دراسات سينمائية: الأداء التمثيلي

الأداء التمثيلي
1

عندما تشاهد عملًا ما في شاشة السينما أو على خشبة المسرح أو في التلفزيون أو حتى تستمع إليه في الإذاعة، فإنّك ستنجذب في البداية إلى الأداء التمثيلي للنجوم، مع متابعة العمل يمكنك أن تستكشف براعة الإخراج وإتقان الحوار، وجودة المونتاج وباقي تفاصيل وأركان العمل، ولكن دائمًا ما يكون أول ما يقتحم عين المشاهد هو الممثل والأداء.

فالممثل هو من يمكنه أن يوصل لك روح الدور ويجعلك تشعر بجودة تعليمات الإخراج، وهو من يجعلك ترى الحوار حقيقيًا وتستكشف جودة الكاتب، هو من يجعلك تضع يدك فوق جودة أو إخفاق ملموسين يمكنك ببساطة اكتشافهم حتى إن لم تكن متخصص في الفن، وتقيم الأمور من منظور عين المشاهد.

لذا، اليوم سنستكشف سويًا دهاليز الأداء السينمائي على وجه الخصوص، لنعرف أنواعه ومدارسة المختلفة التي يبرع بها كل ممثل. لذا، دعونا نغوص سويًا في شاشة السينما لنعرف عن قرب كشف الصنعة، وتفاصيل الأداء التمثيلي.

ما هو التمثيل؟

أنطوني هوبكنز الأداء التمثيلي

قد يبدو السؤال سهلًا والإجابة أسهل، ولكن الحقيقة أنّ إجابة هذا السؤال تنوعت كثيرًا، فهناك التعريف العام الذي وصف فن الأداء بأنّه “عملية تقمص للشخصيات الدرامية والعمل على محاكاتها، وتجسيد ملامحها وصفاتها وإظهار السيناريو المكتوب متلبسًا في الشخصيات”.

وهناك تعريفات متخصصة مثل تعريف أرسطو، والذي يعتبر من أول التعريفات التي حاولت وصف فن الأداء بأنّه “فن تقليد الطبيعة، حيث فن التمثيل ما هو إلّا تقليد للصور والأحداث والحالات المختارة من الحياة نفسها توضع مجسدةً على المسرح من قبل الممثلين، وما يحيط بهم من مناظر وملابس وأدوات”.

وهكذا فإنّ أيًا كان اختلاف صيغة التعريف، فقد اتفقوا جميعًا على فكرة التقمص، أن يتلبس الممثل شخصيةً مختلفةً عن شخصيته، ويعيشها بشكل يقنع المشاهد أنّ ما يحدث أمامه حقيقيًا، وهكذا فلا يستطيع الممثل أن يقول أنّه قد نجح في أداء دورة، إلّا إذا استطاع إيصال رؤية الكتاب التي أرادها ورسمها للشخصية على الورق، ليتلقاها المشاهد مستعينًا في هذا بكافة أدواته، بصوته ونبرته وارتفاعه، بملامح وجهه، بحركة جسده، وحتى في بعض المدارس التمثيلية بالانطباع النفسي الذي يتركه لدى المشاهد.

لذا، فالتمثيل هو أن يستطيع الممثل أن يقنعك بواسطة أدائِه الجيد أنّه غير الحقيقي هو حقيقي تمامًا، وممكن كذلك.

تاريخ التمثيل “الأداء”

هيث ليدجر الأداء التمثيلي فيلم باتمان

بدأ فن الأداء أو التمثيل من عصور قديمة قبل الميلاد، فمنذ العصر الإغريقي ويعرف فن الأداء، حيث يقوم الكاتب بكتابة العمل، ثم يقف في الساحات ليلقيه على المستمعين من حوله كإلقاء الشعر، فهو المؤلف والمخرج والممثل لكافة الأدوار في روايته الذكورية منها والنسائية.

