فيلم English Vinglish الهندي، فيلم كوميدي يظهر لنا معاناة نساء العالم الثالث

فيلم English Vinglish
1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

ما زلت أذكر أول مرة تلقيت فيها خبر إصدار فيلم English Vinglish، صراحةً استقبلت الخبر باستغرابٍ شديد، كيف لا وكل ما يدور حول هذا الفيلم يبعث على السخرية؟ فيلم تدور قصته حول تعلم الانجليزية، مخرجة لم نسمع عنها من قبل وطاقم تمثيلٍ شبه مجهول، لكن بوليوود مليئةٌ بالأفلام ذات القصص المبتذلة، بالإضافة إلى أن لكل شخصٍ شهير نقطة بداية يكون قبلها مجهولاً، إذن يمكننا غض الطرف عن هذه العناصر والانتقال إلى العنصر الأغرب والأهم هنا: شريديفي.

شريديفي هي ممثلة هندية شهيرة، لها تاريخها الطويل وتلقى احتراماً كبيراً في بوليوود، سطع نجمها خلال الثمانينات وقدمت لائحة طويلة من الأفلام الكلاسيكية الخالدة التي حصلت بفضلها على عدد كبير من الجوائز والتكريمات، كما تعتبر الممثلة المفضلة لدى المخرج العظيم الراحل ياش شوبرا.

إلا أن هذه الفنانة كانت قد اعتزلت السينما تماما منذ سنة 1997 مخلفةً ذهولاً وحسرةً بين محبي السينما الهندية، والذين احتفظوا بصورة جميلة جداً للنجمة في ذاكرتهم، لكنها بعد كل هذه السنين، تظهر من العدم لتشارك في فيلم كهذا، حقاً؟ لماذا؟

ما الذي قد يدفع فنانةً كبيرة للعمل في فيلم مماثل، هل هي محاولة بائسة للعودة للساحة الفنية بعد أن نسيها الجمهور ولم تعد تمثل له أكثر من ذكرى جميلة؟ هل هي الحاجة للمال؟ صراحة لم أجد مبرراً يقنعني، لكنني على كل حال قررت مشاهدة الفيلم من باب الفضول، تملؤني مشاعر الأسف على حال النجمة السابقة، لكن ما إن مرت دقائق معدودة حتى بدأ هذا الإحساس يتحول إلى مشاعر من الاحترام والتقدير للفنانة القديرة شريديفي.

بوستر فيلم English Vinglish

على الرغم من أن هذا الفيلم هنديٌ بلمسةٍ كوميدية، إلا أنه -بالنسبة لي على الأقل- شكل تصويراً لمعاناة نساء العالم الثالث بصفة عامة والمرأة العربية بشكل خاص، لذلك فإن الزاوية التي سأتناول منها شرحي للفيلم في هذا المقال، تشكل تقييمي الشخصي الذي قد يوافقني فيه البعض ويختلف معي فيه البعض الآخر.

الجو العام للأحداث وأصل المشكل

أحداث فيلم English Vinglish تدور حول “شاشي” بشكل رئيسي، ربة البيت التي تتعلم الإنجليزية في محاولة لاسترجاع هبتها واحترامها داخل أسرتها، لكنني أفضل أن أبدأ القصة -بطريقتي- من الزوج، رجل الأعمال الميسور الذي تلقى تعليماً ممتازاً، والذي عندما قرر أن يستقر ويتزوج، لم يقع اختياره سوى على “شاشي”، الفتاة البسيطة التقليدية وذات المستوى التعليمي المتواضع، ليس فقط لأنه أحبها وأراد تمضية بقية حياته معها، بل لأنها في المقام الأول تعتبر “زوجةً مثالية”، فهي جميلة، مطيعة، تتقن أصول الطبخ وصناعة الحلويات، وربة بيتٍ “شاطرة” فبالتأكيد ستكون أماً رائعة أيضاً. حسناً، إلى هنا يمكننا اعتبار الوضع طبيعياً فمثل هذه الزيجات تحدث كل يوم، فليست كل العلاقات الزوجية قائمة على أساس العلاقات العاطفية، إضافة إلى أن لكل شخصٍ الحق في اختيار شريك الحياة الذي يراه الأمثل، من منا يستطيع لوم الزوج؟ لا أحد.

