فيلم البوسطجي والرسائل التي ضلّت طريقها

محمد سيد رشوان
محمد سيد رشوان

7 د

منذ اللحظة الأولى في فيلم البوسطجي وأن تدرك أنك مقبل على توتر ووضع غير مريح للبطل، شخص يأتي من العاصمة، بصخبها وأنوارها وانفتاحها، كي يعمل في قرية مملة رتيبة ناظر مكتب بريد.. الأمر أشبه بمنفى.

بعد فيلمه الأول والمميز (المستحيل – 1965) والذي ربما سيكون لي معه وقفة طويلة.. عاد حسين كمال ليثري السينما العربية بفيلمه البديع “البوسطجي”.

وردت قصة فيلم البوسطجي في مجموعة يحيى حقي القصصية “دماء وطين” وقارب عدد صفحاتها الخمسون صفحة، استطاع صبري موسى بمشاركة دنيا البابا تحويل هذه القصة الطويلة أو (النوفيلا) إلى سيناريو بديع، لم يكن ليكتب له الخلود لولا دماغ مخرج متفرّد ومتميّز لم يدخر جهدًا ولا حيلة في إخراج الفيلم بهذه الصورة المُثلى للإخراج السينمائي.

لم يرضَ حسين كمال بضيق الاستوديوهات وبناء الديكورات والذي يحرم المشاهد المتعة الكاملة وينتقص من مصداقية الفيلم ويجعل هناك حاجزًا بين المشاهد والأحداث فتجده يشاهدها بدلاً من أن يتفاعل معها.

بل ذهب إلى المكان الذي يجب أن تجري فيه الأحداث، حيث “النخيلة” القرية التي تم تصوير المشاهد الخارجية للفيلم فيها، لاسيما وأن قرية “كوم النحل” مسرح الأحداث في القصة هي قرية افتراضية بينما النخيلة التي تم ذكرها في القصة الأصلية موجودة بالفعل.


بعض التفاصيل من فيلم البوسطجي هنا، احذر!

ذو صلة
فيلم البوسطجي - مشهد

تخيّم على فيلم البوسطجي القصة الرئيسية؛ “عباس” المنتقل حديثًا من القاهرة، العاصمة الصاخبة المزدحمة أرض الحريات والسهرات والترفيه والشوارع التي لا يعرف أحد فيها الآخر.. إلى قرية “كوم النحل” بجنوب مصر (والتي سميت بذلك لأنها حسب ما ورد في قصة يحيى حقي اشتهرت بإنتاج العسل) حيث السكون والملل والتحفز والعدائية والأعين المترقبة لأي تصرف صادر من الموظف القاهري الجديد التي ترصد حركاته وتحصي أنفاسه مما يصيبه بالاختناق ويجعلك طوال الفيلم متعاطفًا مع مأساته شاعرًا طوال الوقت بالانزعاج الذي يشعر به عباس وبجحيم الحياة اليومية لعباس وسط خطابات صمّاء لا تفصح عن شيء وأهل البلد الذين يتربصون به وعامل مكتب البريد الذي ينتظر له أول خطأ كي يشي به بلا مبرر واضح لماذا يريد أن يفعل ذلك، ناهيك عن العمدة واستغلاله لـ”عباس” وتأجيره بيته له بسعر أغلى مما يستحق، ومع ذلك يضايقه ويزعجه ويريد منه إخلاءه.

داخل هذه القصة الرئيسية تدور قصة أخرى موازية بين علاقة حب تنشأ بين “جميلة” بنت أحد تجار العسل (صلاح منصور)

وبين “خليل” شقيق صديقتها حيث التقت به بينما كانت تدرس في أسيوط عاصمة المحافظة الجنوبية.

تظل القصتان، القصة الرئيسية للبوسطجي والقصة الفرعية للحب بين خليل وجميلة تسيران في توازي لا تتقاطعان إلا بعد أن يقرر عباس، فتح الخطابات بالماء المغلي للتلصص على خطابات أهل البلدة.

قد يبدو هذا الفعل لا أخلاقيًا، ولكن هذا ما يدفعك حسين كمال إلى التعاطف معه والتبرير له أيضًا..

تصرفات أهل البلد تجبرك على الاشمئزاز منهم، نقل الفيلم الرؤية الكاملة للتقابل بين طباع عباس القاهري المتحضر وطباع أهل البلد المتحفزة المتخلفة العدوانية، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد.. حيث يتسم القرويون بالخوف من الآخر والرعب من كل غريب أو غير مألوف، ويتضح جدًا إصرار سير الأحداث في الفيلم على إبراز هؤلاء على إنهم مجموعة من الهمج المتخلفين ولا حتى يتسموا بالقيم أو النبل التي تجبر من يتعامل معهم على احترامهم.

