الألوان في السينما؛ الوصف بلا كلمات

أحمد حسين
أحمد حسين

8 د

في إحدى دور العرض السينمائية، جلس رجلان في الكراسي الأمامية. مال إحداهما على الآخر وقال: “هل سمعت بالخبر؟ سيُدخِلون الألون على الصور المتحركة!”.

دُهش الرجل لسماع مثل هذا الخبر، هل حقًا سيختفي الأبيض والأسود؟ لماذا يريدون إفساد كل شيء؟ تتحدث جماعة السينما الآن بشكلٍ سخيف، لدينا كل شيء؛ من الصورة إلى الحوار إلى التمثيل المُتقن إلى الدعابات والحركة التي تضيف المتعة، فماذا ستضيف الألون إلى الصورة؟!


البداية؛ ماذا أضافت الألوان للسينما؟

الالوان في السينما - فيلم Apocalypse Now

أصعب شيء أن تصف ما لا يمكن وصفه، كيف يمكنك أن تصف لأحد الأشخاص ما هو اللون الازرق أو الأحمر، أمر صعب، لا يمكن وصف الألوان لشخص لم يراها، لكن ما يمكنك فعله في هذا الوقت، هو أن تصف إحساسك باللون عند رؤيته، وهنا تختلف الرؤى، فيمكنك أن ترى الازرق لونًا مبهجًا، ويمكنك أن تراه يبعث الحزن والكآبة على النفس. الأحمر كذلك يمكن رؤيته لونًا للحب، أو لونًا للقتل والدم. الأمر كله نابع من الإحساس الشخصي باللون وما يمثله في النفس لا أكثر.

يقول المصور السينمائي الإيطالي “فيتوريو ستورارو” الذي عمل كمدير تصوير فيلم (Apocalypse Now – 1979)، أن مدرسة السينما لا تعلّم خريجيها الفَنّ بقدر ما تعلمهم تقنيات التصوير والتكنولوجيا الجديدة المستخدمة، وهو أمر جيد من وجهة نظره، لأنه لا يمكن لأحد أن يعلمك معنى أو فلسفة اللون، ومن وجهة نظري هذا صحيح، لا يمكن لأحد أن يعلّمك كيف تشعر باللون، لابد وأن تكتشف ذلك بنفسك.

ذو صلة

دائمًا ما كان المخرج “يوسف شاهين” يقول أن السينما فَنّ بصري بالأساس، والمخرج هو الشخص الذي يريد أن يقول شيئًا عبر الصورة. هذا ما فعله المخرج “دي. دبليو. جريفيث” في فيلم (1916 – Intolerance). يتحدث الفيلم عن معاناة الحب عبر الزمن في حقب مختلفة من التاريخ، لكن لم يعبّر جريفيث عن كل حقبة بكتابة تاريخها عليها فحسب، بل أنه استخدم ألونًا مختلفة لكل حقبة ليفرق بينها وبين الحقب الأخرى.

فيديو يوتيوب

وهذا ايضًا ما فعله “بينجامين كريستينسن” في فيلمه (Haxan) أو (Witches) الذي صدر عام 1922. الفيلم بالأساس يتحدث عن تأثير الخرافات على العقل، والتي يمكن أن تؤدي بالشخص إلى الأصابة بالأمراض العقلية مثل الهيستيريا وغيرها. وعلى الرغم من أن هذا الفيلم من المفترض أن يكون وثائقيًا، إلا أن كريستنسن أضاف بعد المشاهد التمثيلية لتعزيز فكرة الفيلم، الذي تم تقسيمه إلى أربعة أجزاء (فصول)، كل جزء أعطي لونًا مختلفًا عن الأجزاء الأخرى بحسب ما يريد أن يروية المشهد.

يمكن اعتبار هذه الأفلام إرهاصات أولية لاستخدام الألوان في التعبير عن اختلاف الزمان والمكان بين المشاهد. لكن ما فعله “إريك فون سترويام” في فيلمه (Greed – 1924) كان مختلفًا. يحكي الفيلم قصة زوجة طبيب أسنان تفوز باليناصيب، خلال الفيلم تطرأ تغيرات كثيرة على حياة الزوجة والزوج.

وعلى الرغم من أنه فيلمًا صامتًا، إلا أن سترويام أستطاع أن يقول كل شيء من خلال اللون الأصفر فقط، فكانت الأموال والسنة الذهبية التي وضعتها الزوجة بين أسنانها تظهران باللون الأصفر، وعندما أراد سترويام أن يقول أن الطمع سيطر على كل شيء، ملأ الشاشة باللون الأصفر كناية عن تحكم الأموال/ الذهب في حياة البطل، هكذا ببساطة ودون تعقيد، ظهرت الألوان في السرد السينمائي.

عام 1939، بدأ ظهور الالوان في السينما بوضوح في الأفلام، عندما استخدم “فيكتور فليمنج” الألوان في جميع مشاهد فيلمه الشهير (The Wizard of Oz). منذ ذلك الوقت، عرف المخرجون قيمة استخدام الألوان في ايصال المشاعر للمشاهدين، والتأثير على حالتهم المزاجية، كما فعل فليمنج نفس الشيء في فيلمه الشهير أيضًا (Gone with wind) والذي صدر في نفس العام.

فيديو يوتيوب

أضلاع مثلث الألوان والتأثير على الحالة المزاجية

الالوان في السينما - فيلم Moonrise Kingdom

تقريبًا، كل لون له تأثير واضح على الحالة النفسية والمزاجية لنا جميعًا، وهذا ما لعب عليه المخرجين ببراعة من خلال أفلامهم، سواء عن طريق استخدامهم لبعض الألوان الباهتة لتوضيح أن هذا المشهد هو عبارة عن حلم، أو استخدام نفس الألوان الباهتة للتعبير عن الضيق والحنق، أو الإحساس بالملل، أو غيرها من المشاعر التي يتحكم بها المخرجون من خلال الألوان ودرجاتها المختلفة.

يمكن لكل مخرج أن يستخدم اللون كما يشاء، فكل الألوان لها معانٍ مختلفة لدى البشر، كلٌ بحسب وجهة نظره وشعوره باللون وحالته المزاجية عند رؤيته، فلا يوجد هناك فهرس أو قوائم تقول بأن عليك أن تستخدم اللون المُعين عندك التعبير عن الشعور المُعين.

اللون الأحمر مثلًا، يمكن أن يستخدم للتعبير عن الكراهية والغضب، وفي نفس الوقت يستخدم للتعبير عن الحب والشغف. كذلك الأخضر، يمكن استخدامه للتعبير عن الأمل والبهجة، ويمكن استخدام درجاته الباهتة للتعبير عن مكانٍ بلا حياة، وعند استخدامه على البشر للإشارة إلى الوَحش/ الشرير في هذا الفيلم.

مفتاح استخدام الألون، يقع بين مثلث مكوّن من ثلاثة أضلاع أساسية: (درجة اللون (Hue) – صفاء اللون (Saturation) – قيمة اللون (Value)). كل ضلع من هذه الأضلاع له استخدام في ايصال الشعور المناسب للمشاهدين، فتغيير أي عنصر من تلك العناصر، يغيّر تلقائيًا من مزاج الفيلم وأسلوبه. اللون الابيض كمثال، يمكن استخدامه بدرجة وضوح وصفاء قوية تعبّر عن الهدوء والسكينة، لكن عند تغيير درجته وصفاءه وقيمته، وجعله أقرب للأصفر، فسيعبّر في تلك الحالة عن الإرهاق أو الضيق.

لكن هذا المثلث لا يعمل بمفرده أبدًا، لا بدّ من وجود شيء آخر لإيصال المشاعر والحالة المزاجية بشكلٍ صحيح، هنا يأتي دور التوازن والإختلال. ولكل مخرج رؤيته الخاصة في التوازن والإختلال، من حيث تناغم وتناسق وانسجام الألوان المختارة مع بعضها البعض. هذا ما جعل بعض المخرجين يهتمون بالبحث في نظريات الألون، لمعرفة نظام الألوان التي يمكن أن تنسجم مع بعضها البعض والألوان التي لا تنسجم.

يعتبر المخرج “ويس أندرسون” من أفضل المخرجين الذي يستخدمون الألوان بتوازن وانسجام شديد. فيلم (Moonrise kingdom – 2012) كمثال استخدم فيه ويس ألوان الاصفر والبُنّي والأخضر بتناغم، حتى لا يحدث أي تباين واختلاف بينهم، لتصبح الصورة ممتعة ومريحة للنظر، ليس هذا فحسب، بل إن استخدام هذه الألوان معًا بهذا الشكل يستخدم طابع الفيلم النوستالجي أيضًا.

مثال آخر على استخدام التناغم والانسجام بين الألون هو فيلم (Amelie – 2001) من إخراج “جون بيير جونية”، والذي استخدم نظام ألوان لا يتعارض مع بعضه البعض، بل كل لون كان يخدم وجود اللون الآخر في المشهد، لذلك سترى الكثير من الأخضر والأحمر، الأزرق والبرتقالي، أو الأصفر والأرجواني. فإضافة توازن الألوان إلى الصورة، يعني إيصال المشاعر بشكل جيد إلى المشاهد ووضعه في الحالة المزاجية المناسبة.

فيديو يوتيوب

يمكن استخدام التوازن أيضًا في وضع المشاهد في حالة مزاجية تتقبل سوداوية الفيلم، كما فعل “فرانسيس فورد كوبولا” في فيلمه (Apocalypse Now – 1979)، الذي استخدم فيه ألوان الأسود والأصفر لإضافة جو خانق للفيلم، واستخدم أيضًا اللون البرتقالي للغبار، للتعبير عن كثرة السموم المنتشرة في الجو.

