تريند 🔥

🤖 AI

فيلم الحريف أهم فارس في سينما خان

فيلم الحريف إخراج محمد خان
خالد سليمان
خالد سليمان

6 د

كأي طفل ساذج في العاشرة من عمره أحببت فيلم الحريف من أجل ما فيه من مشاهد كرة القدم، ولكني حينما كبرت اختلف الموضوع تمامًا، اختلف جملة وتفصيلًا.

ستجد في سينما خان ثلاثية الفوارس أو فوارس خان الثلاثة، حيث أنه قدم ٣ أبطال بنفس الاسم أحمد زكي في طائر على الطريق، محمود حميدة في فارس المدينة ويتوسطهم الحريف عادل إمام.

قدم عادل إمام دورًا مختلفًا تمامًا وتفوق فيه على نفسه، وقد عُرض الفيلم بالأساس على أحمد زكي لكنه رفضه لاختلاف في وجهات النظر مع محمد خان مخرج الفيلم، ومع ذلك حضر فيه بصوته وهو يلقي قصيدة أمينة جاهين، في الحقيقة كنت أتمنى لو قام زكي بلعب الدور، ولكن على أي حال لم يخيب الزعيم أملي بأدائه المتميز.

قصيدة أمينة جاهين فيلم الحريف

سألت نفسي لماذا سُمى الفيلم بالحريف ما دام غرضه الأصلي لا علاقة له بكرة القدم؟ الحريف هو صاحب الحرفة، الصنايعي الموجود بشكل دائم في حياتنا، مكسبه من عرق جبينه، شخص لا يملك سوى أن يحارب يوميًا لأنه لا يضمن مرتبًا ثابتًا في نهاية الشهر.

الحريف فيلم متكامل بدايةً من اختيار الأسماء، حيث فارس لم يكن فارسًا وأمله شبه معدوم، ورزق مقاول مباريات الكرة وهو المتحكم في رزق فارس، كابتن نور الذي يعيش على أطلاله لم يعد مُنيرًا منذ زمن، ومُختار من وضع سكة الاحتراف الخارجي لتسويق وشراء السيارات من الخارج، حتى عزيزة زميلته في مصنع الأحذية لم تكن عزيزة كما ينبغي، كنايات وظفت بأسلم طريقة.


من كواليس فيلم الحريف

من كواليس فيلم الحريف

في بداية الفيلم تلمح بسهولة حالة فارس الاجتماعية، فكادر خان الأول تتبع خطوات فارس من غرفته المتواضعة فوق سطح المبنى حتى وصوله للمصنع، فارس لم يكن يحب التقيد وهذا يبرر غيابه المتكرر من عمله، واستخدم خان كرة القدم كرمزية للمكسب من الحرفة، وفي لحظة قد تجد نفسك عاجزًا عن العمل مبتور القدم تمامًا كرزق الإسكندراني.

وصف خان للبيئة الحرفية كان في منتهى الدقة، فكل منا جلس يومًا على القهوة ووجد الصنايعية يلعبون ويتشاجرون ومن ثم يتفقوا على العمل في صباح الغد، بسطاء ومتعبين لم يحلموا سوى بعيشة كريمة.

عادل إمام من فيلم الحريف

”نجاح الموجي“ في دور ”عبد الله“ قدم واحدة من أجمل أدواره بعيدًا عن الكوميديا، فهو الحرفي الفقير الذي قُتل بالخطأ من أجل قوت يومه، وهو النبيل في عز أزمته قرر أن يساعد بدفع سيارة أحد المارة حتى تسير، ثم بكى وبدون أي تأويل للمشهد فقط بكى!


نجاح الموجي في الحريف

رمزية التعامل بالقوة وظفها خان في فارس وعبد الله، فالخيار الأول في حل المشكلات هو الضرب، وأزواجهم تفاوتوا في تقبل الأمر، فتقبلت زوجة عبد الله وهو القائل لها أثناء ضربها ”يا ولاد الكلب ده أنتم بتاكلوا ٢٠ كيلو رز فالشهر!“ ربما تلك إحدى الجُمل التي تبرر بكاءه.

وعلى النقيض فزوجة فارس قررت الانفصال ورفض العنف وحتى عندما زارها فارس فمع أول مشادة كلامية هَمّ ليضربها وقالت له ”أضرب ما تضرب أهو ده اللي أنت فالح فيه“ في حالة من اليأس وقد أدركت أنه لن يتغير.

عادل إمام في الحريف

انتقلت جينات فارس إلى ابنه بكر، لم يجادله أبوه فقد رأى فيه نفسه وسأله ”بتعرف تعمل شاي؟“ لم يكن بكر محبًا للعلم وأحب الحرفة وكأغلب أطفال هذا السن فهم يحلمون بالمكسب السريع، ثم يكتشفون بمرور الشهور والسنين مدى صعوبة العمل باليومية أو حتى بالإنتاج.

الأجر اليومي الذي يمسك كُل عامل من يدّه، تجعله مُطالبًا طيلة الوقت أن يتخطى صدماته سريعًا، وقد جُسدت تلك المأساة بطريقة مبهرة، لم يكن يعلم فارس بوفاة والدته وحينما علم بعد أسبوع من الحدث بدى لي أنه يبكي ولا يبكي، وحينما قابل سعاد -الفتاة التي يقيم معها علاقة غير شرعية- قاطع كلامها بقوله ” أنا أمي ماتت!“.