هؤلاء الذين يرون في إهمال الغزية لهم وذهابها مع عباس أفندي البوسطجي إلى منزله برضاها؛ إهانة لهم ولكرامتهم.. ظاهر الأمر أنهم يستغفلونهم ويحطون من شأنهم ويستهينون بهم لأنهم يمارسون (الرذيلة) في بلدتهم، لكن باطنه أن الغزيّة (الراقصة) فضّلت عباس أفندي عليهم، لأنهم يريدون الرذيلة لأنفسهم أيضًا لكنهم لا يجدونها فيدّعون التعفف وأنهم حماة الفضيلة والأخلاق.

وأكبر دليل على ذلك في مشهد عبقري من حسين كمال تحرشهم بها عند خروجها من دار عباس عندما يذهبون إليه ويبدئون في قذفه بالطوب والزجاج من أجل إخراجها..

أثناء هذا المشهد يطلبون من عباس خروجها فيقول عباس أنه حر حتى ولو هذه الراقصة هنا فإن هذا بيته ويصنع فيه ما يشاء، هذه الأفكار التي لا يفهمونها جيدًا أو يفهمونها ولا يقيمون لها شأنًا ليجيبه أحدهم: “الكلام ده مفيش منه فايدة يا عباس أفندي خلي الغزية تخرج لاحسن نكلم العمدة”

لا يخاف عباس ويصرخ فيهم أنه “طز” فيهم وفي العمدة!

لكن الراقصة الجميلة تطلب منه أن يمرر الأمر بدلاً من جلب المزيد من الشر.. وتوافق على الخروج مما يؤجج غيظ عباس وقهره وحزنه وغضبه من هذه البلد ومن أهلها الأفاعي.

خفير مكتب البريد (أدّى الدور باستفزاز الفنان حسن مصطفى) الذي يتلصص على عباس متصيدًا أي غلطة له، ويستطيع بالفعل سرقة إحدى مجلات البلاي بوي التي جلبها عباس من القاهرة، وينادي على بعض أهالي القرية ليعرض عليهم (الجريمة) التي يرتكبها عباس، رغم الانبهار الذي يكسو ملامحهم وهم يدققون في أجساد الفتيات التي تملأ المجلة.

فيلم البوسطجي - مشهد 2

ولا يتوقف الخفير عند هذا الحد بل إنه يخبرهم أن هؤلاء صديقات عبّاس من “مـَصْر” (القاهرة) بعثن له بصورهن ‘‘واللي تعجبه فيهم يبعت يجيبها هنا’’ هل يقول هذا عن جهل فعلاً بأن هذه مجلات؟ وهذه أزمة فعلاً؛ أم لزيادة الاحتقان وشحن أهالي البلد أكثر بلا مبرر معروف ضد عباس..؟ وهذه أزمة أكبر!

كل هذه الأجواء أضِف إليها الديكور الكئيب للمنزل الذي يعيش فيه عباس، الوحشة التي تبدو عليها القرية رغم اتساعها لدرجة أنك تشعر بالغربة التي يشعر بها عباس والضيق والملل، قد تدفعك إلى تفهم فعل غير أخلاقي مثل اختراق خصوصية الرسائل من أحد القائمين على حفظها وتسلمها وتسليمها يدًا بيد.

على الجانب الآخر وصلت قصة الحب بين خليل وجميلة إلى رفض والدها زواجهما بسبب ذهابها يومًا إلى منزل خليل لزيارة صديقتها التي هي شقيقة خليل.

نفس الأب هو من اعتدى على خادمته وبالتواطؤ مع زوجته أنكر علاقته بها، وسلموها لأهلها.

يتراسل كلاً من خليل وجميلة؛ وبشغف ولذة شديدة بدافع التسلية وبدافع لذة التلصص المبررة كما ذكرنا سابقًا، يتابعهما عباس عن طريق صهر المادة اللاصقة لأظرف الخطابات وقراءتها ثم إعادة لصقها مرة أخرى.

