فيلم الحريف أهم فارس في سينما خان

فيلم الحريف إخراج محمد خان
خالد سليمان
خالد سليمان

6 د

كأي طفل ساذج في العاشرة من عمره أحببت فيلم الحريف من أجل ما فيه من مشاهد كرة القدم، ولكني حينما كبرت اختلف الموضوع تمامًا، اختلف جملة وتفصيلًا.

ستجد في سينما خان ثلاثية الفوارس أو فوارس خان الثلاثة، حيث أنه قدم ٣ أبطال بنفس الاسم أحمد زكي في طائر على الطريق، محمود حميدة في فارس المدينة ويتوسطهم الحريف عادل إمام.

قدم عادل إمام دورًا مختلفًا تمامًا وتفوق فيه على نفسه، وقد عُرض الفيلم بالأساس على أحمد زكي لكنه رفضه لاختلاف في وجهات النظر مع محمد خان مخرج الفيلم، ومع ذلك حضر فيه بصوته وهو يلقي قصيدة أمينة جاهين، في الحقيقة كنت أتمنى لو قام زكي بلعب الدور، ولكن على أي حال لم يخيب الزعيم أملي بأدائه المتميز.

قصيدة أمينة جاهين فيلم الحريف

سألت نفسي لماذا سُمى الفيلم بالحريف ما دام غرضه الأصلي لا علاقة له بكرة القدم؟ الحريف هو صاحب الحرفة، الصنايعي الموجود بشكل دائم في حياتنا، مكسبه من عرق جبينه، شخص لا يملك سوى أن يحارب يوميًا لأنه لا يضمن مرتبًا ثابتًا في نهاية الشهر.

ذو صلة

الحريف فيلم متكامل بدايةً من اختيار الأسماء، حيث فارس لم يكن فارسًا وأمله شبه معدوم، ورزق مقاول مباريات الكرة وهو المتحكم في رزق فارس، كابتن نور الذي يعيش على أطلاله لم يعد مُنيرًا منذ زمن، ومُختار من وضع سكة الاحتراف الخارجي لتسويق وشراء السيارات من الخارج، حتى عزيزة زميلته في مصنع الأحذية لم تكن عزيزة كما ينبغي، كنايات وظفت بأسلم طريقة.


من كواليس فيلم الحريف

من كواليس فيلم الحريف

في بداية الفيلم تلمح بسهولة حالة فارس الاجتماعية، فكادر خان الأول تتبع خطوات فارس من غرفته المتواضعة فوق سطح المبنى حتى وصوله للمصنع، فارس لم يكن يحب التقيد وهذا يبرر غيابه المتكرر من عمله، واستخدم خان كرة القدم كرمزية للمكسب من الحرفة، وفي لحظة قد تجد نفسك عاجزًا عن العمل مبتور القدم تمامًا كرزق الإسكندراني.

وصف خان للبيئة الحرفية كان في منتهى الدقة، فكل منا جلس يومًا على القهوة ووجد الصنايعية يلعبون ويتشاجرون ومن ثم يتفقوا على العمل في صباح الغد، بسطاء ومتعبين لم يحلموا سوى بعيشة كريمة.

عادل إمام من فيلم الحريف

”نجاح الموجي“ في دور ”عبد الله“ قدم واحدة من أجمل أدواره بعيدًا عن الكوميديا، فهو الحرفي الفقير الذي قُتل بالخطأ من أجل قوت يومه، وهو النبيل في عز أزمته قرر أن يساعد بدفع سيارة أحد المارة حتى تسير، ثم بكى وبدون أي تأويل للمشهد فقط بكى!


نجاح الموجي في الحريف

رمزية التعامل بالقوة وظفها خان في فارس وعبد الله، فالخيار الأول في حل المشكلات هو الضرب، وأزواجهم تفاوتوا في تقبل الأمر، فتقبلت زوجة عبد الله وهو القائل لها أثناء ضربها ”يا ولاد الكلب ده أنتم بتاكلوا ٢٠ كيلو رز فالشهر!“ ربما تلك إحدى الجُمل التي تبرر بكاءه.

وعلى النقيض فزوجة فارس قررت الانفصال ورفض العنف وحتى عندما زارها فارس فمع أول مشادة كلامية هَمّ ليضربها وقالت له ”أضرب ما تضرب أهو ده اللي أنت فالح فيه“ في حالة من اليأس وقد أدركت أنه لن يتغير.

عادل إمام في الحريف

انتقلت جينات فارس إلى ابنه بكر، لم يجادله أبوه فقد رأى فيه نفسه وسأله ”بتعرف تعمل شاي؟“ لم يكن بكر محبًا للعلم وأحب الحرفة وكأغلب أطفال هذا السن فهم يحلمون بالمكسب السريع، ثم يكتشفون بمرور الشهور والسنين مدى صعوبة العمل باليومية أو حتى بالإنتاج.

الأجر اليومي الذي يمسك كُل عامل من يدّه، تجعله مُطالبًا طيلة الوقت أن يتخطى صدماته سريعًا، وقد جُسدت تلك المأساة بطريقة مبهرة، لم يكن يعلم فارس بوفاة والدته وحينما علم بعد أسبوع من الحدث بدى لي أنه يبكي ولا يبكي، وحينما قابل سعاد -الفتاة التي يقيم معها علاقة غير شرعية- قاطع كلامها بقوله ” أنا أمي ماتت!“.

وحينما ذهب لوالده قال له مباشرة دون تمهيد ” أبّا أمي ماتت“ فكان رد أبوه في جملة واحدة، جملة من أكثر جُمل اللامبالاة التي سمعتها في تاريخ السينما ”معاك سيجارة؟ كُلنا هنموت“.

المشهد الحواري الأهم في الحريف

لا تترك لنا الحياة الكثير من الوقت بل إنها تترك الكثير من الألغاز، ومع عملك اليومي لا يوجد رفاهية الحزن أو الفرح المبالغ فيه، فقد يَعني هذا جوعك للأسف.

أريد أيضًا أن أتحدث عن مشهد الكباريه، حينما نظر فارس لأحد الفتيات وأعجبته وقرر أن يذهب إليها، فلم يتحدث ولكنه أظهر كرته الصفراء وقرر أن يتلاعب بها فهي حرفته وصنعته الوحيدة، مشهد يحمل فوق كتفه الحرية في ثوب الأسى.

بعدما ضاقت كُل الطرق بفارس قرر أن يختار سكة مختار المشبوهة، فلم يكن أمامه بديلًا آخر، فقد تم رفده من المصنع، ورزق الإسكندراني وجد له حريفًا جديدًا، فكان مختار حله الوحيد، وقرر خان بعد إبراز معاناة المهمشين بشكل قوي وفج أن ينتصر لفارس ولكل حرفي، قرر فارس النزول للملعب لمرة أخيرة قائلًا ”أنا هلعب مع الخسران“ فلا خسران سوى فارس ومع ذلك ”مفيش غير حريف واحد يا أبو رجل خشب“.

عادل إمام وعبد الله فرغلي

انتصر الحريف لنفسه ولابنه ولأهله ولكل من يشبهه، امتاز فيلم الحريف بالصدق في عرض القضية، بل وجعل القصة هي المحرك الأساسي للفيلم، وأهم ما يميز الطاقم التمثيلي دون استثناء هو عرض مشاعرهم الإنسانية على الوجوه بصدق تام، وتشعر معهم أنك لست معهم فقط بل فيهم أيضًا.

مشاهد الفيلم الفرعية أيضًا لا تقل أهمية عن الأحداث الرئيسية، فبالطبع هي متشابكة ومتصلة فالأستاذ عبد المجيد ظل طيلة عمره في انتظار مكالمة من التلفزيون، ولكنه مات قبل أن يجيب عليها بنفسه.

فارس الذي يمكنه أن يبيع مباريات كرة القدم من أجل صفقة خاصه له، تجده رغم ضيق حاله يساعد كابتن نور بدون زيف فقط بداعي الحب والمساعدة.

قد يبدو من الغريب الآن فشل الفيلم سينمائيًا في دور العرض، فالقصة ممتازة دون خطأ في أي سياق درامي، الإيقاع متوازن، الحوار شيق، الكادرات مبهرة، التمثيل لا غبار عليه، ربما ظلم بحكم زمانه وبحكم الأفلام الجماهيرية الأخرى التي دخلت السباق مع الحريف ولكنه يظل واحدًا من أهم الأفلام المصرية وأكثرها حبكةً وتوازنًا بين جمال التمثيل والسيناريو والقصة والموسيقى والأغاني والإخراج.

كادر خان المميز

في بداية الأمر لم أكن أفهم معنى النهجان في بداية ومنتصف ونهاية الفيلم ولكني الآن أرى بوضوح رمزية المعاناة الدائمة التي صورها خان في حياة كُل حرفي.

لا يمكنني أن أختم حديثي دون الحديث عن موسيقى هاني شنودة وتفردها واتصالها المباشر بالقلوب، موسيقى هاني شنودة التي جعلتني مؤمنًا -أنه وحده- دونًا عن كل عظماء الموسيقى التصويرية من أكد مقولة أنه يمكن للموسيقى أن تتكلم.

كادرات خان اللي دارت أغلب الوقت في الشوارع دليل على التوهة والحيرة، وبالطبع أغنية المصريين التي كتبها العبقري صلاح جاهين، أغنية تجعلني أموت أربع مرات أثناء إستماعي لها، كُل الحب لجميع القائمين على هذه التحفة الفنية.

أحاول أن أكتفي بما كتبت فأكتب مجددًا، فقد رأيت فارس الإنسان الطبيعي لا البطل الذي ينتصر دائمًا ويعيش حياة مستقرة، صراعه مع واقعه ومع الحب، يملك التفرد في عمله وفي لعبه الكرة ولا يهتم، تائه وبسيط ويحلم بقصة جديدة بعد ماتش الوادع، الحريف فينا ونحن فيه.


إنتصار الحريف

وكما قال والد الشعراء فؤاد حداد ”أنا قلبي كورة شراب“ وهذا الوصف لا يوجد أبلغ منه لوصف قلب فارس الحريف بينما تظل كلمات جاهين هي الأصل وأساس وصف أحداث الفيلم تفصيلًا فدائمًا ما كانت:


”الشوارع حواديت

حوداية الحب فيها

وحوداية عفاريت…

واضحكي يا حلوة لما اسمّعك“

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.