أما المخرج الفرنسي العبقري “جون لو جودار” فقد استخدم نظريات إختلال الألوان في فيلمه (Pierrot le fou – 1965)، حيث استخدم جودار مجموعة متنوعة من الألوان في المشهد الواحد، لكنه لم يستخدم الألوان بعشوائية بس صاغها بشكل مناسب ليقول بأن الشخصيات تقف على مسافة محايدة بين كل الألوان والأنماط المختلفة، وهذا ما أعطى المخرج حرية التعبير عن أي مشهد كما يريد.

يمكن للمخرج ايضًا، أن يلقي بلون مختلف في أحد المشاهد بين الألوان المتناسقة، ليلفت نظر المشاهد، ويجبره على التركيز مع الشيء ذو اللون المختلف. جون بيير فعل هذا في فيلم (Amelie)، عندما وضع “أباجورة” زرقائة اللون في مشهد مكوّن من لوني الأصفر والأحمر، وفعلها أيضًا في مشهد صعود والد إيميلي من حمام السباحة، حيث جعل لون ملابس السباحة الخاصة به باللون الأحمر في مشهد مكوّن من الازرق الفاتح والاخضر.


الالوان في السينما كعلامة للتنبؤ بشيء ما

الالوان في السينما - فيلم The Godfather

ولأنه لا يوجد قائمة مُعتمدة أو فهرس لربط الألوان بإحساس معين، فإن للمخرج مُطلق الحرية في ربط اللون بشيء محدد طوال الفيلم، كما فعل ويس أندرسون في فيلم (The Royal Tenenbaums – 2001)، ربط شخصية رويال تينمبام الذي قام بها الممثل جين هاكمان باللون الوردي الباهت، وعلى الرغم من أن الشخصية تقوم بفعل الكثير من الأشياء الشريرة، إلا أنك لا تستطيع أن تأخذها على محمل الجد بسبب لون الملابس التي ترتديها الشخصية.

في فيلم (Vertigo – 1958) ربط “ألفريد هيتشكوك” كل شخصية من الشخصيتان الرئيسيتان في الفيلم بلون مُحدد، حيث ربط شخصية سكوتي التي قام بأدائها الممثل جيمس ستيوارت باللون الأحمر، وربط شخصية مادلين التي قامت بأدائها الممثلة جيم نوفاك باللون الأخضر، وكلما ظهرت إحدى الشخصيات ظهر معها لونها المميز، فباب بيت سكوتي لونه أحمر، وسيارة وفساتين مادلين لونها أخضر، ونشهد لاحقاً في الفيلم تبادل الشخصيتين للونين في دليل على وقوعهما في حُبّ بعضهما.

فيديو يوتيوب

أما في فيلم (Blue is the Warmest Color – 2013) استخدم المخرج عبد اللطيف كشيش اللون الأزرق في التعبير عن حالة أديل طوال الفيلم، فظهورها في كل مشهد يصبح مرتبطًا بهذا اللون. في الفيلم هناك خط درامي لقصة حب بين أديل وإيما، خلال هذا الخط، تتغير مشاعر إيما وأديل كلما تقدّم الفيلم، وكلما تغيرت فترة المشاعر، أصبح اللون الأزرق المحيط بأديل باهتًا، إلى أن وصلت في النهاية إلى قناعة ما، أظهرها عبد اللطيف كشيش من خلال أرتداء أديل لفستان أزرق خلال سيرها في الشارع الذي يكسوه اللون الرمادي (وهو اللون المعبر عن التردد وعدم حسم الأمور).

هناك الكثير من الأمثلة تخص ربط الألوان بالأشياء، فمثلًا ربط فرانسيس فورد كوبولا في فيلم (The Godfather) الموت باللون البرتقالي. وربط وونج كار-وي في فيلم (In the Mood of Love) ألوان فساتين الشخصية المختلفة – والتي وصل عددها إلى 21 فستان – بالحالة المزاجية للشخصية. أما زانج يمو في فيلم (Hero) فربط الألوان المختلفة (الأرزق والأخضر والأبيض والأحمر) بوجهات النظر المختلفة التي تحكي نفس القصة.

فيديو يوتيوب

الألوان بطبيعتها شيء ساحر في حد ذاتها، فلكل شيء في الدنيا لون مخصص له يميزه عن باقي الأشياء الاخرى. وعلى الرغم من أن السينما فَنّ بصري، إلا أنها تبقى فنًا مؤثرًا في المشاعر بالأساس، لذلك أصبحت الالوان في السينما جزءً أساسيًا، يمكنه أن يصف ويقول الكثير بلا كلمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.