دراسات سينمائية: السينما الفرنسية وأهم مخرجيها منذ الماضي السحيق وحتى الحاضر المتألق

أهم مُخرجي السينما الفرنسية
2

في العام 1895 التقطت عدسة الأخوين لوميير أول فيلم معروض في التاريخ والذي كان La sortiede l’usine: Lumière à Lyon. حدث كل ذلك في باريس، ومن هنا انطلقت بنا قاطرة الإبداع الفرنسية لتساهم بالكثير والكثير لتصل السينما إلى مكانتها الحالية. الفن السابع الذي انطلق من فرنسا استمرّ في تقدمٍ باهر، واكتساحٍ كبير، حيث أن نسبة الأفلام في العالم بأكمله تكوّنت من 70% من السينما الفرنسية بمفردها، رقمٌ يوضح في أي مكانٍة كانت فرنسا وسينماها قبل أن تتحول دفةُ القيادة لهوليوود، صاحبةُ السينما الأكثر شهرة حاليًا والأفضل في عيونِ الكثيرين. ورغم ذلك لا يُمكن إنكار ما قدّمته فرنسا للعالم من مدارس ولغات سينمائية تجِد أثرها واضحًا في كل الأعمال السينمائية على مستوى العالم، بدءًا من السينما الصامتة انتقالًا إلى السينما الانطباعية مع الواقعية الشعرية في نفس الحقبة، ومن ثم الوصول إلى الموجة الجديدة بقيادةِ “جودار”، وصولًا إلى لحظتنا هذه بأفلام الألفيةِ الثالثة.
كل هذا وأكثر قُدّم للسينما من فرنسا. والحديث عن كل المدارس والمخرجين بالتفصيل ربما سيقودنا إلي كتابةِ مجلدٍ كامل، ولن يكفي ذلك أيضًا. لذلك وبتلخيصٍ تام سأقوم باستعراض أهم مخرجي كل مدرسة سينمائية فرنسية على أملِ أن نقوم بإلمامٍ بسيط لبعضٍ مما قدّمته السينما الفرنسية للعالم.

الواقعية الشعرية

إن الواقعية الشعرية مُهمة في تاريخِ السينما الفرنسية، ليس فقط لأنها تصلُ بين خطي فترتين سينمائيتين مهمتين ومتعارضين ظاهرياً وهما خطا “لوميير” و”ملييس”، ولكن لأنها تُحدث انصهاراً بين غريزتين أساسيتين في السينما وهما ذائقة الوثيقة الملموسة وانفلات الخيال العاطفي. وستظل هناك دائماً واقعية شعرية طالما بقي الفن السابع ظاهرة تشكيلية، اجتماعية وإنسانية. ولكن تاريخيًا نستطيع أن نميّز بين عامي 1922 و1957 – وهو العام الذي سيشهد ظهور جيل “الموجة الجديدة” – ظهور تيارٍ من الإنتاج الفرنسي تدعمُه حركةٌ معقدة تختلطُ فيها الملاحظة المريرة بالتمرد والرغبة في التحرر والمشاعر الحانية القاسية، وهذا هو قلبُ الواقعية الشعرية الفرنسية.

  مارسيل كارنيه

  مارسيل كارنيه

في الثلاثينات برزت “السينما الشعرية” في فرنسا. وكان المؤرخ السينمائي “جورج سادول” هو الذي أطلق تعبير “السينما الشعرية” ليصف به مجموعة الأفلام التي أُنتجت في أواسط الثلاثينات والأربعينات والتي كانت تُعالج مواضيع مستمدة من واقعِ الحياة الاجتماعية واليومية ولكن بروح شعرية. من أبرز ممثلي هذا التيار المخرج مارسيل كارنيه، الذي تعاون في عدد من أفلامه مع الشاعر جاك بريفيه. ومن أشهر أفلامه:
– Jenny 1936
– Drôle de drame 1937
– Le quai des brumes 1938
– Les visiteurs du soir 1942
– Le pays d’où je viens 1956

 

جان رينوار

  جان رينوار

يكتشفُ قارئ سيرة رينوار أن معظم أفلامه صورة ذاتية مبتكرة عما تزخر به حياته من عواطف وهواجس وآمال، تمثّلت عبر سنوات طويلة في إبداعٍ سينمائي متميزٍ بالشكِ المتواصل وبروحِ المغايرة التي ميّزت أسلوبه الفني وميوله الفكرية بالنسبة لمعاصريه، فجعلته عدواً لصُناع السينما التقليدية في هذا الوقت.

لقد أراد “رينوار” في أبرز أعماله السينمائية أن يضيء جانباً جديداً من الموضوع الذي يتناوله، فاختار على الرغم من المشاكل التي تعرّض لها، أن يكون تجريبياً بفكرٍ يتخلصُ من هيمنةِ الواقعية الفوتوغرافية.

لهذا نراه يتوق للبحث عن عناصر سحرية أخّاذة في المحيط اليومي الطبيعي والعادي جدًا في نظر الجميع، ويتحرى بنزعةٍ داخليةٍ عميقة عن الصياغة الشعرية للإنسانية، وهو ما ظل مأخوذاً به في كل أعمالِه، أي خلقَ شعريةً سينمائيةً خاصة به، وهو ما قدمه في كلِ أفلامه، وعلى رأسها:
–  Backbiters 1924
–  Le Bled 1929
–  Chotard and Company 1932
–  Grand Illusion 1937
–  The Diary of a Chambermaid 1946

السينما الانطباعية

نادى جيل الانطباعية بمساواةِ السينما مع الشعر والأدب والغناء كفنٍ له تأثيره الواضح على المجتمع، وبدؤوا في عقدِ مقارنات بين الفنانين السينمائيين في ذلك الوقت مثل “شارلي شابلن” وأشهر الأدباء والفنانين. وكان محورهم الأساسي استخدام أدوات مُختلفة للتعبير عن الانطباعات العاطفية للذات لتأثرهم الواضح بالحركةِ الرومانسية.

  آبل جانص

  آبل جانص

هو رائدٌ من روادِ السينما الصامتة، وأحد أهم من طبقوا المونتاج السينمائي. يُعتبر أهم مُخرجي الانطباعية الفرنسية، حيث كانت أفلامه تطويعًا للمشاعر التي يمُرّ بها الإنسان ذاتيًا من خلالِ دمجها في قصص مجتمعية، وعلى هذا المنوال وبين الصامتِ والناطق، ظهرت لنا فترة سينمائية من أهم الفترات على الإطلاق. وأهم ما قدمه “آبل” من أعمال هي:
– La Digue 1911
– Il y a des pieds au plafond 1912
– La Fleur des ruines 1915
– Fioritures 1916
– Napoléon 1927
– Beethoven’s Great Love 1937

 

جيرمين دولاك

  جيرمين دولاك

واحدة من أهم المخرجات على مدار تاريخِ السينما بأكمله. صاحبةُ الـ 59 عامًا في الحياة قدّمت لنا عديدَ الأعمالِ التي أكّدت على أهدافِ وخصائص السينما الانطباعية. وما قدمته للسينما من أعمالٍ قد يوضح بشكلٍ أغنى من الكلمات ما قدّمته “جيرمين دولاك” للحقل السينمائي، ومن أهم أعمالها:
– Les Sœurs ennemies 1915
– Le Bonheur des autres 1919
– La Belle Dame sans merci 1921
– Un peu de rêve sur le faubourg 1930

الموجة الفرنسية الجديدة

انطلاقاً من أواخرِ الخمسينيات، بدأَ بعض الشُبّان – النقاد في الأصل – بالثورة على كل الأفكار السينمائية حينها، ومواجهتها بالتحرر الفكري في تناول أفكار جديدة في الأعمال السينمائية، وابتكار أساليب مختلفة عن السائد في تلك الفترة. من هنا تأسست الموجة الجديدة والتي بزغَت تحت رايتها أسماء تُصنّف على أنها من أفضل مُخرجي السينما على الإطلاق.

  غان لوك غودار

  جان لوك غودار

لنبدأ بالأشهر، ولربما أهم مُخرجي فرنسا على الإطلاق وأشدِّ صانعي أفلام الموجة الجديدة تطرفًا، حيث تُعبّر أفلامه عن آرائه السياسية ومعرفته بتاريخ السينما، وكثيراً ما يستعين في أفلامه بالفلسفتين الوجودية والماركسية، وهو ما عارض السائد في السينما الهوليوودية حينها وعلى مستوى السينما الفرنسية أيضًا.

بدأت علاقة “غودار” بالسينما عن طريق العمل النقدي في البداية، حيث أسّسَ رفقةَ “رومر” و”ريفيتا” المجلة السينمائية (مجلة السينما) التي صدر منها خمسة أعداد في الخمسينات. وعندما أسّس “أندريه بازين” مجلة (كراسات السينما) النقدية عام 1951، كان “غودار” من أوائل كُتّابها. ومثل العديد من كُتّاب المجلة حينها، قام “غودار” ببعضِ المحاولات السينمائية قبل عام 1960 وهي:
– Opération béton / 1955
– Une femme coquette / 1955
– Tous les garçons s’appellent Patrick  / 1957
– ne histoire d’eau / 1958
– Charlotte et son Jules / 1958
ولقد ساعدت هذه الأفلام قصيرة المدة على توضيح بعض ملامح أسلوب “غودار” المُنتَهَج فيما بعد في بقية أفلامه، وهو ما ساعد على شهرته البسيطة في البداية.

استمر بعدها “غودار” في كتاباته النقدية المؤيدة للموجة الجديدة. وبدايةً من أوائلِ الستينيات، قرّر “غودار” البدء بأول أفلامه الطويلة، ومن هنا انطلق “غودار” في استعراض أفكاره معبرًا عن الموجة الجديدة. وأهم أفلامه الطويلة هي:
–  À bout de souffle / 1960
–  Vivre sa vie / 1962
– Les Carabiniers / 1963
– Pierrot le fou / 1964
– Masculin, féminin / 1966
– Sauve qui peut / 1980
كل هذه الأعمال، بالإضافة للكثير مما قدمه “غودار” للسينما، ساهمت في وصفه كواحد من أهم المخرجين السينمائيين على الإطلاق، إن لم يكن الأهم. ولمَ لا وقد وُصفت السينما بما قبل “غودار” وما بعده؟

  

فرانسوا تروفو

  فرانسوا تروفو

واحد من مؤسسي الموجة الجديدة رفقَةَ “غودار”. بدأت ميول “فرانسو” الإخراجية منذ طفولته، حيث كان على اطّلاعٍ كبيرٍ لدرجةِ أنه تركَ المدرسة عندما أصبح في الرابعةِ عشر من عُمره، وبدأ في العمل. وبعد مرور سنة، أسّس نادي عشاق السينما، وقد أُتيحت له فرصة مقابلة الناقد الفرنسي “أندريه بازين” الذي أعطى له الرؤية العميقة للسينما، والتي ساهمت في تكوين عقلية “تروفو” السينمائية تحت مسمى الموجة الجديدة، لتخرُج لنا أعمالٌ خالدة مثل:
– The Mischief Makers 1957
– A story of water 1958
– The 400 blows 1959
ويُعتبر هذا الفيلم الخطوة الأهم في مسيرة “تروفو”، حيث حقّقَ نجاحًا شديدًا على جميع المستويات، فما بين النجاح النقدي الكبير والإقبال الجماهيري الشديد على تحيةِ الفيلم وصانعه، حقّقت الموجة الفرنسية الجديدة نجاحًا غيرَ مسبوقٍ من خلال هذا الفيلم.
قدّم “تروفو” الكثير والكثير من الأعمال الرائدة، بسيطة الميزانية وواسعة الفِكر. وخلال الفترة البسيطة التي استمرت فيها الموجة الجديدة، نجح “تروفو” في وضع مكانته في مصافِ المخرجين الكِبار.

روبير بريسون

  روبير بريسون

يُمكن القول إن أفلام المخرج روبيرت بريسون الـ13 في 40 عاماً تشكل مجمل الأعمال الأكثر إبداعاً وعبقرية من أي مخرج عرف مسيرة مهنية طويلة في تاريخ السينما. إنه المخرج الأكثر خصوصيةً والأكثر تمسكاً برأيه من بين المخرجين المهمين، بمعنى أنه كان يحاول دائماً أن يقدّم ما يريده بدقة، دون التنازل لاعتبارات تجارية أو شعبية جماهيرية أو لاعتقادات الناس السائدة حول السينما المتعارف عليها. ويُعتبر أحد أهم مخرجي الموجة الجديدة، وقد قدَّم للسينما الأعمال المتميزة واحدًا تلو الآخر، مثل:
– Angels of the Streets 1943
– The Ladies of the Bois de Boulogne 1945
–  Four Nights of a Dreamer 1971
–  Money 1983
يُعتبر “روبير بريسون” نسيجاً مُستقلاً بذاته، ويشغل مكانةً فريدةً في تاريخ السينما، إذ يعتبرُه الكثيرون أكبر شخصية سينمائية وُجدت على الإطلاق، وقد نجمت تلك الكلمات عن الجمال الآخّاذ والمُربك الذي اتصف به كل واحدٍ من أفلامه. وعلى هذا، فقد شكّلت أفلامه الطويلة الثلاثة عشر التي أخرجها بين 1943 و1983 مجموعة متماسكة تماسكًا لا نظير له.

 

الألفية الثالثة

خفَتَ بريقُ السينما الفرنسية مع تقدّمِ الوقت والدخول في الألفية الثالثة، فلقد تطورت السينمات العالمية وسيطرت هولييود على العالم السينمائي. ومع ذلك، ظلّت السينما الفرنسية ببريقها الخاص وبأعمالها الخالدة نجمًا ساطعًا، وتظهر بعضُ الأعمال في بعض الأحيان منذُ بداية الألفية لتُذكّرنا بسطوعِ هذا النجم ومدى جماليته.

ميشيل هازنافيسيوس

  ميشيل هازنافيسيوس

هو مخرج فرنسي بدأ مسيرته الفنية عام 1988، الفائز بالأوسكار عن فيلمٍ صامت في العام 2012 كأفضل مُخرج في العام عن فيلم “الفنان”، هو أشهر مُخرجي فرنسا في الألفيةِ الحالية، ولعل ما قدّمه في فيلمه “الفنان” أظهر لنا إلى أي مدى هذا المخرج فنانٌ فعلًا. فأن تفوز بالأوسكار وفي الألفية ومنافسًا أكبر المخرجين العالميين، بل وتفوزَ بها بفيلمٍ صامت، هذا هو جوهر الإبداع ودليلٌ عظيم على مدى جودة هذا المخرج. أهم أعمالِه:
– The Artist 2011
– The Players 2012
– The Search 2014

فيرجيني دبانت

  فيرجيني دبانت

ربما لا تُعتبر “فيرجينيا” من نُخبة مخرجي السينما الفرنسية في الألفية الثالثة، ولكن إنتاجها للثورة الجنسية في أفلامها وتطويعها لإخراج أفلام لها حسّها الفني المتميز، جعلَ لاسمها صدى كبيرًا. أهم أعمالها:
– Mutantes 2009
– bye bye blondie 2012
– Rape Me 2000
– Pretty Things 2001

 

آجنيز جاوي

  آجنيز جاوي

من أهم مخرجي الألفية الثالثة في فرنسا، وأسلوبها المختلف يظهر وبقوة على كل أعمالها، ومن أهمها:
– The Taste of Others 2000
– 24 Hours in the Life of a Woman 2003
– The Role of Her Life 2004
– Let’s Talk About the Rain 2008
– Under the Rainbow 2013
– I’m All Yours 2015

 

بالطبع – وكما ذكرت في أولِ الحديث – إنه من الصعب الإلمام بكل المخرجين المؤثّرين في تاريخ فرنسا، وأيضًا من الصعب تعريف كل أساليبها وكل ما قدمته للسينما العالمية، فالسينما يجبُ مشاهدتها في المقام الأول لا القراءة عنها. ومن هنا يكون التعرف الحقيقي على سينماتِ فرنسا وما قدّمته للعالم من إبداعٍ حقيقي ووفير.

2

شاركنا رأيك حول "دراسات سينمائية: السينما الفرنسية وأهم مخرجيها منذ الماضي السحيق وحتى الحاضر المتألق"