فيلم Molly’s Game … ما الدنيا إلّا “رهان” كبير!

بوستر فيلم Molly's Game
0

تقييم الفيلم:

كان فيلم Molly’s Game أحد الأفلام الحاضرة بشكل ملفت في موسم الجوائز السينمائية لعام 2017، كما أنّه أحد الأفلام المتنافسة على جائزة الأوسكار من فئة أفضل سيناريو مقتبس.

ينتمي الفيلم إلى فئة أفلام الدراما والسيرة الذاتية، وأحداثه مقتبسة عن مذكرات مولي بلوم وأخرجه وكتب له السيناريو آرون سوركين، والفيلم من بطولة جيسيكا تشاستن، إدريس إلبا، كيفين كوستنر، مايكل سيرا.

فيلم The Shape of Water يقود ترشيحات الأوسكار بدورتها الـ90 بـ13 جائزة

قصة الفيلم :

صورة فيلم Molly's Game

أحداث فيلم Molly’s Game مقتبسة عن كتاب السيرة الذاتية الذي يحمل نفس العنوان، ويروي مسيرة “مولي بلوم” لاعبة التزلج الحر التي كانت على بعد خطوة من المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية، إلّا أنّها تعرضت لإصابة حالت دون تحقيق هذا الحلم وأدت إلى حدوث انحراف حاد في مسيرتها الحياتية لينتهي بها المطاف مديرة لأحد أوكار ممارسة لعبة البوكر التي يقصدها أبرز نجوم المجتمع، لكن تنقلب الأوضاع فجأةً ويتم تجميد أرصدتها المصرفية وتجد نفسها مُطالبةً بالمثول أمام المحكمة الأمريكية، وبينما تعتقد أنّ الأمر برمته يتعلق بإدارة لعبة البوكر بشكل غير مشروع تكتشف وجود العديد من الأسرار في انتظارها، وأنّ الأمر أكثر تعقيدًا وخطورةً من كل تصوراتها!

Molly’s Game ... قصتين لبطلة واحدة!

مشهد من فيلم Molly's Game

لحظة القبض على “مولي بلوم” لم تكن نقطةً حاسمةً في حياتها بقدر ما كانت نقطةً فاصلةً في مسيرتها، وهذا ما اعتمد عليه سيناريو الفيلم الذي كتبه المبدع آرون سوركين، حيث اتخذ من تلك الواقعة ركيزةً له وجعل منها نهايةً لقصة وبدايةً لأخرى، واضعًا الجمهور منذ المشاهد الأولى أمام سؤالين: كيف وصلت مولي لتلك النقطة؟ وما المصير الذي ستلاقيه بعدها؟

سار سيناريو فيلم Molly’s Game من بدايته لنهايته في خطين متوازيين يستعرض قصتين منفصلتين ظاهريًا، وكل منهما تُكمل الأخرى جوهريًا. القصة الأولى تجيب على سؤال “كيف” وتروي قصة مولي منذ طفولتها على لسانها من خلال قراءة فقرات من كتاب مذكراتها المنشور والذي لا يمكن افتراض دقته بنسبة 100%، بينما القصة الثانية تجيب على سؤال “ما” من خلال تتبع رحلة نضال مولي ومحاميها أمام المحكمة للحصول على حُكم مخفف أو توقيع أفضل صفقة ممكنة.

صور فيلم Molly's Game

نجح سيناريو Molly’s Game ببراعة في إحداث التوازن بين القصتين، فلم تطغَ أي منهما على الأخرى ونالت كلتاهما مساحة العرض التي تستحقها على الشاشة، حافظ ذلك على سير الأحداث بوتيرة ثابتة مشوقة وغير مربكة، وكانت النتيجة تقديم نص سينمائي متماسك شبه خالٍ من الفجوات، حيث أنّ كل فعل أو تحول في المواقف أو الرؤى كان له ما يبرره من دوافع وما يدعمه من أسباب.

اتبع السيناريو في القصتين المنفصلتين المتصلتين ذات الأسلوب التصاعدي الأشبه بكرة الثلج، ينطلق من حدث صغير ومن ثم يتضخم شيئًا فشيئًا، الشق المختص بالماضي بدأ من تعرض مولي للإصابة والتي أدت لانحراف تام في مسيرتها، والشق الذي يدور بالحاضر بدأ بإلقاء القبض عليها وإخضاعها للتحقيق، وكلتا الحادثتين رغم فداحتهما بديتا صغيرتين مقارنةً بما ترتب عليهما من نتائج وتغيرات ومفاجآت تم الكشف عنها بشكل تدريجي حافظ على تشويق العمل ككل، ونجح في عدم تشتيت المشاهد وجذب انتباه وتركيزه من البداية للنهاية.

