الصحافة كمصدر إلهام للسينما
0

في أيامنا هذه أصبحت السينما تستمد إلهامها من مصادر لم تخطر لنا على بال، كبوست على السوشيال ميديا أو رسالة نصية خاطئة أو حتى مجرد صورة مُلتقطة يمكن تحويرها لتصبح شيئًا يستحق أن يُحكى. لكن أقرب مصادر إلهام السينما إلى قلبي هي بالطبع مهنتي الأم وهي الصحافة. المفارقة هنا أن حُبي للصحافة منذ الطفولة بدأ بمشاهدتي لأفلام تصور مهنة الصحافة كمهنة المخاطرة والبحث عن الحقيقة التي أيقظت بداخلي حب البحث والمعرفة.

لذا رأيت أن واجبي يحتم علي أن أبحث عن ذلك المزيج المثالي بين عشق الصحافة والسينما، والذي وجدته لحسن الحظ في أفلام أخذت من الأعمال الصحفية -مقالات وتحقيقات وفيتشرات- أساسًا لها ومصدرًا لإلهامها، ولم تقتصر فقط على الأعمال التي تكشف الفساد أو المليئة بالمخاطر والصعوبات، وإنما أيضًا شملت قصصًا إنسانية تقشعر الأبدان عند قراءتها، وكذلك عند مشاهدتها. لذا سأعرض بعضها في الفقرات التالية:

 Beautiful Day in the Neighborhood (2019)

استوحى فيلم A Beautiful Day in the Neighborhood قصته من مقالة للصحفي توم جونود بعنوان Can You Say…Hero? بمجلة Esquire عام 1998. تتحدث المقالة عن المُقدم التليفزيوني الأمريكي فريد روجرز مقدم برنامج حي السيد روجرز والذي كانت مشاهدته بمثابة تقليد لدى الأطفال الأمريكيين منذ ستينات القرن الماضي حتى بداية الألفية.

في المقال، ينقل الصحفي الخبر المذهل لروجرز من خلال سلسلة من الحكايات: فروجرز قس مشيخي، يصلي من أجل الناس بالاسم كل يوم. يقيم علاقات في كل مكان يذهب إليه، يقابل معجبًا شابًا مصابًا بالشلل الدماغي، يساعد طفلًا كفيفًا كان يكافح من أجل الصلاة، ولم يكن يرفض أبدًا الاستماع لحكايات المعجبين كما كان يحب التقاط صور لكل شخص يقابله ليُظهره لزوجته جوان -كما فعل مع توم نفسه عندما ذهب ليُجري معه مقابلة-.

يقول جونود بعد مقابلته لروجرز لأول مرة:

“لقد كان لغزًا كاملًا بالنسبة لي، كيف يمكن أن يكون هكذا بالفعل، وكيف يمكنه البقاء على ما هو عليه. لم يكن ذلك تمثيلًا ، لم يكن عرضًا.”

بالنسبة لجونود، كان هناك دائمًا القليل من سوء الفهم حول روجرز، إنه ليس مثل سوبرمان، إنه ليس من عالم آخر، بل إنه مثل باتمان:

باتمان لم يكن لديه أي قوى خارقة. لقد جعل نفسه بطلًا خارقًا بحزام أدواته وكل تدريباته. من الواضح أن لدى السيد روجرز درسًا ليعلمه عن اللطف، لكنني أعتقد أن لديه أيضًا درسًا ليعلمه عن الوصول إلى اللطف، فهذا اللطف ممارسة أيضًا.”

يبدأ الفيلم كحلقة من حلقات برنامج حي السيد روجرز حيثُ يقوم فريد روجرز -الذي يؤدي دوره ألطف ممثل في العالم توم هانكس– وهو يرتدي كارديجانه الأحمر الشهير، بتعريف المُشاهد بقصة عن صديقه الصحفي لويد فوغل -المبني على شخصية جونود- وكيف أصبحا صديقين عزيزين، وكيف ساعد فريد لويد على تحسين علاقته بوالده.

لم تكن قصة علاقة الصحفي بوالده التي ظهرت في الفيلم حقيقية، وإنما أُضيفت لدوافع درامية، ولكن بقية الفيلم كانت قريبة للغاية من الواقع، وأظهرت تأثيرًا فريدًا على الصحفي الشاب آنذاك الذي ما زال يدين له بالفضل حتى الآن على تغيير حياته، وتغيير نظرته إلى العالم، وأيضًا دافع له ليصبح شخصًا ألطف، ويمكنني أن أبالغ وأقول إن هذا ما سيشعر به المشاهد أيضًا عند رؤية الفيلم وإذا سنحت له الفرصة للقراءة عن القصة الحقيقية لهذا الرجل النادر واللطيف، ومشاهدة بعضًا من حلقات برنامجه المميز.

