فيلم Dead Poets Society
0

في ظل الأزمات المتتالية والأخبار المتداولة بصورة شبه يومية عن قصص درامية وأخرى دموية جميعها تُعلن تحت عنوان العنف الأسري والمدرسي أيضًا، وتلك الأزمة المتغلغلة في نفوس أجيال توارثوها من أجيال وورثوها لأجيال لم تنجح عواقبها الكارثية في إيقاف ذلك الروث الفكري، والذي يعطي أصحاب السلطة المزعومة هؤلاء حقوق التحكم الكامل في مصير رعاياهم بحُجة أنهم يعرفون مصلحتهم أكثر منهم. ولأن تلك المشكلة نفسية بحتة، فهي تتواجد في أفقر الأسر وأغناها وأجهلها وأكثرها علمًا، وكذلك الحال في مجتمعات الغرب والشرق. ولأن السينما هي نبض الواقع، خرجت لنا تلك الأيقونة الفنية فيلم Dead Poets Society التي لابد وأن تلمس نفسية كل إنسان، ففي مجتمع الشعراء الأموات الحقيقة التي تُخفيها أغلب بيوت العالم، لذلك حديثنا عن هذا الفيلم لن يكون من الجانب السنيمائي فقط بل من جانب إجتماعي أيضًا.

أقرأ أيضًا: ابتعد عن كبت مشاعر الحزن وحسن حالتك المزاجية بمشاهد دموع تساعدك على البكاء

فيلم Dead Poets Society حيث الأحلام المكبوتة

مدرسة ويلتون، حيث حفنة من متبعي النظام الساعين لتحقيق أحلام أولياء أمورهم فيهم، حيث الأحلام المكبوتة لأنها ليست ضمن المشروع، حيث لا يوجد حتى السبيل للقول لعدم وجود المستمع.

جون كيتينج رسول الحرية الداعي إلى الشعر كسبيل لقول ما يعجز عنه المراهقين من سكان عالم ويلتون، معلم الأدب الإنجليزي قائد الثورة التي أجتاحت نفوس المقموعين من طلابه الذين يهوون الكثير لكنهم لم يجدوا الداعم المحفز نحو أحلامهم، لم يجدوا سوى الأعراف والأنظمة التي قتلت حاسة التمرد لديهم، لم يجدوا سوى آباء أعتقدوا أنهم عبيد وجب عليهم الإنصياع لما يروه أنه الأفضل لهم، ومعلمين لا يسمحون لهم التحليق خارج أسوار المجلدات.

جاء جون كيتينج بالشعر معلمًا وبالحرية واهبًا، ساعد كاتم الحب على القول والإفصاح، وساعد الفاقد نفسه إيجادها، كان شئ لا يوجد له مثيل بالنسبة لطلابه، فهو “الكابتن ماي كابتن” كما دعوه بإحدى الأبيات التي كُتبت لإبراهم لينكلون وعلمها هو إياهم.

فكرة مجتمع الشعراء الموتى تعود إلى كيتينج عندما كان طالبًا بنفس المدرسة، وهو كهف أعتاد الطلاب التجمع فيه لتبادل الشعر فيما بينهم، حيث يضيق بهم العالم خارج هذا الكهف ولا يسع حريتهم سوى ضيق هذا المكان الذي يلهون فيه كيفما يريدون بعيدًا عن أسوار ويلتون وقوانينها الصارمة

فلا شئ بهذه المدرسة منحهم تلك الحرية سوى كيتينج، فهو الشخص الوحيد الذي خاطب روحهم المكبوتة وجعلهم يرون العالم ككهف الشعراء الأموات بلا أسوار وبلا قيود.

جاء كيتينج إلى طلاب كانوا يصطفون في إنضباط وحسم وكأنهم يؤدون الخدمة العسكرية، لكنه أستطاع كسر تلك الضوابط حيث كان يعطيهم الدرس خارج الغرفة الدراسية غير مبالي بتقاليد التعليم العادية فله منهجه الخاص وأساليبه الفريدة، جعلهم يصطفون أمامه كلُ بطريقته الخاصة فلا نظام في دروس كيتينج فتلك أوقات التعليم بحرية ومرح، وذلك ما أغضب القائمين على المدرسة، فكتينج بالنسبة إليهم كان العابث بقوانين المدرسة والمفسد لشخصيات طلابه.

تلك القسوة التي حاصرت هؤلاء الطلاب في بيوتهم مع آبائهم الصارمين وفي ويلتون مع معلميهم المؤدين لوظائفهم بجمود تام لم يكن هناك مهرب منها سوى كيتينج الذي لم يكن وحده كافيًا لجعل حياة طلابه تسير كما كانوا يتطلعون سويًا

تلك القسوة أودت إلى ضحايا مثل نيل الذي أمتلكه أب جاف في مشاعره لا يريد له أن يختار أو يحلم

مأساة نيل ظلت كندبة في نفوس زملائه فلم تكن قصته سوى طعنة في قلبه شعر بألمها جيل بأكمله.

منهج روبين ويليامز في Dead Poets Society

“إن دراسة الطب والمحاماة والهندسة، إنها أمور نبيلة وضرورية لإستمرار الحياة، لكن الشعر هو الجمال والحب والرومانسية، إنها الأمور التي نعيش من أجلها في النهاية”

ذلك المنهج الذي أعتنقه جون وشرع في إستخدامه مع طلابه كان يخاطب به نفوسهم، فليس الشعر سوى نحن وما نعيشه ونشعر به، إنه حكاية لما يدور بداخلنا، كان لكيتينج رؤيته الخاصة والتي تشير إلى أنه لابد من وجود أداة لإظهار ما تخفيه صدورنا لذا علمهم الشعر وما وراءه، فليس الشعر هو المغزى ولكن الهدف هو القول والإفصاح، فطلابه يفتقدون الصديق والناصح وكان هو لهم ذلك وعلمهم الشعر كي يبقى صديقهم الدائم والمتنفس للجمال والحب فتلك هي الأمور التي نعيش من أجلها في النهاية.

” تجمعن أيتها البراعم طالما تستطعن , الزّمن الغابر لازال طائراً , و نفس هذه الزهرة التي تبتسم اليوم ستموت غداً “

مشهد النهاية الذي يُعد من نخبة المشاهد في تاريخ السينما، والذي رُسم وكأنه لوحة ديلاكروا “الحرية تقود الشعب”

حيث وقف الطلاب فوق مقاعدهم في إحتجاج صامت على رحيل كيتينج وكأنهم إلهة الحرية التي صعدت بصدرها العاري فوق فتيل الثورة رافعة راية الحرية

رحل كيتينج ولكنه ترك خلفه الثورة التي أعلنها طلابه على القمع والنظام القاسي الذي أخذ الكثير من روحهم الطفلة وجعلهم كروبوت يطيعون الأوامر فقط، رحل كيتينج وترك الشعر والكلمات النابعة من صدورهم التي عاشت تعاني الشدة والإضطهاد كما عانت الفقد لزميلهم نيل الذي قضت عليه قسوتهم حتى أختار أن يرحل حيث العالم الذي لا يُعاود منه أحد، إلى أن امتلأت بنسيم طاهر لكنه ترك التمرد.

“لقد أردت أن أعيشَ بعمق، أن أرضع لُبَّ الحياة، لكي أسحقَ كل ما ليس بحياة”

فيلم Dead Poets Society مجتمع الشعراء الموتى، أحد أعظم ما صُنع لمواجهة القمع المجتمعي نحو الأبناء، صُنع لمواجهة الحب القاتل من الآباء نحو قرة أعينهم، الحب الذي يفتقد العطاء الحقيقي، فالعطاء ليس غرفة نوم وثياب وأموال، العطاء هو أن تمنحوهم أنفسهم كي يديروها كيفما يريدون لا كيفما تريدون أنتم، العطاء أن تحترموا ما يريدون وما يهوون وما يشغفون به دون قمع وسخرية وتنمر وفرض سلطة ليست حق لكم، دعوهم لا يخشوا كبت أهوائهم كي لا تدمروها داخلهم، دعوا الأقلام ترسم والشعر يتكلم والغناء يشجوا والسنيما تُجسد، دعوا القلوب تُحب، أتركونا نثور على واقعنا، ودعونا نُنشد “كابتن ماي كابتن”.

أقرأ أيضًا: الاغتصاب الزوجي.. مما تعاني حقًا المرأة العربية؟ عن العنف الذي لن نسمع عنه أبدًا

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Dead Poets Society: رحلة كيتنج من مجتمع الأحياء العنيف إلى مجتمع الشعراء الموتى"