسبة ماكدويل هي والدة مارجريت في الحقيقة، هنا يستحضرني مثل شعبي في العامية يقول: (فرخ البط عوام).

مشاهد الممثلتين بها إبهار بصري وعاطفي ودرامي، وتناغم رفيع المستوى، ثنائية أغنت العمل ورفعته. أخذت من والدتها هيبة الحضور، وثقتها في نفسها كممثلة لها ثقلها في الأداء.

تعجبك مادي أيضاً، تلك الطفلة الجميلة، ابتسامتها وضحكات عيونها، تتعلق بها وبحضورها. الخادمة، حكاية للشفاء وإعادة ترتيب الأوراق من جديد.

حصل العمل على تقييم 8.6/10 في على موقع IMDb، وعلى 97% من تقييم النقاد في موقع Rotten Tomatoes.

اقرأ أيضا: حملات دعائية مُبتكـرة لرفض العنف ضد المرأة

0

شاركنا رأيك حول "مراجعة مسلسل Maid: حكاية أم عزباء ورحلتها بين العنف والتمرد والشفاء"