الممثلون وشخصياتهم

صورة فيلم Molly's Game

كانت شخصية مولي بلوم – بطبيعة الحال – هي محور أحداث الفيلم من بدايته إلى نهايته، وأدى ذلك إلى انفراد بطلة الفيلم المطلقة جيسيكا تشاستن بالشاشة بأغلب فصول الفيلم، بينما كانت الشخصيات المساندة الأكثر تأثيرًا بالأحداث تظهر وتختفي على فترات متباعدة نسبيًا، بينما الشخصيات المساندة الأقل تأثيرًا كانت ترتبط بمرحلة محددة من مراحل حياة مولي بلوم، وبالتالي كانت تختفي بصورة تامة فور انقضاء تلك المرحلة والانتقال للمرحلة التالية، والتي سوف تلتقي خلالها بشخصيات جديدة.

يُحسب للفيلم أنّه لم يُهمل الشخصيات المساندة رغم قلة ظهورها، ولم يتعامل معهم باعتبارها استيفاءً للشكل أو ضرورةً فرضتها الأحداث فحسب، بل اهتم الفيلم اهتمامًا بالغًا بإبراز الجانب النفسي للشخصيات، وخلق أبعادًا متعددةً لهم أبعدتهم عن الظهور في صورة نمطية متكررة، وضاعفت من درجة تفاعل المشاهد معهم.

جيسيكا تشاستن \ مولي بلوم

صورة جيسيكا تشاستن

تألّقت جيسيكا تشاستن خلال السنوات الأخيرة بالعديد من الأعمال السينمائية الناجحة مثل: Zero Dark Thirty ،Interstellar ،Miss Sloane وغيرهم، مما يعني أنّها تجاوزت مرحلة إثبات الموهبة والجدارة بتجسيد الشخصيات الرئيسية، لكن في ذات الوقت نجحت من خلال فيلم Molly’s Game في إبراز جانب مختلف من موهبتها، حيث قدمت من خلاله شخصيةً جديدةً وغريبةً عليها وغير معتادة منها، وتختلف بصورة كبيرة عن كل ما سبق له تقديمه، وهذا من حيث طبيعة الشخصية نفسها، وكذلك من حيث مستوى تعقيدها.

جسدت جيسيكا تشاستن شخصية مولي بلوم، تلك الفتاة الثلاثينية التي لم تشهد حياتها مجرد تحولات بل شهدت انقلابات كاملة وأدى هذا إلى إحداث تغيرات كبيرة بها لم تكن هي نفسها تتوقعها، إلّا أنّها تمكنت في كل مرة من التأقلم مع هذا التغيير، لكن رغم ذلك ظلت نفس الشخص واحتفظت في داخلها بجزء من مولي بولم الحقيقية الطموحة المثابرة المستقيمة، حتى أنّها وضعت قانونًا لخرق القانون وكانت طيلة الوقت تمارس عملها غير المشروع داخل إطار محدد فرضته على نفسها بدافع أخلاقي أكثر من دافع الحذر من العواقب، كما كانت طيلة الوقت متأثرةً بصورة كبيرة بما مرت به من أحداث في طفولتها، وخاصةً علاقتها الفاترة والمتوترة بوالدها.

السؤال: هل نجحت جيسيكا تشاستن في التعبير عن هذا الكم من التعقيد؟ … الإجابة المؤكدة أنّها نجحت في ذلك ببراعة والأهم ببساطة وتلقائية، دون أن تنجرف إلى المبالغة في أي من المراحل التي مرت بها الشخصية التي لم تكن طامعةً ونهمةً للمال لدرجة تبلد الإحساس، ولم تكن ملتزمةً تمامًا بصورة تتنافى مع طبيعة المهنة التي اختارتها، حتى النهاية لم تبدُ في أي لحظة نادمةً بصورة كبيرة عما فعلته أو مرت به، ظلت على الدوام مجرد إنسانة تدعى “مولي بلوم” بكل ما تحمله من تناقضات.

إدريس إلبا \ تشارلي جافي

صورة إدريس إلبا

شارك إدريس إلبا في بطولة ثلاثة أفلام خلال عام 2017 – بخلاف مشاركته في Thor: Ragnarok – هم The Mountain Between Us و The Dark Tower وأخيرًا Molly’s Game، ولولا هذا الأخير كان من الممكن اعتبار عام 2017 الأكثر إخفاقًا في مسيرة إلبا، ليس لأنّه قدم أداءً سيئًا بالفيلمين الآخرين إنما لأنّهما لم يكونا بالقوة المطلوبة.