Our Friend (2019)

استلهم فيلم Our Friend قصته من مقالة كتبها الصحفي ماثيو تيج في مجلة Esquire بعنوان The Friend: Love Is Not a Big Enough Word عام 2015 عن تجربته مع مرض زوجته بالسرطان ودور صديقه في مساعدته هو وعائلته. نالت هذه المقالة جائزة National Magazine عام 2016.

يروي فيلم Our Friend قصة الصحفي ماثيو، الذي سافر حول العالم كمراسل أجنبي، حيث كان يكتب تقارير من دول مثل أفغانستان، وسريلانكا، والصين، وأيرلندا، لصالح ناشيونال جيوغرافيك، وفانيتي فير وأكثر من ذلك. لقد أمضى سنوات في سرد ​​قصص لأشخاص آخرين حكايات معقدة ومتعلقة بجواسيس وعملاء مزدوجين ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الخارج. لكن أعظم قصة كتبها وقعت في منزله، في بلدته الصغيرة فيرهوب، ألاباما.

في عام 2012، تم تشخيص إصابة نيكول زوجة ماثيو بسرطان المبيض في سن 34. كان الزوجان معًا لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، ولديهما ابنتان. في ديسمبر 2013، جاء صديق ماثيو ونيكول المقرب داين فووتشوكس من نيو أورليانز، لزيارتهما بعد عيد الشكر. في خضم تشخيص نيكول وبدأت مراحل الاحتضار التي لا يتحدث عنها أحد، كانت الخطة أن يبقى معهم لعدة أسابيع، لكنه بقي حتى توفيت نيكول، بعد أكثر من عام. تولى داين أدوارًا متعددة في تلك الفترة، فكان مدبر المنزل وجليس الأطفال ومقدم رعاية لنيكول ومات.

إنها قصة صداقة عميقة للغاية ولطيفة ودائمة لدرجة أنك لا تعتقد أنها حقيقية، لكنها كذلك. وهذا ما جذب كاتب السيناريو براد إنجلسبي للقصة، فبمجرد قراءته للمقال تساءل عما إذا كانت تصلح لفيلم روائي طويل، وقال عن شعوره وقتها:

“هناك شيء قوي بشأن الأشخاص الذين سيبقون حتى النهاية. أنا مهتم دائمًا برحلات الشخصيات، حيث يتعين على الناس التعامل مع العقبات والصدمات في حياتهم، وقد تضمنت هذه القصة كل شيء”.

 وبالفعل صدق إحساسه وصنع فيلمًا عاطفيًا وصادقًا وجميلًا وحزينًا في الوقت ذاته، ولم يستطع التخلص من تأثير كلمات المقال عليه لدرجة أنه استعان بجمل كاملة من المقال مثل كلمات الطبيب أثناء تشخيصه:

 “مثل قيام شخص ما بغمر فرشاة الرسم بالسرطان ووضعها حول بطنها”

وهي إحدى التفاصيل من قصة تيج التي قيلت مباشرة في الفيلم، وكذلك في مشاهد ما بعد وفاة نيكول عندما نرى مات يجلس أمام الكمبيوتر الخاص به محاولًا أن يكتب عن تجربته نرى هذه الجملة والتي تلخص الفيلم بأكمله:

“أعتقد أنني تمسكت بإحساس أرضية المستشفى وأنني أرتفع بعيدًا عنها لأنها تلتقط كل ما تبع ذلك في العامين المقبلين. صدمة الموت، وانهيار رجل واحد، ورفض رجل آخر السماح بحدوث ذلك.”

Beautiful Boy (2018)

استوحى فيلم beautiful boy قصته من التجربة المباشرة للصحفي دايفيد شيف مع ابنه المدمن نيك. وثق دايفيد رحلته العصيبة مع ابنه في مكافحة الإدمان والمرور بمراحل الانتكاس والتعافي أكثر من مرة في مقالة بعنوان My Addicted Son في مجلة The New York Times عام 2005.

صور الفيلم حكاية دايفيد ونيك بشكل حقيقي لدرجة أن دايفيد نفسه قال بعد مشاهدة الفيلم -من بطولة ستيف كاريل وتيموثي شالاميه- لأول مرة:

“مشاهدة شالاميه حطمت قلبي. كانت ساحقة مشاهدة كاريل. كنت أنظر إلى المرآة. رأيت في عينَي كاريل، الألم، واليأس، والغضب والرعب، ورأيت قلبي ينكسر.”

أضاف دايفيد في مقالة له على موقع The Guardian:

“كتب الناس أن الفيلم أدى إلى مصالحات في العائلات التي حطمها الإدمان. كتب صبي: “لقد خرجت للتو من مصحة علاج الإدمان وذهبت إلى الفيلم مع والدي. في المسرح المظلم أدركت فجأة أنه كان يمسك بيدي. لم أكن ممتنًا أبدًا للبكاء كثيرًا”.

تحول خوفي من الموافقة على السماح للآخرين بصنع فيلم يفضح عائلتنا إلى امتنان كبير. تذكرني الرسائل التي تتدفق إلينا أن كل شخص تقريبًا يعاني، سواء بسبب الإدمان أو غيره من التحديات. لا توجد إجابات سهلة، لكن العزلة والصمت يزيدان المشاكل سوءًا. على الرغم من أن مشاركة قصصنا ليست حلًا سحريًا، إلا أننا نتذكر أننا لسنا وحدنا. ونحن لسنا كذلك. يمكن أن نجد من يدعمنا، يمكن أن يبدأ الشفاء.”

Spotlight (2015)

اعتمد فيلم Spotlight على مجموعة من التحقيقات الصحفية التي كشفت عن الاعتداء الجنسي المنهجي المنتشر على الأطفال من قبل قساوسة الروم الكاثوليك في أبرشية بوسطن. تولى هذه التحقيقات فريق spotlight بجريدة Boston Globe عام 2002 وأشهر ما نشروه على الإطلاق كان تحقيق Church Allowed Abuse by Priest for Years الذي أثار البلبلة.

يبدأ فيلم Spotlight مع تعيين الصحفي مارتي بارون ليكون المحرر التنفيذي الجديد لبوسطن جلوب. يحث بارون فريق Spotlight في الصحيفة على الالتفات إلى محامٍ يُدعى ميتشل غارابديان، الذي يقول إن الكاردينال برنارد ك. لاو علم أن كاهنًا يُدعى جون جيوغان كان يعتدي جنسيًا على الأطفال ولم يفعل شيئًا لمنعه. وبدأ الفريق المكون من والتر روبنسون، ومايكل ريزينديس، وساشا فايفر، ومات كارول من التحقيق في الأمر مع الإبقاء على حذرهم من قوة الكنيسة الكاثوليكية في بوسطن، حتى اكتشفوا أن الفضيحة تتجاوز الأب جيوغان، ووجدوا ما يصل إلى 13 كاهنًا مذنبًا بنفس الجرائم في بوسطن وما حولها.

علم المراسلون في وقت لاحق من خلال ريتشارد سيب، وهو قس سابق أمضى عقودًا في دراسة الكهنة الذين يمارسون الجنس مع الأطفال، أن 6% من الكهنة مذنبون بارتكاب اعتداءات جنسية، أي ما يقرب من 90 كاهنًا في بوسطن، وهي جرائم لم تكن الكنيسة الكاثوليكية على علم بها فحسب، بل قامت بتغطيتها لعقود. كتب فريق Spotlight ونشروا اكتشافهم المؤلم في يناير 2002، مما أدى إلى استقالة الكاردينال لو في ديسمبر 2002.

صور الفيلم تحقيقات الصحفيين من صيف 2001 إلى نشر قصتهم في 6 يناير 2002. في الحياة الواقعية، نشر فريق Spotlight ما يقرب من 600 مقال حول الفضيحة وحصلت جريدة Boston Globe على جائزة للخدمة العامة عام 2003. في نهاية المقال الأصلي الذي ذُكر سابقًا أُضيف رابط للوثائق التي تثبت أن الكاردينال كان يعلم بأمر جرائم الكهنة ولم يفعل شيئًا، بالإضافة إلى رقم هاتف لاستقبال قصص الضحايا والناجين. وبالفعل تلقى الصحفيون مكالمات من أكثر من 300 ضحية، جميعهم من البالغين الذين عانوا من سوء المعاملة قبل سنوات.

ومع ذلك، في حين أن استقالة الكاردينال كان نتيجة مباشرة لتحقيقات فريق Spotlight، فقد تم بالفعل ترقية الكاردينال إلى منصب آخر ولم تتصدَّ الكنيسة للفضيحة الفعلية التي كشفها الصحفيون لسنوات عديدة.

The Bling Ring (2013)

يعتمد فيلم The Bling Ring على مقال بعنوان The Suspects wore Louboutins للكاتبة ناسي جو سالز، لصالح مجلة Vanity Fair عام 2010. يتناول المقال اكتشاف حقيقة مجموعة من السرقات التي عانى منها بعض مشاهير هوليوود، والتي ارتكبها عدد من المراهقين المهووسين بالفنانين من 2008-2009 وكيف قُبض عليهم.

تبدو القصة الحقيقية لهذه العصابة شيء خرج من أحد أفلام هوليوود، لذلك من الطبيعي أن تتحول إلى فيلم بعد حوالي خمس سنوات من وقوعها، والمفارقة هنا تتعلق بالدوافع، حيثُ أراد معظم أعضاء Bling Ring ببساطة الثروة والشهرة التي أحاطت بهم جميعًا أثناء نشأتهم في لوس أنجلوس وهوليوود، وبالفعل حصلوا عليها، وإن لم تكن شيئًا إيجابيًا.

عندما صدر مقال نانسي لأول مرة، أزال الحجاب عن التداخل المزعج بين الجريمة والشهرة التي كشفت عن آثار الشهرة ووسائل التواصل الاجتماعي والمادية. حيثُ تمت سرقة ممتلكات بقيمة ملايين من الدولارات من ضحايا هذه العصابة، مثل باريس هيلتون وأورلاندو بلوم وميراندا كير وليندسي لوهان وراشيل بيلسون وميغان فوكس.

Argo (2012)

يستند فيلم Argo على مقالة How the CIA Used a Fake Sci-Fi Flick to Rescue Americans From Tehran للكاتب والمنتج جوشواه بيرمان بموقع Wired عام 2007. تشرح المقالة كيف أنشأت وكالة المخابرات المركزية فيلمًا مزيفًا مكتملًا بنص كامل وإعلانات في Variety و The Hollywood Reporter، من أجل إنقاذ ستة أمريكيين دبلوماسيين تقطعت بهم السبل في إيران ما بعد الثورة عام 1979.

يعتمد الفيلم إلى حد كبير على المقال، بالإضافة إلى الاستعانة بمُذكرات كتبها أنطونيو مينديز -الرجل الذي يلعب دوره بين أفليك في الفيلم- كما أوضح بيرمان في محادثة مع قراء Gawker بالأمس، كان الشخص الذي أخبره عن القصة لأول مرة منتج أفلام مستقل يدعى دايفيد كلاوانس، الذي كان يأمل أن يكتب بيرمان عن ذلك قصة لطيفة قد تساعد في إنشاء فيلم. قال بيرمان: “وبشكل مثير للصدمة، لقد نجح الأمر.” وكان كلاوانس منتجًا تنفيذيًا للفيلم بالفعل.

يتطابق الفيلم بشكل كبير مع الأحداث الحقيقية لكن يوجد جانب مثير للجدل في نسخة الفيلم متعلق بإغفال دور كندا -المذكور بقوة في المقال- في المساعدة في الهروب. قبل 30 عامًا، تلقت كندا الشرف الكامل لعملية الإنقاذ، لأن الولايات المتحدة كانت قلقة بشأن التداعيات المحتملة إذا تم الإعلان عن تورط وكالة المخابرات المركزية.

لكن يصحح فيلم Argo تلك النسخة من الأحداث، أو بالأحرى يصححها بشكل مبالغ فيه، بحيث قلل من أهمية المدى الفعلي للدور الكندي، والذي كان كبيرًا. تم إيواء الأمريكيين من قبل اثنين من الكنديين: السفير كين تايلور، وموظف السفارة الكندية، جون شيردوون. في الفيلم، كلهم ​​يبقون مع تايلور، ولا يظهر جون على الإطلاق.

السفير تايلور هو الذي كلف واشنطن لبدء خطة الهروب بشكل جدي، وبمجرد اتخاذ قرار بشأن الخطة، قام الكنديون باستكشاف المطار، وإرسال الناس داخل وخارج إيران لإنشاء أنماط عشوائية والحصول على نسخ من تأشيرات الدخول والخروج، واشتروا ثلاث مجموعات من تذاكر الطيران، وحتى دربوا الأفراد الستة كي يبدو كنديين. ومع ذلك لا يظهر أي من ذلك تقريبًا في الفيلم. لكن يمكننا القول إن هذا مُعتاد من السينما الأمريكية بالتركيز على بطولة ذويهم مع إغفال أدوار البقية. ومع ذلك فإن الفيلم يستحق المشاهدة بالفعل.

اقرأ أيضًا: نوبل للسلام 2021: تذهب للشرط المسبق للديمقراطية والسلام هذا العام!

 

0

شاركنا رأيك حول "الصحافة كمصدر إلهام للسينما.. أفلام مستوحاة من أعمال السلطة الرابعة"