مسلسل The Handmaid’s Tale حكاية جارية في أمريكا عندما تحكمها داعش

بوستر مسلسل The Handmaid's Tale
1

مسلسل The Handmaid’s Tale “حكاية جارية” عندما تسمع الاسم للمرة الأولى بدون أي خلفية عن الأحداث، أول ما سيخطر ببالك أنّ المسلسل يتحدث عن حياة إحدى الوصيفات.

ولكن صدقني المسلسل غير معني بأي ملوك أو أميرات أو وصيفات بالتبعية، بل هو يحكي لك قصة جارية، هذه الجارية لا تعود للقرون الوسطى، ولم توجد في العالم الثالث بل في أمريكا.

إنّها قصة أمريكا عندما يحكمها الدواعش … وداعش هنا هي مجرد إشارة للتطرف الديني والمغالاة، واستغلال الدين لتحقيق مصالح شخصية وسياسية، وهو ما يتحدث عنه المسلسل.

دولة جلعاد ترحب بكم فقط إن كنتم رجالًا

صورة من مسلسل The Handmaid's Tale

تدور أحداث المسلسل في دولة جلعاد أو “السعادة الأبدية” بالعبرية، وهي دولة تخيلتها الكاتبة مارغريت أتوود تقام على أنقاض أمريكا بعد الحرب، هي دولة شمولية دينية، تستقي تعليماتها من الكتاب المقدس وخاصةً العهد القديم، بتطبيق حرفي للنصوص الدينية.

فجلعاد تحتقر النساء تمامًا وتعتبرهم توابع للرجال، وإنّ وظيفتهم الوحيدة في الحياة هي التكاثر وتربية الأطفال، فليس من حق المرأة أن تعمل، أو أن تدرس أو أن تمتلك مالًا خاصًا بها، أو حتى أن تقرأ كتابًا، وبالتأكيد ليس لها حرية جسدية في الارتباط  سواءً بزواج أو بدون من مَن تريده هي.

ليس هذا فقط فالغريزة الجنسية للمرأة أثم، فعليها أن تمارس العلاقة الجنسية فقط من أجل الإنجاب لا من أجل المتعة، حيث المتعة الجنسية في جلعاد ذنب يستحق التكفير عنه، والحقيقة أنّ ذلك للراجل والنساء على السواء.

جلعاد كذلك ترى في الجمال فسق وفجور وترف، فلا لوحات فنية مسموح بها، ولا موسيقى، ولا أدب، بل إنّ مساحيق التجميل للسيدات أمر ممنوع تمامًا، وحتى التنوع اللوني في تفصيلات وألوان الملابس ممنوع، فعلى النساء أن يرتدين إحدى أربعة ألوان لا أكثر وفقًا لوضعهن الاجتماعي في الدولة.

الأحمر للجواري وهن السيدات ذوات الخصوبة، واللاتي يصلحن للحمل والولادة.

الأزرق للسيدات وهن الزوجات اللاتي يعشن في كنف أزواجهن.

البني الفاتح للخادمات واللاتي يطلق على الواحدة منهن “مارثا” وهي السيدة غير الخصبة غير المتزوجة، والتي تعمل كخادمة في بيوت السيدات المتزوجات.

البني الغامق وهو للعمات، وهن المسؤولات عن تدريب وتهذيب وإصلاح الجواري، وهم مرحلة وسطية بين مسؤولة الحريم في الماضي، وبين السجانة في السجون الحديثة.

لا مزيد من الألوان إلّا الأسود لبذلات الرجال، وإذا كانت الألوان ذاتها فجور فيجب أن تتخيلوا أنّ المثليين جنسيًا أو “الخونة لجنسهم” كما يطلقون عليهم عقوبتهم الوحيدة هي الموت، وبأسوأ طريقة ممكنة، فإمّا بالرجم أو الشنق أو الإرسال للمستعمرات لإزاحة النفايات السامة حتى يتآكل الجلد والعظم، فيتمنى الشخص لحظة الموت ذاتها، وهي تعتبر الجريمة الأكثر سوءًا في جلعاد ربما فقط يفوقها تهمة قتل أو إجهاض طفل.

أوفريد … عزيزتي الجارية لا يحق لك الاحتفاظ باسمك

صورة من فيلم The Handmaid's Tale

جون هو اسم البطلة والتي تقوم بدورها “إليزبيث موس”، ولكن من ضمن المحرمات أن تذكر جون اسمها الحقيقي، فهي تسمى باسم جديد ينسب لرجل العائلة التي ستخدمها، فجون تخدم عائلة القائد “فريد وترفورد” والذي يقوم بدورة “جوزيف فينيس”. لذا، فاسمها “أوفريد” نسبة إلى اسم مالكها.

ستكتشف عبر الأحداث وعن طريق الفلاش باك طوال حلقات المسلسل حياة “جون” السابقة عندما كانت أمريكا مازالت أمريكا، ولم تسيطر عليها الفاشية الدينية بعد، حيث عملت كصحفية وهي زوجة للوك الذي يلعب دوره “أو تي فاغبينل”، ولديها ابنة صغيرة هي هانا وصديقتها المقربة “مويرا” والتي تلعب دورها “سميرة وايلي”، جون تحاول الهرب بعائلتها الصغيرة ولكنها تفشل فتسمع صوت الرصاصات وهي تضرب زوجها، وتؤخذ منها طفلتها، بينما تنقل هي لمركز تأهيل الجواري تمهيدًا لتوزيعها على منزل أحد القادة.

فما لا تعرفه عن هذا العالم هو أنّ السيدات ذوات الخصوبة عملة شديدة الندرة، فمع ارتفاع درجة التلوث في البيئة، أصبحت أغلبية السيدات عقيمات، بل إنّ بعض من حملن أطفال عانين من الإجهاض المتكرر أو من موت الجنين، فهناك بلاد كاملة لم يولد بها طفل منذ 6 أعوام. لذا، أن تكون الواحدة أنثى خصبة وقد رزقت بطفل حي سليم الصحة فهي معجزة حقيقة، وسلعة مرغوبة للجميع.

وهكذا بمجرد القبض على جون بدأت تكتشف حقيقة وضعها في المجتمع الجديد، فوظيفتها أن يتم تلقيحها من قبل سيدها لتحمل طفله، وعندما يولد الطفل عليها أن تنتقل لمنزل سيد جديد وثالث ورابع، طوال فترة الخصوبة في حياتها عليها أن تنتقل من بيت سيد لآخر تحمل في كل مرة اسم جديد ينسب لسيدها الجديد، وتحمل كذلك طفله الذي سيستولي عليه هو وزوجته بمجرد ولادته.

وفي أيام معدودة وجدت جون نفسها قد وسمت بعلامة الإماء في أذنها لتذهب لمنزل القائد “فريد”، وتقابل “سيرينا” زوجته والتي تلعب دورها “إيفون ستراهوفسكي”، إنّ من شاهد مسلسل ديكستر لن ينسى دورها المتألّق في دور “هانا ماكي”، ولكن هنا قامت إيفون بدور مختلف تمامًا ومعقد للغاية يضاف لها حقًا.

المراسم … الاغتصاب باسم الدين

صورة من مسلسل The Handmaid's Tale

إذا كانت فكرة الجواري مرعبة وفكرة عودتهم في هذا العصر ذاتها مريعة، وفكرة أن تختطف المرأة لتكون جارية لدى رجل آخر ليتعامل معها كزوج وينتظر منها أن تنجب له أطفال قاتلة، فإنّ فكرة أن يتم كل هذا في حجر زوجته، فهي فكرة أكثر رعبًا وتثير الاشمئزاز لما تنفيه من الفطرة.

فقد تم تفسير آيات سفر التكوين في جلعاد حرفيًا (فَلَمَّا رَأَتْ رَاحِيلُ أَنَّهَا لَمْ تَلِدْ لِيَعْقُوبَ، غَارَتْ رَاحِيلُ مِنْ أُخْتِهَا، وَقَالَتْ لِيَعْقُوبَ: “هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلاَّ فَأَنَا أَمُوتُ!”، فَقَالَتْ: “هُوَذَا جَارِيَتِي بِلْهَةُ، ادْخُلْ عَلَيْهَا فَتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَأُرْزَقُ أَنَا أَيْضًا مِنْهَا بَنِينَ”، فَأَعْطَتْهُ بِلْهَةَ جَارِيَتَهَا زَوْجَةً، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَعْقُوب فحَبِلَتْ بِلْهَةُ وَوَلَدَتْ لِيَعْقُوبَ ابْنًا).

وهكذا فإنّ الزوجة تقوم بوضع الجارية بين ركبتيها ليقوم الزوج بالعلاقة الزوجية بشكل آلي بدون أي مشاعر وبغرض التلقيح فقط، بل لا يسمح له بلمس الجارية مطلقًا، في علاقة مقززة ومريعة بين زوجة مجبرة على مشاهدة زوجها في علاقة مع أخرى، وبين جارية يتم اغتصابها باسم الدين علنًا، وبين رجل مطالب أن يقوم بعلاقة بلا أي درجة مشاعر أو تأثر وكأنّه شخص “آلي” كل هذا علنًا في ليلة يطلق عليها ليلة المراسم؛ لإضفاء جو من الورع والتدين على عملية اغتصاب من أجل الحصول على طفل وسرقته من والدته لصالح آخرين.

وستجد نفسك تتساءَل لما لا يتم مثلًا تزويج الفتيات الخصبات ليحملن ويلدن بشكل طبيعي؟؟ لماذا يكن فقط جواري لقادة دولة جلعاد الوليدة، وأطفالهن أطفال للقادة وزوجاتهم، إذن الهدف ليس فقط حفظ العالم بتوليد الأطفال، بل هو حفظ طبقة محددة فقط من العالم.

أدوار معقدة ومتألّقة وقصة تحتاج إلى نظرة

صورة من مسلسل The Handmaid's Tale

ستشعر طوال المسلسل بشيء من عدم الراحة، فمقابل الشخصيات المرسومة بإحكام، فجون التي تضطر لمجاراة ما يحدث لها وتتعلم كيف تحني رأسها، وكيف تكسر عينها وتنظر للأرض لا في عين سيدها، سترى مشاعرها حقًا عبر وجهها دون أن تنطق، و “موس” قد أدت الدور بحرفية، فتبدل مشاعرها على صفحة وجهها وفي لمعة عينيها، استجماعها لطاقتها لتتبسم في وجه سيدها خوفًا أو تلاعبًا به، انهيارها في مشهد النهاية مع زوجة القائد سيرينا – والذي لن أحكي تفاصيله منعًا لحرق الأحداث – بل صفحة وجهها أثناء الاعتداء عليها باسم الدين لكي تحمل في طفل القائد كلها لقطات تمت بحرفية، لا يقل عنها أداء أيًا من الأبطال فسواءً “فريد” في دور القائد الانتهازي المستغل للدين في مصالحه، بينما هو أول من يكسر القواعد التي يعاقب عليها الآخرين، و “سرينا” الزوجة شبه المخبولة التي وضعت مع زوجها وجماعته قواعد عالم هي ذاتها كانت أول ضحاياه، والتي تغير على زوجها وفي نفس الوقت تتواجد كي تحمل جاريتها منه، حتى سائق السيارة نيك والذي سيتحول لعشيق “جون” وأداءَه المذهل لدوره المعقد، فهو سائق للقائد وفي نفس الوقت جاسوس من قبل القيادة عليه، وفي ذات اللحظة هو عشيق ومحب لجاريته، بل إنّ أداء الخادمة بين درجات القسوة واللامبالاة والإشفاق مذهل حقًا.

أعدك بأنّك ستشاهد ملحمة أداء حقيقية، ومشاعر مميزة، بل وسيناريو عظيم، فلم يعد هناك صباح الخير ولا أهلًا ولا مرحبًا ولا أي من المصطلحات الطبيعية، لتتحول الحوارات لعبارات “ليفتح الرب لنا” و “نحمده” و “لتبارك الثمرة” وهكذا من التعبيرات الدينية، بجانب الحوارات الداخلية لجون، وحواراتها مع مويرا أو جانين من صديقاتها الجواري … السيناريو والحوار عامةً سينقل لك العالم من حولك بالفعل.

ولكن لا شيء كامل فهناك مشكلة حقيقة في القصة، كما قلت هناك دائمًا ما يقلقك هناك معلومات ناقصة، فمن خلال الفلاش باك ستعرف عن كيف تحولت أمريكا لجلعاد، ولكنك لن تعرف في الحقيقة، لا أنت تعرف هل تحولت بأكملها هل تحولت جزئيًا؟ ترى بداية التحول ولكن لا ترى أي لمحات للحرب التي يتحدثون عنها، لماذا أجزاء كاملة من أمريكا مهجورة وكأنّه مسلسل لما بعد المحرقة، كيف أصبح جزء من كندا يمثل أمريكا الوسطى، بل كيف تغبلت حفنة من المهاويس الدينين بثلاثة تفجيرات إرهابية فقط على الحكومة والجيش الأمريكي ليسيطروا على البلاد بهذا الشكل؟ متى وضعت كل هذه التفاصيل لهذا النوع من الحياة؟ كل هذا لن تجد إجابته وعليك تقبل فكرة أنّ هذا هو العالم الآن وستلعب بقواعده.

بل إنّك ستتساءَل هل هذا العالم لا يحوي سوى الجواري وزوجات القادة والخادمات؟؟ أين المواطنين العاديين؟ أين الفتيات قبل سن الزواج؟ هل هناك أسر طبيعية كل ذلك أيضًا لن تجد له إجابة، بل إنّ بعض أجزاء الحبكة في القصة ككيفية معرفة السفير المكسيكي لجون، والتعرف عليها لن تجد لها تفسيرًا مقنعًا، فهو بالتأكيد لم يحفظ كافة السيدات المخطوفات.

ولكن إن استطعت أن تتجاهل هذا الأمر، وتقنع نفسك أنّ هذه الأمور سيجاب عليها في الجزء القادم ستحظى بمسلسل ممتع.

ففي النهاية لا يمكن تجاهل مسحة الكآبه والدراما التي ستشعر بها طوال المسلسل في الموسيقى التصويرية المميزة، وفي التصوير الذي يتعمد دائمًا إدخال الإضاءة من خلف الستائر لتبقى الحياة ذات مسحة معتمة حتى لو كانت في إضاءة شديدة، وفي الديكورات التغريبية والتي تنتمي لتقاليد وعصور انتهت … المسلسل قطعة فنية يجب ألّا تفوتها.

المسلسل عرض الموسم الأول منه … من 10 حلقات، وتم تجديده لموسم ثاني بالفعل سيعرض في 2018.

1

شاركنا رأيك حول "مسلسل The Handmaid’s Tale حكاية جارية في أمريكا عندما تحكمها داعش"