المنقذ الأبيض
0

ما زالت عبارة عبء الرجل الأبيض تُستخدم كمبرر عنصري للغزو الغربي، وكل الجرائم التي ارتكبها البيض في حق الشعوب التي لا تتوافق مع لون بشرتهم كتجارة الرقيق، والاستعمار الأوروبي، والإبادة الجماعية للشعوب الأصلية. ومن هنا انبثق مصطلح جديد وهو الذنب الأبيض- The White Guilt والذي يشير إلى شعور الأشخاص البيض بالعار والندم، عندما يدركون إرثهم المليء بالعنصرية والظلم العرقي، ومع ذلك ما نتج عن هذا الشعور بالذنب -للأسف- لم يختلف كثيرًا عن مبررات العقل الاستعماري للعرق الأبيض، وإنما تسلل إلى السينما والأدب بصورة مرت بسلام لفترة من الزمن من خلال صورة المخلص/ المنقذ الأبيض، حتى طفح الكيل!

عقدة المنقذ الأبيض

يستُخدم مفهوم عقدة المنقذ الأبيض لوصف الأشخاص ذوي البشرة البيضاء الذين ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم الأبطال الذين يذهبون إلى نجدة ذوي البشرة السمراء والسكان الأصليين والأشخاص الملونين من جميع الأعراق. لكنهم في أغلب الوقت يساعدون لأسباب خاطئة، وينتهي بهم الأمر إلى ارتكاب المزيد من الأذى أكثر من المساعدة.

يعتقد المصابون بهذه العقدة أن مسؤوليتهم هي دعم المجتمعات الملونة والارتقاء بها -في بلدهم أو في أي مكان آخر- انطلاقًا من افتراض أنهم يعرفون أفضل ما يحتاجه الأشخاص الملونين، وكونهم يفتقرون إلى الموارد وقوة الإرادة والذكاء للقيام بذلك بأنفسهم.

تصوير المنقذ الأبيض في السينما

مشهد من فيلم to kill a mockingbird

بدأ سرد المنقذ الأبيض في السينما منذ ستينات القرن الماضي ويعد أشهر مثال على ذلك هو فيلم To Kill a Mocking Bird (1962) الذي يستند إلى رواية تحمل نفس الاسم، وتدور حول المحامي الأبيض أتيكوس فينش الذي يدافع عن الشاب الأسود توم روبنسون في قضية اغتصاب فتاة بيضاء، ولا ينجح في تبرئته وفي النهاية يموت توم ويُقتل في سجنٍ عن شيء لم يفعله، ومع ذلك يُتوج الفيلم أتيكوس باعتباره البطل المغوار والمُدافع الحق الذي يقف له الناس السود احترامًا.

في السطور المقبلة سنعرض لكم عددًا من الأمثلة الأكثر حداثة حول تصوير المنقذ/ المخلص الأبيض في السينما وردود الأفعال حولها:

فيلم The Help والدعس على كفاح السود الشاق لصالح بطولة الأبيض المخملية

يستند فيلم The Help إلى رواية تحمل الاسم نفسه للكاتبة البيضاء كاثرين ستوكيت. يحكي الفيلم قصة امرأة بيضاء (سكيتر) التي تقرر أن تأخذ على عاتقها توصيل صوت عاملات المنازل السود، ومعاناتهن مع الممارسات غير الإنسانية من قبل رؤسائهم البيض بعد أن علمت بطرد والدتها للمربية السوداء التي تولت رعايتها منذ طفولتها. تساعد سكيتر اثنان من الخادمات (إيبيلين وميني) اللتان تعملان لعدد من أصدقائها من العائلات البيضاء، وسيجعلن غيرهن من الخادمات يُشاركن أيضًا بقصصهن.

يبدو الفيلم من الوهلة الأولى أنه مناصر لذوي البشرة السوداء وهو يُعتبر محاولة لإبداء ذلك بالفعل لكنها لا تكفي. حيث اعتمد الفيلم على السرد من وجهة نظر المنقذ الأبيض (وفي هذه الحالة هي الفتاة سكيتر التي تؤديها الممثلة إيما ستون) فهي البطلة الحقيقية وصاحبة القرارات وهي أيضًا الشخصية التي لديها أبعاد وتحولات، وتاريخ وقصة حب فرعية. في حين أن الخادمات منذ البداية حتى النهاية يستجيبن لأوامر البيض سواء كانوا العائلات اللاتي يعملن لديهن أو سكيتر اللاتي ألحت عليهن لمشاركة قصصهن وفي النهاية رُفدت إحداهن والثانية ظلت خادمة ولكن حصلت سكيتر على فرصة عمل جديدة وتركت البلدة، وبقين هن لمواجهة قدرهن الحتمي.

تدور أحداث الفيلم في جاكسون بولاية ميسيسيبي خلال حركة الحقوق المدنية في الستينيات، ومع ذلك أغفل الفيلم تمامًا وجود نشطاء من السود واكتفى بالمرور بسطحية على الواقع حينها، والتركيز فقط على سلبية الخادمات. قالت الناقدة السينمائية ثيودور فاكون لمجلة Insider في رسالة بالبريد الإلكتروني:

“حتى كقصة خيالية، كانت غير تاريخية من حيث سلبها السود من استقلاليتهم، في الجنوب في الستينيات من القرن الماضي، كان المجتمع الأسود نشطًا للغاية في المطالبة بالحقوق المدنية، وفي فيلم The Help قاموا بمحو ذلك للتركيز على طالبة جامعية بيضاء شجاعة.”

ندم فيولا دايفس وغضب نشطاء حركة Black Lives Matter

مشهد من فيلم the Help.

حصلت الممثلة أوكتافيا سبيسر على جائزة أوسكار أفضل ممثلة بدور ثانوي عن دورها كـ(ميني) بهذا الفيلم، كما ترشح الفيلم لجائزة أوسكار أفضل فيلم، وترشحت جيسيكا شاستين لجائزة أوسكار أفضل أفضل ممثلة بدور ثانوي، وترشحت فيولا دايفس لجائزة أوسكار أفضل ممثلة بدور رئيسي. ومع ذلك، هذا لم يمنع فيولا دايفس من التعبير عن ندمها في المشاركة بهذا الفيلم في أكثر من مناسبة:

“ليس هناك من لا يستمتع بمشاهدة فيلم The Help، لكن هناك جزء مني يشعر وكأنني خنت نفسي وشعبي، لأنني كنت في فيلم لم يكن مستعدًا لقول الحقيقة كاملة”.

“لقد شعرت أنه في نهاية اليوم لم تكن أصوات الخادمات هي التي تم سماعها. أعرف أيبيلين. أعرف ميني. إنهم جدتي. إنهم أمي. وأعرف ذلك أنه إذا كنت تقوم بعمل فيلم يستند بأكمله على توصيل شعور العمل لدى العائلات البيضاء وتربية الأطفال في عام 1963، فأنا أريد أن أسمع بالفعل كيف يشعرون حيال ذلك. لم أسمع ذلك أبدًا خلال الفيلم.”

صعد الفيلم على منصة الهجوم مرة أخرى، وقوبل بمطالبات بالتوقف عن مشاهدته في عام 2020 بعدما أصبح خامس أكثر فيلم مشاهدة على Netflix في الولايات المتحدة، في خضم قيام الاحتجاجات المناهضة للعنصرية في جميع أنحاء البلاد والمطالبة بالعدالة بعد مقتل جورج فلويد وبريونا تايلور وغيرهم من السود الذين قُتلوا على أيدي الشرطة في تلك الفترة.

وسرعان ما اتجه الكتاب والنشطاء السود إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لمناقشة الفكرة المُقلقة للغاية كون الناس يلجؤون إلى فيلم مثل The Help في أسبوع يجب أن يتجه فيه الأمريكيون البيض لتعلم كيفية النظر إلى امتيازاتهم، وأن يكونوا حلفاء أفضل للسود من خلال البحث عن مصادر حقيقية وأفلام أخرى لتثقيف أنفسهم بشأن العنصرية.

فيلم Green Book عن العنصرية صنعه البيض لأنفسهم

فيلم The Green Book مستوحى من علاقة الصداقة الحقيقية بين شخص يُدعى توني فاليلونجا، وهو سائق إيطالي أمريكي من برونكس، نيويورك، وبين الدكتور دون شيرلي، عازف البيانو الأسود العبقري. فاليلونجا يتم تعيينه لقيادة وحماية شيرلي في جولة موسيقية عبر عمق الجنوب العنصري عام 1962. ويستند اسم الفيلم من كتاب حقيقي نُشر في النصف الأول من القرن العشرين بهدف إرشاد السود إلى الأماكن والفنادق المسموح لهم بدخولها وبالتالي قضاء رحلة ممتعة.

يبدأ ذلك الفيلم المكافح للعنصرية والداعي إلى التآخي والتقبل بقيام البطل الأبيض بإلقاء كاسين استخدمهما عاملين من ذوي البشرة السوداء في سلة القمامة، وينتهي باستقبال عائلة ذلك البطل لرئيسه الدكتور الأسود على عشاء ليلة عيد الميلاد. وبين هذين المشهدين رحلة سيارة لم أعرف حقيقة من المرؤوس ومن الرئيس بين أحداثها، فالتذلل والخضوع والرغبة الشديدة في نيل احترام وإعجاب الشخص الآخر كانت من نصيب الدكتور الأسود على الرغم أنه هو الشخص المثقف، والناجح، والمُتحضر وكذلك هو المدير، وكأن هذا هو نصيب السود مهما اختلفت ظروفهم.