وحينما ذهب لوالده قال له مباشرة دون تمهيد ” أبّا أمي ماتت“ فكان رد أبوه في جملة واحدة، جملة من أكثر جُمل اللامبالاة التي سمعتها في تاريخ السينما ”معاك سيجارة؟ كُلنا هنموت“.

المشهد الحواري الأهم في الحريف

لا تترك لنا الحياة الكثير من الوقت بل إنها تترك الكثير من الألغاز، ومع عملك اليومي لا يوجد رفاهية الحزن أو الفرح المبالغ فيه، فقد يَعني هذا جوعك للأسف.

أريد أيضًا أن أتحدث عن مشهد الكباريه، حينما نظر فارس لأحد الفتيات وأعجبته وقرر أن يذهب إليها، فلم يتحدث ولكنه أظهر كرته الصفراء وقرر أن يتلاعب بها فهي حرفته وصنعته الوحيدة، مشهد يحمل فوق كتفه الحرية في ثوب الأسى.

بعدما ضاقت كُل الطرق بفارس قرر أن يختار سكة مختار المشبوهة، فلم يكن أمامه بديلًا آخر، فقد تم رفده من المصنع، ورزق الإسكندراني وجد له حريفًا جديدًا، فكان مختار حله الوحيد، وقرر خان بعد إبراز معاناة المهمشين بشكل قوي وفج أن ينتصر لفارس ولكل حرفي، قرر فارس النزول للملعب لمرة أخيرة قائلًا ”أنا هلعب مع الخسران“ فلا خسران سوى فارس ومع ذلك ”مفيش غير حريف واحد يا أبو رجل خشب“.

عادل إمام وعبد الله فرغلي

انتصر الحريف لنفسه ولابنه ولأهله ولكل من يشبهه، امتاز فيلم الحريف بالصدق في عرض القضية، بل وجعل القصة هي المحرك الأساسي للفيلم، وأهم ما يميز الطاقم التمثيلي دون استثناء هو عرض مشاعرهم الإنسانية على الوجوه بصدق تام، وتشعر معهم أنك لست معهم فقط بل فيهم أيضًا.

مشاهد الفيلم الفرعية أيضًا لا تقل أهمية عن الأحداث الرئيسية، فبالطبع هي متشابكة ومتصلة فالأستاذ عبد المجيد ظل طيلة عمره في انتظار مكالمة من التلفزيون، ولكنه مات قبل أن يجيب عليها بنفسه.

فارس الذي يمكنه أن يبيع مباريات كرة القدم من أجل صفقة خاصه له، تجده رغم ضيق حاله يساعد كابتن نور بدون زيف فقط بداعي الحب والمساعدة.

قد يبدو من الغريب الآن فشل الفيلم سينمائيًا في دور العرض، فالقصة ممتازة دون خطأ في أي سياق درامي، الإيقاع متوازن، الحوار شيق، الكادرات مبهرة، التمثيل لا غبار عليه، ربما ظلم بحكم زمانه وبحكم الأفلام الجماهيرية الأخرى التي دخلت السباق مع الحريف ولكنه يظل واحدًا من أهم الأفلام المصرية وأكثرها حبكةً وتوازنًا بين جمال التمثيل والسيناريو والقصة والموسيقى والأغاني والإخراج.

كادر خان المميز

في بداية الأمر لم أكن أفهم معنى النهجان في بداية ومنتصف ونهاية الفيلم ولكني الآن أرى بوضوح رمزية المعاناة الدائمة التي صورها خان في حياة كُل حرفي.

لا يمكنني أن أختم حديثي دون الحديث عن موسيقى هاني شنودة وتفردها واتصالها المباشر بالقلوب، موسيقى هاني شنودة التي جعلتني مؤمنًا -أنه وحده- دونًا عن كل عظماء الموسيقى التصويرية من أكد مقولة أنه يمكن للموسيقى أن تتكلم.

كادرات خان اللي دارت أغلب الوقت في الشوارع دليل على التوهة والحيرة، وبالطبع أغنية المصريين التي كتبها العبقري صلاح جاهين، أغنية تجعلني أموت أربع مرات أثناء إستماعي لها، كُل الحب لجميع القائمين على هذه التحفة الفنية.

أحاول أن أكتفي بما كتبت فأكتب مجددًا، فقد رأيت فارس الإنسان الطبيعي لا البطل الذي ينتصر دائمًا ويعيش حياة مستقرة، صراعه مع واقعه ومع الحب، يملك التفرد في عمله وفي لعبه الكرة ولا يهتم، تائه وبسيط ويحلم بقصة جديدة بعد ماتش الوادع، الحريف فينا ونحن فيه.


إنتصار الحريف
ذو صلة

وكما قال والد الشعراء فؤاد حداد ”أنا قلبي كورة شراب“ وهذا الوصف لا يوجد أبلغ منه لوصف قلب فارس الحريف بينما تظل كلمات جاهين هي الأصل وأساس وصف أحداث الفيلم تفصيلًا فدائمًا ما كانت:


”الشوارع حواديت

حوداية الحب فيها

وحوداية عفاريت…

واضحكي يا حلوة لما اسمّعك“

أحلى ماعندنا ، واصل لعندك! سجل بنشرة أراجيك البريدية

بالنقر على زر “التسجيل”، فإنك توافق شروط الخدمة وسياسية الخصوصية وتلقي رسائل بريدية من أراجيك

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة