أفلام سورية من العصر الذهبي
0

لا يُمكن إنكار تراجع السينما السّورية وتقديم أفلام سورية جيدة خلال العقدين الأخيرين، فالمؤسسة العامّة للسينما السّورية التي تميّزت سابقاً بتجديدها في الطرح والأسلوب أصبحت مؤخّراً مجرّد “مؤسسة” سوريّة أُخرى تسودها البيروقراطيّة  مع وجود استثناءات قليلة قد نسلّط عليها الضوء في مرّات قادمة؛ إلّا أننا في هذا المقال سنتكلّم عن الحقبة الذهبيّة للسينما السوريّة التي تركت جوائز عالميّة عديدة في تاريخ هذه السينما وتمكّنت من جذب انتباه الجمهور العربيّ إلى قصصها المُستمدّة من الواقع والمعروضة بصدق ودون انحيازات مُسبقة أو محاولات لفرض رؤى ثقافيّة على مجتمعات تميّزت على الدوام بغناها وتنوّعها.

ومن نتاجات تلك الحقبة الغزيرة التي امتدّت بين سبعينات وتسعينات القرن العشرين اخترت لكم أفلام سورية مميزة للغاية.

أفلام سورية من العصر الذهبي

المخدوعون 1972

قصّة هذا الفيلم مأخوذة عن رواية “رجال في الشمس” للكاتب الفلسطينيّ “غسان كنفاني” الذي تمّ اغتياله في الثامن من تموز عام 1972 وهو نفس عام صدور الفيلم، تحكي الرواية تداعيات نكبة عام 1984 على الشعب الفلسطينيّ؛ من خلال شخصيّات تجد نفسها مُرغمةً على البحث عن فتات فرص العمل والحياة الكريمة رغم الحلم الذي لم يفارقها بالعودة إلى أشجار الزيتون وأرض فلسطين.

الفيلم من إخراج المصريّ “توفيق صالح” الذي لُقّب بـ “سندباد السينما العربيّة” نظراً لتنقّله بين سوريا والعراق ومصر، واُعتبر من المخرجين القلائل الذين تركوا بصمتهم في السينما العربيّة كما يُعدّ من أهم روّاد الواقعيّة في السينما المصريّة، وقد صرّح في أحد لقاءاته عن فيلم “المخدوعون” بأنه تميّز عن باقي أفلامه بشحنة الغضب والحزن التي حملها.

الفيلم من إنتاج المؤسسة العامة للسينما السّورية، وقد حصل على الجائزة الذهبيّة في مهرجان قرطاج للأفلام العربيّة والأفريقيّة عام 1973 وتم تصنيفه بين أهم مئة فيلم سياسيّ في تاريخ السينما العالميّة.

اليازرلي 1974

اليازرلي 1974
اليازرلي 1974

هلوسة ممتعة تشلّ حركتك وتتركك تغرق في خصوصيّة المشهد والشخصيّات والحوارات، “اليازرلي” فيلم من أوائل الأفلام التجريبيّة في السينما العربيّة يروي قصّة طفل يخطو خطواته الأولى في عالم الكبار مدفوعاً بالفقر والحاجة وكلمات أبيه: “الحياة قاسية يا ابني، لا تبكي”.

يصوّر الفيلم جوانب مختلفة من الحياة في إحدى المدن الساحليّة المطلّة على بحر اسكندرونة؛ حيث نرى صغار الأحياء الفقيرة يركضون حفاةً للعمل في الميناء على جسور خشبية (صقالات) ممتدة في البحر، ونتعرّف معهم على “اليازرلي” ربّ العمل الخشن الذي يكشف لنا تدريجيّاً عن جانبه الرقيق الواقع في حبّ طائش مع “صبحيّة” الشابّة التي تتصرف بشقاوة تزيدها فتنة.

الفيلم مأخوذ عن قصّة “على الأكياس” للكاتب السّوري “حنّا مينة” وهو من إخراج العراقيّ “قيس الزبيدي” الذي صرّح بأنّه بنى معالجته السينمائيّة للقصّة على أربع ثيمات هي: “الذاكرة والوضع الاجتماعي والقوة البدنيّة والجنس”، واعتبر أنّ الرقابة العربيّة عاقبته على محاولته التجديد نظراً للحذف والتقطيع الذي تعرّض له الفيلم الذي يُعدّ تجربته الروائيّة الوحيدة.

يتميّز الفيلم بموسيقاه التصويريّة من تأليف الموسيقيّ العراقيّ “صلحي الوادي” وهو من إنتاج المؤسسة العامة للسينما السّورية عام 1974، ومن بطولة عدد من الممثلين السوريين مثل منى واصف وعدنان بركات، أمّا الصِبية أبطال الفيلم فقد تعرّف عليهم الزبيدي في موقع التصوير بين مدينتيّ طرطوس واللاذقية السوريتين واختارهم ليمثّلوا معه للمرّة الأولى.

أقرأ أيضًا: الأعمال المسرحية التي تحولت إلى أفلام عالمية

حادث النصف متر 1981

حادث النصف متر 1981
حادث النصف متر 1981

يعرض فيلم “حادث النصف متر” للمخرج السّوري “سمير ذكرى” وجهة نظر جريئة عن أسباب الفساد الأخلاقي في المجتمعات العربيّة، ففي بداية الفيلم نرافق الموظف “صبحي” الذي يبدو لمن يراقبه من البعيد أنه شخص مستقيم إلى أبعد حدّ؛ لا يكاد يُبدي رأيه بأي أمر أو يعترض على أي شيء رغم ضغوطات الحياة الكثيرة التي تواجهه إلى الحدّ الذي نصاب فيه بالسأم والملل من هذه الشخصيّة الاستسلاميّة التي تعاني من رغباتها وحاجاتها المكبوتة بصمت، ومع تقدّم الفيلم نشهد التحوّل الذي يحدث لهذه الشخصيّة التي تدفعها ظروفها للانفجار.

تجري أحداث الفيلم عام نكسة 1967 وترصد الشارع السّوري خلال حرب الستّة أيام التي تركت أثراً كبيراً على النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة في البلاد، ولا يُحاول “ذكرى” فرض رؤيته على ما يحدث أو توجيه أصابع الاتهام إنما يؤكّد لنا بطريقته الذكيّة أننا عاجزون عن بناء الإنسان في ظروف سياسيّة واقتصاديّة غير مستقرّة، ويعرض لنا نموذجين من سوريّين ما بعد النكسة: من حمّلوا أنفسهم وزر الخسارة وأصابتهم الخيبة وملأتهم المرارة، وفي المقابل من استغلّوا الظروف لتساعدهم على تطبيق أفكارهم المتطرفة الفاسدة التي انحدرت بسوريا وحوّلتها في النهاية إلى سجن كبير تغيب عنه القوانين وتملأه المحسوبيات.

الفيلم مُقتبس عن رواية “حادث النصف متر” للكاتب المصريّ “صبري موسى” الذي ألهمت روايته أيضاً المخرج المصريّ “أشرف فهمي” فحوّلها إلى فيلم عام 1983، وقد أثنى “موسى” على ربط أحداث قصّته بنكسة الـ 67 وشعر بأنّ “ذكرى” أغنى القصة بشكل كبير وأعطاها بعداً سياسياً غير مباشر، وقد تمّ اختيار الفيلم للعرض في مهرجانات سينمائيّة عديدة مثل مهرجان البندقية ومهرجان برلين وغيرهما.

الحدود 1982

الحدود 1982
الحدود 1982

يحكي “الحدود” عن بلادٍ تبدو للوهلة الأولى من وحي الخيال إلّا أنّنا مع تقدّم الفيلم نكتشف أنّ هذه البلاد ما هي إلّا وطننا العربيّ بقوانينه الجائرة وأحلام مواطنيه المكسورة، وما شخصيّاته اللاعقلانيّة المُضحكة إلّا نحن بإصرارنا وسعينا اليوميّ على إيجاد حلول وخلق أمل ضمن ظروف صعبة وظالمة.

الفيلم من إنتاج عام 1982 ويُعتبر من أفلام الكوميديا السياسيّة، وهو من بطولة الممثّل السوري دريد لحّام والممثلة السورية رغدة وغيرهما من نجوم الدراما السوريّة، ومن سيناريو الكاتب السوريّ “محمد الماغوط” الذي عُرف بحسّه النقديّ العالي والكوميديا السوداء في نصوصه.

وهو من إخراج “دريد لحّام” الذي استطاع بتعاونه مع “الماغوط” منحنا دمعة مغلّفة بضحكة من القلب، وتركنا مع تساؤلات مؤلمة من مثل: كيف سيصبح حالنا لو أنّ فكرة التضامن العربيّ التي كادت تتلاشى في زمننا الرّاهن كانت واقعاً؟

أحلام المدينة 1984

يسمح المخرج السّوري “محمد ملص” لدمشق أن تحكي عن نفسها في فيلمه “أحلام المدينة” 1984، وكأنّ الفيلم الذي لا تتجاوز مدّته الساعة والنصف عبارة عن مونولوج طويل تحكيه الشام في سهرة صفاء عن الخفايا التي تدور في أزقّتها التراثيّة الغنيّة بشخصيّات “شاميّة” صرفة تسمح لنا في كلّ كلمة أو فعل تقوم به أن نقترب من هذه المدينة ونفهمها.

تدور أحداث الفيلم حول الطفل “ديب” القادم من مدينة القنيطرة إلى دمشق مع أمّه الأرملة وأخيه، حيث نجد أنفسنا نكتشف معه هذه المدينة بفضول طفوليّ وحماس لا يخلو من الخوف في فترة سادت فيها الأجواء السياسيّة المشحونة وغير المستقرّة.

ويعرض الفيلم أصداء الانقلابات العسكريّة المتتالية على الشارع الدمشقيّ خمسينيات القرن العشرين، والتي انتهت بتحقق الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958؛ حيث ينتهي الفيلم بوصف “أبو النّور” الشخصيّة الثوريّة التي لعب دورها الممثل السوريّ “أيمن زيدان” للقمر ليلة الوحدة قائلاً: “حتى الله مع الوحدة”، معبّراً عن أمل السّوريين بمستقبل يُعيد لهم حريّتهم المسلوبة التي نرى (أبو النور) جائعاً لها طوال الفيلم، سواء كانت حرية اللّباس أو المعتقد أو مجرّد الاستماع إلى إحدى قنوات الراديو الممنوعة بصوتٍ عال!

وقد صرّح “ملص” في أحد لقاءاته الصحفيّة أن قصّة الفيلم مستوحاة من أحداث حقيقيّة شهدها في طفولته، كما أن الأماكن التي اختارها للتصوير هي أماكن تشكّل جزءاً من ذاكرته وطفولته في مدينة دمشق، ويُعدّ “أحلام المدينة” من أوّل الأفلام التي مهّدت لسينما المؤلف في سوريا وهو من الكتابة المشتركة لـ “محمد ملص” يالتعاون مع المخرج السّوري “سمير ذكرى”، وقد نال جوائز عديدة منها جائزة التانيت الذهبيّ في مهرجان أيام قرطاج السينمائيّة والجائزة الشرفيّة في مهرجان برلين السينمائي وجائزة السعفة الذهبيّة في مهرجان فالنسيا للسينما المتوسطيّة وغيرها.

الطحالب 1991

الطحالب 1991
الطحالب 1991

نتعرّف في هذا الفيلم على مدينة حماه السوريّة مسقط رأس المخرج وكاتب السيناريو “ريمون بطرس”؛ بكلّ ما تحمله هذه المدينة من تناقضات وعادات موروثة وأُخرى مكتسبة أوجدها الفساد الاقتصاديّ والسياسيّ الذي انتشر في البلاد في تسعينات القرن الماضي، ورغم الوضوح في الفيلم الذي نلمسه بشكل خاصّ في شخصيّة البطل الغاضب والمحتدّ على الدوام إلّا أنّه غني بالرموز المستترة أو المباشرة التي اعتمدها المخرج لخلق جوّ سوداوي غامض يمهّد للمأساة القادمة.

الفيلم من إنتاج سنة 1991 ومن بطولة الممثلين السوريين “أيمن زيدان” و”منى واصف” والممثلة اللبنانيّة “كارمن لبّس”، وقد حاز على جوائز عدّة من بينها الجائزة الفضيّة في مهرجان دمشق السينمائي عام 1991 وجائزة لجنة التحكيم الخاصّة من معهد العالم العربي عام 1992.

اللجاة 1993

قد يكون فيلم “اللجاة” من أكثر الأفلام تفرّداً بين مجموعة الأفلام التي سنحكي عنها، فهو لا يعرض قصّة مؤثرة فحسب إنّما يأخذنا منذ لحظاته الأولى إلى عالم خاصّ يجمع بين شاعريّة اللغة السينمائيّة التي اختارها المخرج السّوري “رياض شيا” والطبيعة الجبليّة القاسية لموقع التصوير، حيث تجري أحداث القصّة في قرية “اللجاة” وهي إحدى قرى الجنوب السّوري ذو الإرث الثقافيّ الغنيّ الذي يظهر واضحاً في الفيلم فنجد أنّ كل قول أو فعل تقوم به الشخصيّات يدلّ على تراث هذه المنطقة وعاداتها.

يحكي الفيلم قصة “سلمى” الشابّة التي تعيش صراعاً بين رغبتها بالتمرّد وخوفها منه في بيئة مُحافظة لا تولي اهتماماً بأفرادها الحالمين؛ وهي قصّة مأخوذة عن رواية “معراج الموت” للكاتب السّوري “ممدوح عزام”، وقد مُنع الفيلم من العرض لفترة طويلة استجابةّ لاعتراضات أهل المنطقة الذين وجدوا أنّه تعدّى على خصوصية تقاليدهم.

حاز “اللجاة” الذي يُعدّ الفيلم الوحيد لـ “شيّا” على الجائزة الفضيّة في مهرجان دمشق السينمائي في دورته التاسعة؛ إضافة إلى ثلاث جوائز في مهرجان الاسكندريّة السينمائي عام 1996، كما رُشّح “شيا” لجائزة المنطاد الذهبي في مهرجان القارات الثلاث السينمائيّ عام 1995.

الكومبارس 1993

الكومبارس 1993
الكومبارس 1993

هو فيلم عن شعور العجز وسط كلّ ما يُحيط المواطن العربيّ من خوف وترهيب وفقر، يحكي الفيلم عن دمشق 1993 بعيون عاشقين أو بصورة أدق رجل وامرأة يحاولان لعب دور العاشقين عوضاً عن “الأدوار البشعة” التي يُجبران على لِبسها خارجاً، عن محاولتهما إغلاق الأبواب والنوافذ في وجه قسوة العالم ومرارته علّ الخيبة تُخطئ طريقها إليهما، إلّا أنهما كيفما أدارا وجهيهما قابلتهما القضبان والقيود وتناهت إلى مسمعهما صيحات القمع والعنف.

الفيلم من إخراج وسيناريو “نبيل المالح” ومن بطولة الممثلين السوريين “بسام كوسا” و”سمر سامي”، وقد تمّت صناعته بميزانيّة متقشفة جعلت المالح يختار موقع تصوير واحد هو الشقّة التي تجري فيها أحداث الفيلم إلّا أنّه نال جوائز عديدة من بينها جائزة أفضل إخراج في مهرجان القاهرة 1993 وجائزة أفضل سيناريو في مهرجان فالنسيا 1993 وغيرها، كما صنّفه نُقّاد عديدون ضمن أفضل الأفلام العربيّة في القرن العشرين.

نسيم الروح 1998

لهذا الفيلم لغة شديدة الخصوصيّة، مُنفلتة من الواقع والأحكام الأخلاقيّة؛ إذ أن المخرج “عبد اللطيف عبد الحميد” يختار زوايا فريدة وغير تقليديّة لنشهد منها قصّة حبّ بين شاب رومنسيّ وامرأة متزوّجة، لا يقف المجتمع في وجهيهما هذه المرّة وإنما الشخصيّة المعقّدة لكليهما والإحساس الداخليّ بالذنب الذي يدفعهما إلى محاولات فاشلة للهرب من هذه العلاقة بأي شكل ممكن.

نشعر في هذا الفيلم أنّ الجمادات تؤثر في سير الحكاية كما الأفراد إذ تحمل أباريق الشاي، الأزهار والأحذية النسائيّة قصصها الخاصة التي تدفعنا للتعلّق بها وترقّب مصيرها، كما يمنح تشابك علاقات الأبطال مع محيطهم وقعاً جذّاباً للقصة بعيداً عن الملل.

يتميّز الفيلم بموسيقاه التصويريّة المتنوّعة التي تساعدنا على فهم الجوّ العام والإحساس بمشاعر الشخصيّات، وتدور أحداثه بين سوريا ومصر وهو من سيناريو وإخراج المخرج السّوري “عبد اللطيف عبد الحميد” ومن بطولة عدد من النجوم السوريين مثل: بسام كوسا، لينا حوارنة، أيمن زيدان، سلاف فواخرجي وغيرهم.

في النهاية، قد ينظر البعض إلى السينما العربيّة بعين النّقص، خاصّةً في بلدان مثل سوريا نظراً لشحّ التمويل وانعدام الحريّات الضروريّة للإبداع، إلّا أنّ الفنون ومن بينها الفن السابع لم تزل الوسيلة الأصدق للتعبير والتأريخ؛ فلا نملك أمامنا إلّا الإيمان بوجود مبدعين أبناء بيئاتهم ومجتمعاتهم قادرين دائماً على كسر القاعدة وإيصال همّهم وثقافتهم بطريقتهم الخاصّة ورغم الظروف ومشاهدة أفلام سورية أفضل في المستقبل.

أقرأ أيضًا: أفلام ندم أبطالها على تقديمها وأنكروها

0

شاركنا رأيك حول "بين السبعينات والتسعينات: أفلام من الحقبة الذهبيّة للسينما السّورية"