ثم تطور الأمر في العصر اليوناني، وأصبح الكاتب يكتب النص ثم تؤديه الجوقة، والتي تتكون من رجال ونساء يتبادلون الإلقاء، ثم مع ظهور ثسبس theszpisz والذي اعتبر أول ممثل في التاريخ عام 500 ق.م، وقد لقب في المراجع بعد ذلك بأنّه أبو الدراما اليونانية؛ لأنّه قرر أن ينفصل عن الجوقة ويمثل الدور الرئيسي بينما تردد الجوقة، فأصبح على يديه هناك مسرحيات يؤديها ممثل واحد ليستمر التطور، فأضاف اسخيلوس ممثل ثاني، وأصبح العمل الفني يتكون من اثنين من الممثلين بالإضافة للجوقة، ثم جاء سوفوكليس ليضيف ممثل ثالث ليتحول العمل الفني لحدث درامي، ولتقل أهمية الجوقة يومًا بعد يوم.

ومع بدأ العصور الوسطى أصبح فن التمثيل مقصورًا على الكنائس لأداء القصص الدينية، أو تمثيل الكتابات الأخلاقية لبث العبر وتقريب المشاهدين من الأخلاق الحميدة، مع منع الإناث من التمثيل في المسرحيات المختلفة.

وفي العصر الإليزابيثي أنشأت المسارح، وبدأت تتنوع القصص وظهر مسرح شكسبير، وإن كان مازال المسرح مقتصرًا على الرجال، وكان الرجال المتنكرون يقومون بأدوار السيدات، وفي عام 1642م شهد التمثيل نقلةً أُخرى بظهور أول ممثلة مارغريت هيوز، والتي مثلت أول دور نسائي تمثله امرأة بالفعل، لينتقل الأداء إلى منطقة أُخرى أكثر واقعيةً.

مدارس وتقنيات الأداء التمثيلي

الآن ريكمان الأداء التمثيلي

تم تقسيم التقنيات المتبعة في التمثيل لعدة مدارس شهيرة تبدأ مع العصر الحديث، حيث أصبح التمثيل علمًا والأداء فنًا يشار له، ولو أردنا معرفة مدارس الأداء على وجه التحديد سنضل طريقنا، فكل كتاب وكل ناقد وكل معهد ومدرسة تدرس الفن لها تقسيم يختلف بعض الشيء عن الأُخرى، فبينما اتفقوا جميعًا على الأساسيات، إلّا أنّ البعض يعتبر حقب كاملة مدرسة واحدة، بينما يقوم آخرون بتقسيم كل تطور في أي حقبة بمدرسة منفصلة، بل إنّ البعض اكتفى بتقسيم الأداء لمدرستين الأولى القديمة، والثانية الحديثة التي بدأت مع أفكار قنسطنطين ستانيسلافسكي Constantin Stanislavski، واعتبار كل ما بعدها هو بناء على مبادئ ستانيسلافسكي، وليست تكنيكات منفصلة.

ولكننا اليوم سنعتمد على التقسيمات الأكثر شيوعًا، والتي ميزت مدارس الأداء بناءً على الإضافات الهامة، التي أضيفت للأداء في كل مدرسة عن سابقتها.

– الأداء التقليدي “المدرسة القديمة”

فيفان لي وكلارك جيبل فيلم ذهب مع الريح

بدأت هذه المدرسة مع العصر الحديث، واعتبار التمثيل أداءً منفصلًا عن الكنيسة، ويتم في المسارح. ومتبعو هذه المدرسة يميلون للمبالغة في إظهار الحدث، فالحزن يعني إظهار تكشيرة واضحة على الوجه، والغضب يعني حركات عصبية مبالغة وصوت جهوري، والضيق يعني بكاء بصوت مرتفع بينما الفرحة تقدم كقهقهات مفتعلة، رواد هذه المدرسة يمثلون الحدث كما هو يعتمدون في إيصاله على تمثيله بالصوت والحركة. لذا، فقد اعتمدت المدرسة على الحركة المبالغ بها والصوت الجهوري والإلقاء الرنان، وقد ذكر الممثل الفرنسي “كوكلان الأكبر” أنّه على الممثل عزل عواطفه تمامًا عن أدائِه، وترك صوته وحركة جسده يصفون الحدث للنظارة، وقد تطور الأمر في السينما لشكل أقل مبالغة، وإن اعتمد على ذات المبدأ حيث الأفلام القديمة لففيان لي واليزابيث تايلور، ومن أمثلة الأفلام التي تلقي الضوء على هذه الطريقة التمثيلية ذهب مع الريح Gone with the Wind.

شاهد جزء من فيلم ذهب مع الريح

 

– المدرسة الكلاسيكية قنسطنطين ستانيسلافسكي

عمر الشريف لورانس العرب

بدأت المدرسة الكلاسيكية في الأداء على يد الروسي قنسطنطين ستانيسلافسكي Constantin Stanislavski، إلّا أنّه سرعان ما طورها وخرج بمدرسة تفصيلية سميت باسمه، ولكن المبادئ الأولى التي وضعها سار عليها العديد من المهتمين بفن الأداء أهمهم الفرنسي، ميشيل سانت دينس Michel Saint-Denis، والعديد والعديد من السينمائيين من بعده، ويعتبر ستانيسلافسكي الأب الروحي لمدارس الأداء الحديثة، حيث قام كل من أتى بعده بالانطلاق من أفكاره والبناء عليها، فقد دعا ستانيسلافسكي في كتابه “إعداد الممثل” إلى الانتباه للمشاعر والعاطفة، وإضافتها للأداء، وأنّ الأداء يجب أن يكون أكثر واقعيةً لا أكثر فخامةً، فيجب أن يتحدث الممثلون مثلما يتحدث البشر في الحياة الواقعية، فقد أضاف ستانيسلافسكي لتدريبات الممثلين التي يجب أن يحصلوا عليها الخيال، حيث قدرة الممثل على تخيل الشخصية التي سيؤديها، وكيف يمكنها أن تتصرف في الواقع، والارتجال في أسلوب الشخصية في التعبير عن نفسها، وكذلك تحليل السيناريو والشخصية للوصول لجوهرها والتعبير عنها.

وقد سميت هذه المبادئ بنظام ستانيسلافسكي، وإن كان حتى هذا الوقت ظلت مبادئ ستانيسلافسكي تطبق بجوار بعض لمحات من المدرسة القديمة للأداء أحيانًا، فكان من أهم الممثلين الذين اتبعوا نظام ستانيسلافسكي هو لورانس أوليفيه Laurence Olivier مثل: أداءه في أفلام عن روايات شكسبير “هاملت Hamlet” و “عطيل  Othello”، كذلك بيتر أوتول Peter O’Toole في “لورانس العرب Lawrence of Arabia”

شاهد جزء من فيلم لورانس العرب

 

– المنهج لمُؤسسه “لي ستراسبيرج”

الأب الروحي

إذا كان ستانيسلافسكي هو الأب الروحي للأداء الحديث، فإنّ لي ستراسبيرج Lee Strasberg هو من وضع أسسه التطبيقية، ومن جعله واقعًا وخطوات يمكن تنفيذها ويتم الاعتماد عليها حتى اليوم، وقد سميت تقنيته بالمنهج Method، فقد أخذ ستراسبيج نظام ستانيسلافسكي، وذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليبني عليها أفكاره، حيث أنشَأ مسرح الجماعة الذي ضم أهم ممثلين عصره.

وقد تركزت تطويرات ستراسبيرج على فكرة الذاكرة الشعورية، فكان يدرب ممثليه على امتلاك ذاكرة شعورية قوية واستحضارها عند الأداء، فيجب على الممثل أن يستحضر موقفًا وشعورًا قويًا حدث له في الواقع مقارب أو شبيه لحالة البطل، أو على الأقل قادر على بث مشاعر مشابهه لما يجب أن يظهر على الشاشة، ليقوم الممثل باستحضار هذه الذكرى وتلبث مشاعرها، ثم تطويع الأداء في المشهد المطلوب باستخدام مشاعره وانفعالاته من هذه الذكرى الواقعية، وهكذا فإنّ حضور المشاعر والعاطفة وزيادة التأكيد على نفسية الأبطال، والتعبير عنها بملامح الوجه ولغة الجسد والصوت، هو أهم ما يميز “المنهج”.

والحقيقة أنّ ليو ستراسبيرج قد ترك أثرًا لا يمحى في تاريخ السينما حتى اليوم، حيث كان المدير الأول لاستوديو الممثل الشهير، فرغم تأسيس إليا كازان للستوديو، إلّا أنّه انشغل بالمسرح عنه، وترك إدارته لستراسبيرج، ليتخرج منه العشرات من النجوم الذين اتبعوا تكنيك المنهج، منهم مارلون براندو Marlon Brando في “عربة اسمها الرغبة A Streetcar Named Desire”، وبراندو وآل باتشينو Al Pacino في “العراب The Godfather”، وروبرت دينيرو Robert De Niro، وجين هاكمان Gene Hackman، وداستن هوفمانDustin Hoffman، وميريل ستريب Meryl Streep، وجاك نيكلسون Jack Nicholson، وغيرهم الكثير.

شاهد جزء من فيلم العراب

 

– مدرسة ستيلا إدلر

سلمى حايك

كما أكدنا في البداية فكل هذه المدارس الحديثة تنطلق من مبادئ ستانيسلافسكي، وهكذا فقد قامت ستيلا إدلر Stella Adler بتأسيس مدرستها للتمثيل بالدمج بين فكرة الخيال القائمة عليها مبادئ ستانيسلافسكي، وبين الذاكرة الشعورية لستراسبيرج، ففي منهجها يمكن للممثل أن يعمل خياله لتخيل كيف كان الشخص في الواقع سيتصرف في هذا الموقف مع استدعاء مشاعر من ذاكرته تساعد الممثل على الأداء وتقمص الدور، ورغم أنّ ممثلين عظام مثل مارلون براندو قد صنفوا على اتباعهم لطريقة “المنهج”، إلّا أنّ الكثيرين يحسبونه كذلك على مدرسة “ستيلا إدلر”، ومن أهم الممثلين المتبعين لنهجها: باربرا ستيوارت Barbara Stuart، ومارتين شين Martin Sheen، وسلمى حايك  Salma Hay.

شاهد جزء من أداء سلمى حايك في فيلم Desperado

 

– مدرسة ميسنير

توم كروز

أسس مبادئ هذه المدرسة في الأداء سانفورد ميسنير Sanford Meisner، ومثل سابقيه فقد اعتمد على مبادئ ستانيسلافسكي، ولكن ميسنير دعا الممثل إلى “الخروج من رأسه” فلا يجب أن يحيك الممثل الدور والمشاعر والأفكار للشخصية التي يلعبها في رأسه ليتقمصها، بل ركز على خروج هذه المشاعر، وتفاعلها مع الممثلين. لذا، فإنّ ميسنير دعا متبعي مدرسته في الأداء لتركيز على الممثل الآخر في المشهد، أن يكونوا رد فعل، وهذا التكنيك نابع من إيمان ميسنير أنّ التمثيل فعل ينتج من التفاعل مع الآخرين ومن ردود أفعالهم على الأداء نفسه، من أهم الممثلين الذين اتبعوا نهجه ديان كيتون Diane Keaton، وكريستوفر والتز Christoph Waltz، وتوم كروز Tom Cruise.

شاهد أداء توم كروز في فيلم Top Gun

 

في النهاية فإنّ الأداء موهبة فطرية يتفوق بها البعض بشدة، ولكن ثقلها بالدراسة والمعرفة واتباع نهج ومدرسة محدد يخرج بها لآفاق أُخرى أكثر اتساعًا وإجادةً.

1

شاركنا رأيك حول "دراسات سينمائية: الأداء التمثيلي"

أضف تعليقًا