قدم إدريس إلبا من خلال الفيلم شخصية “تشارلي جافي” المحامي الذي يتولى على مضض مهمة تمثيل مولي بلوم أمام المحاكم الأمريكية. مدة ظهور إدريس إلبا على الشاشة هنا ربما تكون الأقل بين الأفلام المذكورة لكنه قدم من خلاله أفضل أدواره لهذا العام؛ ذلك لأنّ الشخصية مكتوبة بصورة جيدة ومرتبطة بعمل سينمائي مستواه الفني ككل أفضل من مستوى العملين المذكورين.

ملامح شخصية إدريس إلبا وماضيه لم يُسلَّط الضوء عليهم بشكل مباشر، وتم التعبير عنهم من خلال جُمله الحوارية ومواقفه المختلفة التي أظهرت جانبًا من مبادئه وسماته الشخصية وتوجهاته الفكرية، واستطاع إلبا عكس كل ذلك على أدائه الذي يمكن وصفه بالسلس والمُتزن. كذلك، استطاع من خلال مشاهده القليلة نسبيًا إظهار مراحل تطور علاقته بمولي بلوم، ونظرته له ابتداءً من مجرد فضول وصولًا إلى الإيمان التام بقضيتها.

فيلم The Mountain Between Us … تجربة جيدة أفسدها الاستسهال و الكليشيهات المعتادة

كيفين كوستنر \ لاري بلوم

صورة كيفين كوستنر

يتلخص دور كيفين كوستنر – على عكس المتوقع – في عدد محدود جدًا من المشاهد، جَسد من خلالهم شخصية لاري بلوم – والد مولي – وأحد أكثر الأشخاص تأثيرًا في حياتها سلبًا وإيجابًا.

قدم كوستنر أداءً رائعًا لدرجة تدفعك تلقائيًا لتمني لو كانت مساحة دوره أكبر مما كانت عليه. يكفي القول أنّ المشهد الأطول بالنسبة له هو الأفضل بالنسبة للفيلم، وكان له تأثير كبير على حسم الحدث الأهم قرب النهاية، وكان حوار الفيلم أحد العوامل المباشرة التي ساهمت في إبراز ملامح شخصية الأب قليلة الظهور، وبالتالي ساعد كوستنر على تقديم هذا الأداء الراقي.

سلبيات فيلم Molly’s Game

صورة فيلم Molly's Game

شاب فيلم Molly’s Game بعض السلبيات، صحيح أنّها لم تبلغ الحد الذي ينتقص من قدره لكن هذا لا ينفي وجودها، منها اختلاف إيقاع الفيلم خلال الفصل الثاني وتباطؤ الأحداث نسبيًا بهذه المرحلة مقارنةً بالفصلين الأول والأخير، كما أنّ في بعض الأحيان كان يتم الانتقال بين الزمنين الماضي والحاضر بصورة حادة ومباغتة حد الإزعاج، تُشعر المشاهد بأنّ المشهد السابق قد تم اقتطاعه، ويدخل فجأةً صوت Voice Over لمولي بلوم تروي ماضيها.

العيب الأكبر في فيلم Molly’s Game هو الاستفاضة في شرح آليات لعبة البوكر وقوانينها وكيفية إحراز الفوز، وهو الأمر الذي يصعب استيعابه بالنسبة لغير المُتمرس باللعبة، ويبدو أنّ الفيلم انتبه لتلك المشكلة، ولذلك قرر دعم شرح “مولي بلوم” الصوتي بعرض شرائح فيديو توضح أوراق اللعب ومدى قوة كل منها على الطاولة … إلخ، إلّا أنّ ذلك في النهاية لم يُحسن الوضع ولم يكن مفيدًا في شيء بالنسبة للمشاهد، الذي لم يكن يهمه سوى معرفة النتيجة وليس كيفية حدوثها، خاصةً أنّ الأمر تكرر بأكثر من مشهد.

مخرج للمرة الأولى

صورة فيلم Molly's Game

أثبت آرون سوركين قبل فترة طويلة أنّه كاتب سيناريو بالغ التميز، وذلك من خلال أفلام عديدة من بينها A Few Good Men ،The West Wing ،The Social Network ،Moneyball ،Steve Jobs. لكن من خلال فيلم Molly’s Game يثبت سوركين أنّ حجم إبداعه كمخرج لا يقل بنسبة كبيرة عن حجم إبداعه ككاتب سيناريو.

استطاع آرون سوركين من خلال تجربته الأولى في عالم الإخراج أن يقدم عملًا سينمائيًا متماسكًا ومميزًا في أغلب فصوله، كما كان أثره واضحًا بمستوى الأداء الذي قدمه الممثلون كلٍ بدوره، بما في ذلك الشخصيات التي لم تحظَ بمساحات زمنية كبيرة على الشاشة وفي مقدمتهم كيفين كوستنر في دور “الأب”، وكذا مايكل سيرا في دور “اللاعب X” – الذي رجح الكثيرون أنّه يشير إلى النجم توبي ماجواير الذي ربطته علاقة قوية بمولي بفترة من حياتها – وبشكل عام كان تفاعل مختلف الممثلين مع بعضهم البعض في أفضل حالاته، وبالفضل في ذلك بالتأكيد يرجع لمخرج العمل.

كالعادة لم يكتفِ سوركين بتقديم قصته – ولو كانت حقيقيةً – دون استغلالها في إبلاغ رسائل ضمنية بين السطور، ولم يكن هدف الفيلم استعراض مسيرة مولي بلوم مع رهانات البوكر بقدر ما كان هدفه استعراض رهانات الحياة التي يقوم بها كل البشر يوميًا من خلال اختياراتهم ومدى تأثير ذلك على حاضرهم ومستقبلهم، وقد أكسب هذا الفيلم عمقًا زائدًا دون أن ينحرف به من طريق المتعة إلى طريق الوعظ.

بين Molly’s Game و I, Tonya

فيلم Molly's Game - فيلم I, Tonya

كان صُنّاع فيلمي Molly’s Game و I, Tonya محظوظين بأن تُطرح أعمالهم في ذات العام، وذلك لنفي احتمالية تأثر أي منهما بالآخر، خاصةً مع تعدد مواطن التشابه بين كلاهما، فالعملين يستندان إلى قصة حقيقية لإحدى بطلات الرياضة – والاثنتين مارستا أحد أشكال رياضة التزلج – وكلتا اللاعبتين تحطم حلمهما بالمشاركة في دورة الألعاب الأوليمبية وكان لهذا بالغ الأثر على مسيرتهم وانتهى بهم المطاف أمام منصّات القضاء، بل والأكثر من ذلك أنّ مولي وتونيا قد عانتا في طفولتهما من سطوة الآباء!

على الجانب الفني سوف نجد أنّ الفيلمين قد اختارا التركيز على الجانب الإنساني – وليس الملائكي – للشخصيتين اللاتي تمت شيطنتهما إعلاميًا، وذلك من خلال تسليط الضوء على حياتهما الشخصية والدوافع والأسباب التي قادتهما لهذا المصير، كما أنّ الفيلمين اعتمدا على أسلوب سرد غير نمطي.

هذا كله يجعل المقارنة بينهما فرضًا، ويضعنا أمام سؤال واحد: هل هناك تشابه “حقيقي” بين فيلم Molly’s Game وفيلم I, Tonya؟ … الإجابة – قولًا واحدًا – هي “لا”، قد يتذكر المشاهد لأي من العملين الفيلم الآخر لكنه لن يشعر في أي مرحلة أنّه يتابع فيلمًا مكررًا أو معادًا، وذلك يرجع إلى اهتمام كل من المخرجين آرون سوركين وكريج جيليسبي بالتركيز على أدق تفاصيل شخصيتهما، والأجواء المحيطة بهما وهو ما أدى إلى إبراز الاختلافات الجوهرية بينهما التي انعكست على كافة عناصر الفيلم، وجعلت لكل فيلم منهما رونقه الخاص وطبيعته المستقلة. أمّا السؤال الأصعب على الإطلاق هو أيهما أفضل؟، والحقيقة أنّ الفيلمين خرجا شبه متساوين في حجم التميز والإخفاق وإن اختلفت مظاهر هذا وذاك، لكن إن أردنا إجابةً واحدةً دقيقةً ومحددةً سنجد أنّ I, Tonya تفوق في جوانب أكثر، وإن كان هذا بفارق بسيط.

فيلم I, Tonya … رحلة البحث عن حقيقة “الحقيقة”!!

صورة فيلم Molly's Game

في الختام يمكن القول بأنّ فيلم Molly’s Game يُشكل تجربةً سينمائيةً مميزةً بما لها وما عليها، ويمثل إضافةً لكل من شارك به وفي مقدمتهم مؤلفه ومخرجه آرون سوركين الذي اكتشفناه كمخرج للمرة الأولى من خلاله، والصورة النهائية التي خرج الفيلم عليها تُنبِئ بأنّها لن تكون التجربة الأخيرة. Molly’s Game بكل تأكيد فيلم جيد يستحق المشاهدة وجدير بالترشح لجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو مقتبس.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Molly’s Game … ما الدنيا إلّا “رهان” كبير!"