ننتقل إذن إلى سنواتٍ طويلة بعد الزواج، حيث كبر الأبناء واستقلوا نوعاً ما عن حاجتهم إلى أمهم، خصوصاً الإبنة الكبرى التي أصبحت مراهقة تمضي أغلب وقتها وحيدة في غرفتها ولا تخرج منها إلا لتناول الطعام، لأن المائدة هي المكان الوحيد التي تجتمع عليه الأسرة كحال معظمنا، هذه المائدة التي بدأت تجليات المشكلة في الظهور حولها، أتحدث هنا عن الأب الذي يتحدث مع أبناءه باللغة الانجليزية في حضور أمهم التي يعلمون جميعا جهلها لهذه اللغة لكن لا أحد يهتم، أما الأم المسكينة فتبقى مبتسمة على كل حال وكاتمة انزعاجها بينما تؤدي الدور الوحيد المتبقي لها على المائدة: توزيع الطعام.

فيلم English Vinglish - شريديفي

لكن المشكلة هنا تكمن في غياب أية “مشكلة” واضحة، أو شيء جدي مزعج لتشتكي منه هذه الزوجة، إنما يكمن المشكل في تلك التفاصيل “التافهة” والجانبية التي تحدث كل يوم فتزيد الطين بلة وضيقاً في صدر هذه السيدة “البسيطة” التي يوجد مثلها أعداد لا تحصى حول العالم، ابتداءاً من اندثار معظم مهامها وتقلص أهميتها إلى مجرد عاملةٍ في المطبخ وملبية لحاجيات زوجها وأطفالها الذين لا يلجؤون لها سوى عند حاجتهم “للحنان” والحضن الدافئ، بينما يتم اللجوء للأب في كل صغيرة وكبيرة وفي جميع النقاشات جديةً كانت أم هزلية والتي تهمش فيها الأم، مروراً بسخرية ابنتها منها كلما سنحت الفرصة، وصولا إلى رفض الأبناء مرافقة أمهم لهم عندما يتم استدعاء الآباء إلى المدرسة، وشعورهم بالعار من اصطحابها معهم لأنها “لا ترقى” لمستوى الآباء الآخرين، أو على الأقل لا ترقى لمستوى أبيهم الذي يفتخرون به.

محاولة التغيير

لم تعد شاشي قادرةً على احتمال المزيد من هذه الإهانات التي لا يحس بها أحد غيرها، والتي لا تستطيع البوح بها لأي شخص لأن الأمر سيبدو تافهاً جداً ومبالغاً فيه، لذلك تقرر أن تتغير في محاولة لاسترجاع كرامتها وكبريائها من خلال بدء مشروع خاص بها تجني منه أرباحاً من خلال أكثر شيء تحبه وتتقنه : صناعة الحلويات.

هنا نلاحظ حماس شاشي ولهفتها على ما تفعل، وبالفعل فقد لقي المشروع نجاحاً إلا أن الأمر أكبر من مشروعٍ ومال بالنسبة لها، إنها محاولة لإثبات ذاتها وللفت نظر زوجها وأبنائها إلى أنها أيضا سيدة ناجحة، لكن الأمر لم ينجح، “سيدة الأعمال” المبتدئة هذه لم تساوي في أعين أقرب الناس لها أكثر من صانعة للطعام كما كانت من قبل، الفرق الوحيد هنا أنها أصبحت تتقاضى مالاً مقابل عملها، فقط لا غير !

القطرة التي أفاضت الكأس

على الرغم من أن أسرة شاشي قد سببت ضغطاً عصبياً قوياً لبطلتنا، إلا أنها لم تكن السبب المباشر في لجوءها لتعلم اللغة الإنجليزية، بل كان السبب المباشر هو سفرها المفاجئ لأمريكا لحضور حفل زفاف ابنة أختها، حيث بدأ الجزء الثاني من المعاناة، ابتداءاً من المشاكل التي واجهتها في المطار، مروراً بذلك المشهد القاسي في مطعم الأكل السريع عندما قصدته جائعةً لكنها لم تتمكن حتى من طلب الطعام في ظل الزحام والضغط الواقع على النادلة التي لا تملك الوقت لفهم شاشي والصبر على محاولاتها لنطق الكلمات بشكل سليم، وصولاً إلى ذلك المشهد “الكوميدي” الذي تجتمع فيه عائلتا العروسين في جو من المرح والضحك والحديث بينما تجلس شاشي كالصماء بينهم، تضحك عندما يضحكون دون أن تفهم كلمة واحدة.

استسلمت شاشي للواقع وفهمت أن تعلمها لهذه اللغة سيمكنها على الأقل من تجاوز احتقار الذات الذي تولد عندها، وبعد عدة عراقيل استطاعت بالفعل الالتحاق ببرنامج لتعليم اللغة الانجليزية للأجانب، قامت بذلك خلسة خوفاً من سخرية من حولها من جهة، ومن جهة أخرى لتضمن أن يبقوا على طبيعتهم لتفهم ما يدور حولها دون علم منهم.

لكن هذا البرنامج أعطاها أكثر من ذلك بكثير، أعطاها ثقةً بالنفس، فرصةً للتحدث والتعبير دون أن يقاطعها أحد أو ينتقص من قيمة حديثها كما كان الأمر مع أسرتها، لقد مكنها ذلك التعليم الذي تلقته من فتح أعينها على العالم شيئاً فشيئاً، مكنها من مشاهدة الأفلام الأجنبية، من تلبية تلك الاحتياجات البسيطة التي لم تكن تستطيع تلبيتها سابقا، أما الأهم هنا هو تمكينه لها من الالتقاء بأصدقاء يحترمونها، وما أشد حاجتها لهذا الاحترام !

فيلم English Vinglish - طاقم الممثلين

لكن هل انتهت المشكلة هنا؟ لا، أبداً…و في رأيي فإن أقسى جزء في فيلم English Vinglish هو ذلك الجزء الذي تلتحق فيه الأسرة بشاشي في أمريكا، والتي استقبلت الأم وصولها بانزعاج شديد رغم أنها سابقا كانت تترجى زوجها لكي لا يتركها وحيدة في بلاد الغربة، إلا أنها كانت صائبة في انزعاجها.

بدأت الأم تلاحظ الفرق بين معاملة أسرتها ومعاملة أصدقائها لها، لكنها واصلت صمتها حيال تعلمها الإنجليزية فصدمت مما سمعت وفهمت، إنهم زوجها وأبناؤها الذين أفنت عمرها في سبيل سعادتهم وتحملت تذمرهم ونكرانهم للجميل، يسخرون منها الآن أمام الجميع، وفي حضورها، ظنا منهم أنها لا تفهم ما يجري حولها، إلا أنها استطاعت تلقينهم درساً لا ينسى بطريقة بالغة الهدوء والذكاء.

لن أفسد عليكم نهاية الفيلم بل أدعوكم لمشاهدته والاستمتاع به كما فعلت، فهو يتميز، بالرغم من كل ما ذكرت، بطابع درامي مع لمسة كوميدية جميلة، وبجو هادئ وممتع، لكن أكثر ما شدني له هو تركيزه على الضغط النفسي الذي تعاني منه أغلب ربات البيوت والذي يفوق التعب الجسدي للطبخ والتنظيف ليتجاوزه إلى البحث عن الاحترام والتقدير والاعتراف بالجميل من طرف الزوج من جهة والأبناء الذين –غالباً- لا يعرفون قيمة أمهم إلا عندما يتقدم بهم العمر وتضيق بهم الحياة أو،في حالة أسوء، بعد فوات الأوان.

يشكل الفيلم التجربة الإخراجية الأولى والوحيدة لحد الآن للمخرجة غوري شيند التي قدمت لنا فيلماً رائعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فيلم خفيف لكنه عميق، ممتع ومؤثر في نفس الوقت، وقد تم تتويج عملها بفوزها ب 8 جوائز لأفضل مخرجةٍ مبتدئة في عدة حفلات جوائز أهمها حفل جوائز الفيلم فير (سنة 2012) الذي يحظى بأهمية بالغة في بوليوود، إضافة إلى حصولها على جائزة الإعلام الوطني لتطرقها لموضوع مشاكل النساء في الهند.

فيلم English Vinglish - المخرجة غوري شيند

تجدر الإشارة إلى أن مخرجة الفيلم قد صرحت في أكثر من لقاءٍ ومناسبة أنها صنعت هذا العمل السينمائي كهدية اعتذار لأمها (التي وجهت لها الإهداء في نهاية الفيلم)، وأن الفتاة المراهقة في فيلم English Vinglish تمثل المخرجة نفسها التي كانت تعامل أمها بوقاحة واحتقار عندما كانت مراهقة، وكانت تخجل من اصطحابها معها إلى عدة أماكن خجلاً من سخرية أصدقائها منها لأن أمها ضعيفة الثقافة ولم تتلق سوى تعليماً متواضعاً إضافة إلى أن لغتها الإنجليزية كانت رديئة جداً و”مثيرة للإحراج”.

أما بالنسبة للرائعة شريديفي فقد قدمت أداءا مقنعا وصادقا لتلك المرأة الطيبة والبسيطة التي تتحمل الحزن والعناء في سبيل سعادة عائلتها، لتبرهن لنا أنها لا تزال واحدة من أكثر الممثلات الهنديات موهبةً وأكثرهن استحقاقاً للتقدير والاحترام.

وقد لقي الفيلم نقداً إيجابياً ونجاحاً تجارياً هائلاً حول العالم وحاز على عدة جوائز كما تم اختياره لتمثيل الهند في اللائحة الأولية للأفلام المرشحة عن فئة أفضل فيلم أجنبي في حفل جوائز الأوسكار سنة 2013.

هل شاهتم فيلم English Vinglish سابقاً؟ وما رأيكم بهذا الفيلم؟

تريلر فيلم English Vinglish

1

شاركنا رأيك حول "فيلم English Vinglish الهندي، فيلم كوميدي يظهر لنا معاناة نساء العالم الثالث"

  1. Yassir El Attar

    مرة أخرى، مقال ولا أروع… هذا الفيلم له مكانة خاصة عندي، فهو من الأفلام القليلة جدا التي جعلت الدموع تملأ عيني… لا أذكركم مرة شاهدته، ولكني قد أترك أي شيئ في سبيل الاستمتاع بألوان ومشاعر هذه القطعة الفنية الفريدة من نوعها… أشكرك كثيرا لهذا التفصيل الذي جعلني أخطط لإعادة مشاهدة الفيلم في أقرب وقت… دمت دائما متألقة يا هدى 🙂

    • Houda Chnaibi

      العفو يا ياسر…بالفعل هذا الفيلم يعد من أجمل وأقضل أفلام بوليوود على الإطلاق…شكرا لك على التعليق الجميل مرة أخرى

  2. Houda Chnaibi

    العفو يا ياسر…بالفعل هذا الفيلم يعد من أجمل وأقضل أفلام بوليوود على الإطلاق…شكرا لك على التعليق الجميل مرة أخرى

أضف تعليقًا