على مدار الفيلم نرى توني ينقذ شيرلي من العديد من المواقف الخطيرة والعنيفة، كما علمه ما معنى أن تكون “أسود” من خلال جعله يستمع إلى موسيقيين سود مشهورين ويقنعه يُجرب الفراخ المقلية، بل وصل الأمر إلى أن يقول توني عن نفسه أنه “أسود أكثر منه” لأنه يعاني من الفقر ويكافح طوال اليوم ليُجلب الغذاء لأولاده -لأن هذا بالطبع هو قدر الرجل الأسود وليس الأبيض- ومع ذلك في مشهد آخر يستشيط توني غضبًا ويلكم ضابط ما لأنه قال عنه أنه “نصف زنجي” بعد معرفته أنه إيطالي، لكن هذا فيلم مكافح للعنصرية، أليس كذلك؟

كما بدت صداقتهما مفتعلة وحتى نهاية الفيلم لم أفهم كيف تحول ذاك السائق المُنفر والجاهل، والسارق والعنصري إلى نفس هؤلاء الصفات لكن بأقل عنصرية، بدون أي مبرر درامي وإنما بدافع فقط كونه فيلمًا يجعل المشاهدين -وخاصة البيض- يشعرون بالرضا عن أنفسهم وعن إمكانية حل مشكلة كبيرة كالعنصرية التاريخية بفيلم مدته ساعتين وذي طاقم عمل أبيض بالكامل.

فيلم Hidden Figures واختلاق المنقذ الأبيض من العدم

يستند فيلم Hidden Figures إلى القصة الحقيقية لعالمات الرياضيات السود في وكالة ناسا الذين ساعدن الولايات المتحدة الأمريكية في إرسال أول رجل لها إلى الفضاء في أوائل الستينيات، وكيف لم ينلن التقدير المناسب مع صعوبة الوصول إلى وظائفهن تلك في عالم لم يكن من السهل فيه أن تعمل امرأة، والأصعب من ذلك أن تكون امرأة من أصل أفريقي. الفيلم مأخوذ عن كتاب كتبته مارجوت لي شترلي، والذي يستند إلى مقابلات مع النساء الحقيقيات اللاتي عملن بالفعل في مركز أبحاث لانغلي.

لم يوفِّ الفيلم الكتاب أو الأحداث الحقيقية حقها، ومن أكبر المشاكل التي أثارها هذا الفيلم هو اختلاق شخصية لم تكن موجودة في الواقع، وهي شخصية آل هاريسون الذي يؤديه الممثل كيفن كوستنر الذي تعمل لديه عبقرية الرياضيات كاثرين جونسون، التي لعبت دورها تراجي بي هينسون. هاريسون هنا يمثل نموذج المنقذ الأبيض الذي تعشقه هوليوود صاحب المواقف البطولية والخطابات التي تثير القشعريرة “الكاذبة”.

إحدى هذه المواقف يتمثل في عدم وجود حمامات للسيدات السود بعد نقل كاثرين إلى مبنى جديد، لذلك في كل مرة تحتاج لاستخدامه، عليها أن تركض عبر الحرم الجامعي إلى مبنى آخر به حمام “ملون” وبعد أن يكتشف رئيسها الأبيض هذا تترقرق الدموع في عينيه، ويلتقط المُخل، ثم يتوجه إلى الحمام، ويحطم لافتة دورة مياه السيدات الملونة، ويقول:

”لا مزيد من الحمامات للملونين. لا مزيد من الحمامات للبيض، هنا في وكالة ناسا، نتبول جميعًا نفس اللون”.

مشهد من فيلم Hidden Figures يظهر فيه آل هاريسون وكاثرين جونسون.

في حين أن الكتاب يذكر بوضوح شديد أن كاثرين “رفضت دخول الحمامات الملونة”، وأنه لم يحاول أحد إجبارها على القيام بذلك وأنها كانت تستخدم حمامات البيض. وحين سُئل مخرج الفيلم، ثيودور ملفي عن سبب اختياره تضمين مشهد لم يحدث أبدًا، وما إذا كان يعتقد أن تصوير كاثرين يتم إنقاذها من قبل شخصية بيضاء محببة قد قلل مما فعلته في الحياة الواقعية، قال:

 “لا أرى مشكلة في إضافة بطل أبيض إلى القصة. يجب أن يكون هناك أشخاص بيض يفعلون الشيء الصحيح، يجب أن يكون هناك أشخاص سود يفعلون الشيء الصحيح، ومن يهتم بمن يفعل الشيء الصحيح، طالما أن الشيء الصحيح قد تحقق؟”

وفي نهاية الفيلم، يتكرر الأمر مرة أخرى بمشهد هوليوودي بامتياز حين يُطلب من كاثرين التحقق من حسابات اللحظة الأخيرة التي تسمح بالإطلاق، وبالفعل تنتهي من التحقق وتُسلم الحسابات لمركز التحكم لكن لا يُسمح لها بالدخول حتى تظهر شخصية هاريسون وتُدخلها لترى صناعة التاريخ الذي ساهمت فيه وينتهي المشهد بتبادل النظرات الممتنة بين الرئيس الأبيض، والموظفة السوداء.

ومجددًا لم يحدث أي من ذلك، وبقيت كاثرين على مكتبها عندما تم الإطلاق، ولم يُسمح لها بالدخول إلى مركز التحكم، وإنما شاهدت البث على التلفزيون مثلها مثل الآخرين. ما الحاجة إذا لاختلاق مثل هذا الشيء، أهو تزييف مقصود للحقائق وإقحام للبطولة البيضاء أم رغبة في اتباع نهج ديزني في النهايات السعيدة؟

فيلم The Power of One والاستسلام للقدر حتى بزوغ المُخلّص

تدور أحداث فيلم The Power of One في جنوب إفريقيا في مرحلة الفصل العنصري القاسية. ولكنها تُقدم من خلال وجهة نظر بيضاء تتمثل في البطل بيكاي، وهو فتى إنجليزي تعرض والده للدهس حتى الموت على يد الأفيال قبل ولادته. يحظى بيكاي بطفولة متعددة الثقافات يتعلم فيها حُب شعب الزولو كأخوة. يُنقل بيكاي بعد ذلك إلى مدرسة داخلية بيضاء بالكامل، يكُره الإنجليز فيها بنفس قدر كُره الأفارقة السود ويتعرض الفتى لاضطهاد وممارسات سادية.

يُوضع بيكاي في رعاية مواطن ألماني يُدعى البروفيسور فون فولنستين (المعروف أيضًا باسم “Doc”) ، وهو صديق لجده. يطور Doc موهبة بكاي في العزف على البيانو ويصبح “مساعد بستاني” في حديقة Doc. وبعد بدء الحرب العالمية الثانية يتم وضع Doc في السجن لفشله في التسجيل لدى الحكومة الإنجليزية كأجنبي. يقوم بيكاي بزيارات متكررة لمعلمه ويلتقي هناك بسجين يُدعى جيل بيت الذي يعلمه الملاكمة. وفجأة يكتسب بيكاي سمعة أنه “صانع المطر”، ويُعامل كالمسيح الذي سيوحد البلدان المتحاربة وينقذ القبائل السوداء.

هوجم الفيلم لتقديمه جميع الأفريكانيون تقريبًا (البيض من أصل هولندي وفرنسي وألماني) باعتبارهم فاشيين وعنصريين. وإظهار كل شحص أسود بهيئة القديس المجهول والمعذب الذي يبحث عن الخلاص على يد شخص آخر. بينما القليل من الإنجليز المتبقين في جنوب إفريقيا يمثلون العقل والمنطق، لكن يفوقهم عددًا أحفاد المتعصبين البيض من الجنسيات الأخرى. وعلى الرغم من النوايا الحسنة لصناع الفيلم بمحاولة تقريب فكرة مآسي الفصل العنصري للمشاهدين البيض من خلال مراهق أبيض وسيم، بدلًا من زعيم أسود أكبر سنًا، إلا أنه كان يوجد الكثير من القادة السود الذين يستحقون تصويرهم وحكي قصصهم الحقيقية بدلًا من اختراع الأولاد البيض المثاليين الذين يهدفون لتغيير العالم.

في النهاية، لا يوجد أي ضمان حقيقي بتغيير طريقة تعامل هوليوود مع قصص الأمريكيين ذوي الأصل الأفريقي، ولكن بالتأكيد تلقي المشاهدين لهذه الأعمال اختلف كثيرًا عن قبل وظهرت بالفعل أعمال فنية تؤرخ للتجارب الأصلية لذوي البشرة السوداء بواسطة أنفسهم دون الحاجة إلى وجود “منقذ أبيض” ليخبرهم كيف يرووها.

اقرأ أيضا: مالكوم إكس أيقونة النضال لأجل حقوق السود في أمريكا، ماذا تعرف عنه؟

0

شاركنا رأيك حول "نبرة المنقذ الأبيض.. كيف حورت هوليوود تجارب الأمريكيين من أصل إفريقي؟"