تسير الأمور بخير لولا أنه يقوم بإتلاف أحد الخطابات بختمه عن طريق الخطأ، مما يستحيل تسليمه هكذا مما يدل على أنه قد فُتح بواسطة “البوسطجي”، وللأسف يكون هذا هو أهم خطاب.. حيث يخبر فيه خليل جميلة بتغير عنوانه لتراسله عليه، وبذلك كل الخطابات التي ترسلها لن تصل، خصوصًا آخر رسالة كتبتها في صورة استغاثة أخيرة واستصراخ غير مُجدي بعد أن علم والدها بحملها من خليل، وهي أكثر ما أثّر في عباس سواءً في الفيلم وفي الرواية، كتبت تقول فيها فقط:

“خليل، أنقذني.. أنقذني.. أنقذني”

فيلم البوسطجي - لقطة

هذه الرسالة التي جعلت عباس يهيم على وجهه يبحث عن جميلة في كل أنحاء القرية ليسلمها خطابات خليل التي لم تصل والتي اكتشف أنه في مأزق بسبب أنه لا يعرف ملامحها، وكل علاقته بها من خلال تتبع علاقتها بخليل، وعندما يراها لأول مرة بالفعل.. يكون قد فات الأوان.

المشهد الأخير أسطوري فعلاً، كل شيء فيه.. الموسيقى الجنائزية.. خروج أهل القرية من بيوتهم الأشبه بالقبور كأن صرخة جميلة الأخيرة هي أشبه بصيحة يوم القيامة التي تجعل الأموات من الأجداث ينسلون، لقاء عباس بجميلة وتأمله لملامحها.. وقوفه أمامها وأمام والدها في مشهد صامت رائع.. مكان التصوير الذي اختاره حسين كمال بعناية ليناسب أسطورية المشهد.

وأخيرًا.. يقطّع عباس كل الخطابات التي بحوزته.. لينتهي فيلم البوسطجي وبقاياها طائرة في الهواء تذروها الرياح، بلا سبب معلن من الفيلم، لكنني شعرت أن عباس شعر بعدم جدوى كل هذه الخطابات، كل هذه الأيدي المُسّلمة والمستلمة، كل هذه الكلمات المصطفة في الأوراق البيضاء، كل هذه المصالح والأخبار والحكايات التي تمتلئ بها الخطابات ما لم تستطع أن تنقذ جميلة من مصيرها.

وبالفعل.. عندما قرأت القصة.. تأكد شعوري بتشابهه مع منطق عباس الذي أفصح عن تصرفه!

هنا يتردد السؤال: القصة أكثر إمتاعًا أم الفيلم؟ وهل يوجد اختلاف بينهما؟

فيلم البوسطجي - ملصق

حسنًا، مقارنة جائرة بين كلمات مطبوعة بالآلة الكاتبة على ورق أبيض.. بكاميرات وممثلين ومخرج وإضاءة وديكور!

حيث اختلاف الأدوات يجعل المقارنة بشكل موضوعي مجرد بين كل منهما عبثًا، لكن من حيث التأثير الأكبر بداخلي، فالفيلم بالطبع، لم تكن القصة إلا حكاية تجري في قرية.. مشوقة في بعض الأحيان ومملة في البعض الآخر.. أما الفيلم فقد جعلني أشعر بما يشعر به عباس، جعلني أنفصل عن العالم طالما أشاهده.

لذلك أحببت الفيلم أكثر من القصة.

وقيل أن يحيى حقي قد اختلف مع حسين كمال بسبب نهاية الفيلم التي رآها قاسية حيث تركها مفتوحة في القصة دون حسم مصير الفتاة، والحقيقة إنني أرى إن لم تكن النهاية بهذا الشكل فقد يفقد الفيلم الكثير من قيمته ومتعته.

تمت الإشارة في الرواية إلى تحفظ الوالد عن الزواج بسبب اختلاف مذهبهما في  الديانة فهو من الأرثوذكس وخليل من البروتستانت، وهذا ما اعتنى به يحيى حقي فعلاً وتطرق إليه بإسهاب في الرواية حول ديانة كلاً منهما.. بينما في الفيلم فلم يأتِ بسيرة ديانتهما أصلاً واكتفى بالإيحاء بانتمائهما للعقيدة المسيحية دون التصريح، ذلك وأن خليل ابن عم والده هو “معوض فلتس” الموظف بكوم النحل، و والده هو المقدس عياد راغب. وهذه أسماء وصفات مسيحية كما يظهر.

يجب الإشارة إلى أن فيلم البوسطجي قد اختير– عن جدارة — كأحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما العربية.


فيلم البوسطجي
فيديو يوتيوب

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة